استهداف “المخا وصحن الجن” يرسخ معادلة صنعاء الاستراتيجيًة في جغرافيا المواجهة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
17 أغسطس 2026مـ – 4 ربيع ألاول 1448هـ
في تطورٍ ميداني نوعي يختزل مسارًا طويلاً من التحولات العسكرية في المشهد اليمني، جاء إعلان القوات المسلحة اليوم الاثنين، عن استهداف سفينة إنزال عسكرية تابعة للعدو السعودي وأربعة زوارق مرافقة لها قبالة سواحل المخاء بالبحر الأحمر عبر صواريخ باليستية دقيقة، بالتزامن مع ضرب مخزن أسلحة في معسكر “صحن الجن” بمأرب بواسطة الطائرات المسيّرة، ليمثل قفزة مركبّة في إدارة المواجهة وتثبيت معادلة “الحصار بالحصار”.
ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فإنّ احتراق سفينة الإنزال السعودية بالكامل وإغراق وتدمير الزوارق المرافقة لا ينفصل عن خلفيةٍ تاريخية تراكمت فيها أدوات الردع البحري والبري اليمني منذ اندلاع العدوان الأمريكي السعودي عام 2015م؛ إذ ظلت سواحل المخا ومضيق باب المندب، إلى جانب جبهة مأرب الاستراتيجية، المحاور الأكثر حساسية في رسم توازنات القوة.
ويرى مراقبون أنّ اختيار القوات المسلحة اليمنية لاستهداف السفينة قبالة سواحل المخاء تحديدًا، بدلاً من استهدافها في عرض البحر المفتوح؛ ينطوي على رسائل استراتيجية وميدانية متعدّدة الإبعاد منها ما يأتي تأكيدًا للسيطرة على المياه الإقليمية، وفي إشارةٍ صريحة إلى أن الساحل اليمني بأكمله، بما فيه المناطق القريبة من الممرات الاستراتيجية مثل باب المندب، وخليج عدن، يخضع للسيطرة النارية والرصد الدقيق، ولا يوجد فيه مساحة آمنة لتحركات تحالف العدوان.
كما أن استهداف سفينة إنزال عسكرية قرب الساحل يعني إحباط أيّ محاولات إنزال تكتيكي، أو دعم لوجستي، أو تثبيت نقاط تمركز جديدة للعدو بالقرب من اليابسة، وتحويل السواحل إلى نقطة قتل مباشر للقطع المهاجمة ما يؤكّد إسقاط كل رهانات التحشيد المباشر وغير المباشر.
ويُرسل تنفيذ العملية على التماس المباشر مع الساحل، بالتزامن مع عمليات البر في مأرب، رسالة نارية مفادها أن القدرة على حماية الأراضي اليمنية لا تقتصر على خطوط المواجهة البرية؛ فهي تمتد لتشمل الحماية البحرية القريبة ومنع التهديدات قبل وصولها إلى البر، والتي تأتي ضمن استراتيجية الربط بين جبهات البحر والبر.
وتهدف العملية أيضًا إلى تعمّد إظهار تكلفة سياسية وعسكرية مضاعفة؛ فإصابة الهدف على مقربة من الساحل توفر توثيقًا ميدانيًا واضحًا وتحدث صدىً إعلاميًّا ونفسيًّا أشد تأثيرًا، حيث يُظهر تحالف العدوان عاجزًا أمام القوات المسلحة اليمنية -وهو كذلك- عن حماية قطعه العسكرية حتى أثناء اقترابها من مهامها المباشرة، وقبل أن تصل إلى تحشيداتها على الأرض.
واللافت أنه ومنذ العمليات الأولى لتحالف العدوان على اليمن، وحتى فرض هذا التكافؤ التسليحي، خضعت الممرات المائية لعمليات الكر والفر والتأمين العسكري المحتدم، لتأتي هذه العمليات المزدوجة السلاح والمزدوجة المسرح لتؤكّد أن تحركات وتحشيدات العدوّ السعودي باتت تحت عين الرصد الدائم وفي مرمى النيران المباشرة أينما وجدت.
وتكتسب عمليات الساحل القريب في علم التكتيك العسكري بُعدًا استراتيجيًّا يتجاوز مجرد إلحاق الخسائر المادية بالعدو، إذ تحوّل الشريط الساحلي من نقطة ضعف جغرافية إلى حائط صد ناري، حيث اعتمد تحالف العدوان تاريخيًا على تفوقه في القطع البحرية للقيام بتمشيط السواحل وتسهيل عمليات الإنزال دون رادع، غير أن استهداف سفينة الإنزال على مقربة من البر يُسقط هذا التكتيك كليًا، ويجبر السفن والزوارق على التراجع بعيدًا إلى عرض البحر، ما يفقدها قدرتها على دعم القوات البرية أو القيام بعمليات إنزال خاطفة.
ويُعـد الساحل الغربي والمخا شرايين لوجستية حيوية؛ وحين تتلقى القوات المهاجمة ضربات صاروخية دقيقة في المياه الإقليمية الضيقة، يتوقف الاعتماد على النقل البحري القريب، ما يضاعف عبء الإمداد عبر الطرق البرية الأكثر كلفة وعرضة للكمائن، وهو ما تستخدمه القوات المسلحة اليمنية من استراتيجية فرض حظر ناري على خطوط الإمداد.
كما أن الربط بين شل حركة القطع البحرية قبالة المخاء واستهداف مخازن الأسلحة في عمق مأرب يُظهر قدرة على إدارة المعارضات المتزامنة، أو ما يسمى عسكريًّا إرباكًا لغرفة العمليات المشتركة؛ فهذا التزامن يمنع القيادة العسكرية للعدو من تحريك الاحتياط أو إعادة توزيع القوات بين الجبهات البحرية والبرية.
ويثبت توجيه صواريخ باليستية مسدّدة بنجاح إلى أهداف متحركة بالقرب من الساحل امتلاك تقنيات تتبع وتوجيه متطورة، قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي والتشويش المقترنة بالقطع البحرية الحديثة المعادية، ما يثبت فاعلية منظومات الرصد والاستخبارات وترابطها بغرف عمليات الترسانة الباليستية.
وبالنتيجة؛ فإنّ الربط بين تدمير قطع بحرية عسكرية قبالة سواحل المخاء واستهداف النقطة اللوجستية في صحن الجن بـ مأرب يعكس تكامل الجبهات وتعاضد الجهود الحربية، وإسقاط رهانات التحالف على تحشيد القوى أو المناورة الميدانية، مشدّدًا على أن أيّ تحرك عسكري بري أو بحري سيبقى هدفًا مشروعًا ومستحيلاً على الاختفاء ضمن الخارطة البحرية والبرية للجمهورية اليمنية.
