‏ماذا يحدث في الجبهة اليمنية، وما الذي يحاول أنصار الله تحقيقه؟

7

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 أغسطس 2026مـ – 2 ربيع ألاول 1448هـ

تقريــر || د.حسن أحمديان

‏كلكم تسمعون بشكل يومي عن استهداف أنصار الله المكثف لميناء المخا جنوب غرب اليمن، وهنا سأوضح لكم ما الذي يحاول أنصار الله حالياً تحقيقه من هذه الاستهدافات المتكررة، ولماذا تعتبر هذه الجبهة من أخطر الجبهات في اليمن.

‏لفهم الوضع الحالي علينا أن نعود إلى عام 2017.

‏حتى ذلك الوقت كان الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح متحالفاً مع أنصار الله، ولكن في نهاية عام 2017 انهار التحالف بشكل كامل واندلعت مواجهات داخل صنعاء انتهت بمقتل صالح.

‏بعدها خرج ابن شقيقه طارق صالح من صنعاء، والتحق به عدد كبير من الضباط والجنود السابقين في الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والأمن المركزي الموالين لعائلة صالح.

‏وبدعم إماراتي أعاد طارق صالح تنظيم هذه القوات تحت اسم «حراس الجمهورية»، والتي أصبحت الذراع العسكرية لما يعرف اليوم بالمقاومة الوطنية، واتخذت من المخا مركزاً رئيسياً لها.

‏ولكن قوات طارق صالح ليست القوة الوحيدة الموجودة على الساحل الغربي.

‏هنالك أيضاً المقاومة التهامية، وهي قوات محلية من أبناء تهامة والحديدة، بالإضافة إلى ألوية العمالقة التي تشكلت بشكل أساسي من مقاتلين جنوبيين.

‏هذه التشكيلات قاتلت معاً تحت مظلة «القوات المشتركة» وبدعم إماراتي، واستطاعت خلال معارك الساحل الغربي السيطرة على باب المندب وذباب والمخا والخوخة والتقدم شمالاً حتى وصلت إلى أطراف مدينة الحديدة عام 2018.

‏وهنا حدث شيء مهم جداً.

‏تدخل اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 وأوقف الهجوم على الحديدة، وبقي أنصار الله مسيطرين على المدينة ومينائها، بينما بقيت القوات المشتركة منتشرة على شريط ساحلي طويل وضيق يمتد جنوب الحديدة باتجاه الخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

‏لاحقاً أصبح طارق صالح أحد أهم أصحاب النفوذ العسكري والسياسي في هذا الشريط، وتحولت المخا عملياً إلى مركز قواته الرئيسي.

‏وهنا نصل إلى ما يحدث اليوم.

‏أنصار الله يقومون منذ أيام بضرب المخا بشكل مكثف ومتكرر، ولكن باعتقادي الهدف ليس مجرد تدمير الميناء أو الرد على عمليات عسكرية معينة.

‏الهدف الأول هو شل مركز الثقل العسكري لطارق صالح.

‏ضرب المخا يعني ضرب القيادة، مخازن السلاح، التحشيدات، الزوارق وخطوط الإمداد التي تعتمد عليها القوات الموجودة على الساحل الغربي.

‏ولكن الهدف الثاني اهم.

‏الجبهة التي أمام أنصار الله ليست جبهة عريضة، بل شريط ساحلي طويل وضيق. ولذلك فإن تحقيق اختراق بري في نقطة مناسبة وقطع الطريق الساحلي يمكن أن يفصل القوات الموجودة شمال هذا الاختراق عن المخا ومصادر إمدادها جنوباً كما ترون في الخريطة بالاسفل.

‏أي أن أنصار الله لا يحتاجون بالضرورة إلى اقتحام كل مدينة على الساحل واحدة تلو الأخرى.

‏إذا استطاعوا كسر هذا الشريط وقطع خطوط الاتصال بين أجزائه، يمكن أن تتحول أجزاء من القوات المشتركة الموجودة شمالاً إلى جيوب معزولة، بينما تصبح المخا نفسها تحت ضغط عسكري بري مباشر.

‏لذالك هدف الاستهداف المكثف الحالي للمخا هو تدمير مركز الإمداد والقيادة أولاً، إنهاك القوات الموجودة على الجبهة ثانياً، ومن ثم تهيئة الظروف لأي تحرك بري لاحق.

‏والهدف النهائي إذا نجحت هذه العملية سيكون أكبر بكثير من مجرد السيطرة على المخا.

‏سيعني تفكيك الوجود العسكري الذي بُني على الساحل الغربي منذ 2017-2018، إخراج قوات طارق صالح من أهم معاقلها، واستعادة أجزاء إضافية من الساحل الغربي، وبالتالي تعزيز وضع حكومة صنعاء حول باب المندب والبحر الأحمر.

‏لهذا باعتقادي حملة القصف التي يشنها أنصار الله على المخا تحمل طابع تحضيري لعملية برية واسعه وخاطفه ستمكنهم من السيطرة الفعلية وليس النارية فقط على كامل الساحل اليمني المشرف على مضيق باب المندب.

‏نحن نشاهد محاولة أنصار الله لتغيير الخريطة التي تشكلت بعد معارك الساحل الغربي عام 2018، ولكن هذه المرة لصالحهم.

وهذا يفسر إلى حد كبير الصمت السعودي تجاه استهداف أنصار الله المتكرر لميناء المخا.

‏القوات الموجودة هناك هي بالأساس قوات طارق صالح المدعومة إماراتياً، والمخا تمثل أحد أهم مراكز النفوذ العسكري الإماراتي في اليمن.

‏السعودية ربما ترى مصلحة تكتيكية لها في انهيار هذه الجبهة أو على الأقل إضعافها، خصوصاً في ظل التنافس السعودي-الإماراتي على النفوذ داخل اليمن.

‏بمعنى آخر، أنصار الله يضربون حالياً خصماً مشتركاً بينهم وبين السعودية، وفي الوقت نفسه يفككون منطقة نفوذ إماراتية لا سعودية.

‏وهذا قد يفسر لماذا تراقب الرياض ما يحدث في المخا بصمت مريب.