مأزق أرامكو في تصريف النفط الثقيل يعزز إحباط الرياض ويضاعف فاتورة النزيف المالي السعودي
ذمــار نـيـوز || وكــالات ||
17 أغسطس 2026مـ – 4 ربيع ألاول 1448هـ
أفادت وكالة “رويترز” نقلاً عن مصدرين مطلعين بأن شركة “أرامكو” السعودية بدأت في عرض شحنات نفط خام خارج مضيق هرمز على بعض شركات التكرير الآسيوية عبر مفاوضات خاصة، في استراتيجية تقلّد بها ما تتبناه شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، حيث تجري محادثات لبيع الخام العربي المتوسط والثقيل في الفجيرة على أساس النقل من سفينة إلى أخرى ولتحميل شهر سبتمبر/أيلول القادم.
هذا التطور الذي كشفت عنه رويترز لا يعكس مجرد مناورة لوجستية عابرة، بل يضع الرياض وجهاً لوجه أمام غصة سياسية وتحدٍ عميق؛ فبينما تحاول “أرامكو” عملاقة النفط السعودي الالتفاف على عُقد مضيق هرمز ومياه الخليج المضطربة، تقف السياسة السعودية في مهب الريح؛ إذ يبدو الاعتماد على ميناء الفجيرة الإماراتي مفارقة مُرة وتجسيداً لعجز الخطط السعودية البديلة، خصوصاً في ظل التصدعات العميقة السياسية والعسكرية التي ضربت أطنابها بين الرياض وأبوظبي، وتحديداً بعد القرارات الدراماتيكية بطرد القوات الإماراتية من اليمن على إثر احتدام الصراع بينهما كأدوات احتلال ورفض الرياض للتواجد الإماراتي المنافس في ميناء المكلا وكل حضرموت والمهرة. هنا تبدو سخرية الجغرافيا والسياسة معاً؛ بأن تضطر مملكة بن سلمان للبحث عن طوق نجاة لاقتصادها النفطي في هذا التوقيت في البنية التحتية لدولة خصومتها معها شديدة وإن أخفتها أكوام الرماد سواء فيما يتعلق بالحدود بينهما وحقول النفط أو ما يخص صراعهما في اليمن.
هذا التناقض يكشف عورة الخطط الاستباقية للرياض؛ فعلى الرغم من محاولات إظهار القدرة على إدارة الأزمات وتجاوز إغلاق هرمز وباب المندب بتنويع تصريف الإنتاج النفطي، فإن الاعتماد على منفذ دولة “معادية” كما تفسر ذلك التحركات والأحلاف، يضع الورقة الاقتصادية السعودية تحت رحمة حسابات معقدة؛ فخامات النفط “العربي المتوسط” و”العربي الثقيل” اليوم والمتجه صوب آسيا، تحط رحالها في الفجيرة وسط تكاليف مالية باهظة تُنهك أرباح أرامكو. فأقساط التأمين الفلكية ضد مخاطر الحرب، ورسوم العمليات المزدوجة -والتي تشمل التكاليف الباهظة لتأجير معدات المناولة البحرية، ورسوم استئجار السفن الوسيطة لإتمام عمليات النقل المعقدة من سفينة إلى أخرى في عرض البحر دون دخول الميناء بشكل مباشر، إلى جانب أجور خدمات التفريغ والتخزين المؤقت في مرافق الفجيرة، وصولاً إلى التنازلات السعرية الإجبارية لصالح المصافي الآسيوية؛ كلها عوامل تتحول إلى نزيف مالي مستتر تلتهم نيرانه عوائد البرميل النفطي، حتى في ظل ارتفاع الأسعار عالمياً.
والأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو مدى قدرة ميناء الفجيرة أصلاً على تحمل هذا العبء الضخم بتصريف نفط المملكة الثقيل والمتوسط، و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول هذا الميناء إلى شريان استراتيجي مضمون لضخ الحصص النفطية الهائلة للمملكة، إذ يظل مجرد حل مؤقت محفوف بالمخاطر في ظل عجز الخطط السعودية عن إيجاد مخرج ذاتي خالص ومستقل.
وإجبار أرامكو على الدخول في هذه الترتيبات المعقدة يظهرها وكأنها تبحر بسفنها المحملة بالخام الثقيل وسط أمواج عاتية من العداء المستتر، حيث كل ميل بحري تقطعه الشحنات نحو آسيا عبر الفجيرة هو خطوة إضافية نحو تكبد خسائر مالية وسياسية لمملكة بن سلمان.
