وتسندست اليمن بربيعها

3

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
16 أغسطس 2026مـ – 3 ربيع ألاول 1448هـ

بقلم// خديجة طه النعمي

تزهو الأيام وتتجمل الحقب، وتبقى النقوش المنحوتة في وجدان الأوفياء لا تمحوها التقلبات ولا تخلقها النوازل، ها هو شهر ربيع الأول يغمر الآفاق بسناه، فتنفض الأرواح عنها غبار الدهر، وترتدي القلوب أبهى حللها، وكأن الأرض تستعيد ذاكرة نورها الأول يوم أشرقت الدنيا بميلاد الماجد الأعظم، محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

في اليمن، لا يكون الربيع مجرد فصل عابر يمر على الخارطة، بل هو حالة وجدانية يتسامى فيها الوطن بأكمله، يكسو اليمانيون أرضهم ومدنهم بالخضار، حتى لتحسب أن الحجارة والمدارج الجبلية الشامخة قد استبدلت صلابتها برقة الشوق، وتشكلت في سُندس أخضر يسرق الألباب، نور يعانق نوراً، وفرح يتجدد كل عام كأنه الابتهاج الأول يوم استقبل الأنصار المشكاة النبوية بمشاعر لم تزدها السنون إلا صلابة ووفاء، إنه عشق يماني خالص؛ عشق لا يستقر في الحنجرة ككلمات، بل يجري في الدماء يقينا، ويتجسد في الميادين صمودا، ويُترجم في الروح سكينة وتمكينا..

هنا في قلب هذه الأرض، يصبح الذكر شفاء للجراح، وتكون الصلاة على الحبيب وآله نبضا يمد الأجساد بالقوة في الملمات، يرى العالم هذا الشغف فيحتار في سره، ولا يعلم أن من عرف قدر هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله لا يملك إلا أن يهيم به؛ فهو أمن الملاذ، وضياء الأبصار، وسيد الأرواح.

وعلى أمتداد الخارطة اليمانية، تتجلى المدن والأحياء كلوحاتٍ فنيةٍ نادرة؛ فتراها وقد ائتزرت باللون الأخضر وارتدته زينةً وبهاء، من أزقة صنعاء العتيقة التي عناق أضواؤها شموخ مآذنها، إلى مدرجات الجبال ومداخل المدن التي تحولت ليلًا إلى مجرات من النور الضاحك، تعزف الشوارع والمباني السكنية لحنًا بصرياً يسرق الناظرين، حيث تتشابك حبال الزينة الخضراء مع الدفء الساكن في قلوب الساكنين، لتغدو الحارة ياسمينةً خضراء، والمدينة بستانًا يفيض عشقًا، وكأن الحجارة والصخور قد أورقت حباً واكتست سُندسًا يحتفي بقدوم المصطفى صلوات الله عليه وآله.

تتسندس اليمن بربيعها لتقول للكون إن النور الممتد من ذاك الميلاد الشريف لا يطفأ، وأن الأمة المعصومة بحب نبيها وآل بيته الأطهار باقية على العهد، تحمل القرآن نهجا، والتآخي سورا، والحق سيفا.. فيا رب، كما زينت هذه الأرض بفرحة المولد، اجعل قلوبنا مشاعل لاتّباعه، واهدنا بنوره إلى المجد والعزة والرفعة.
سلام على صاحب المولد يوم ولد ويوم بُعث ويوم يُبعث حيا، وسلام على أرض غارت من جمالها الجنان لما كساها الحب المحمدي حلة من سُندس وبهاء.