ذكرى المولد النبوي: وقفة تقييمٍ واستنقاذٍ لأمةٍ منحرفة عن بوصلتها

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 أغسطس 2026مـ – 2 ربيع ألاول 1448هـ

تحلُّ ذكرى المولد النبوي الشريف على الأمة الإسلامية، لا بوصفها مناسبة احتفاءٍ عابرٍ يُطوى سجلُّه بانقضاء يومه، بل بوصفها محطةً إيمانيةً كبرى لمراجعة الواقع، وتقييم المسيرة، واستعادة البوصلة. إنها فرصةٌ ثمينة لنسأل أنفسنا بصدق: أين نحن من رسالة ذلك النبي العظيم؟ وأين الأمة من مشروعها القرآني؟ وأين موقعها من معركة الحق والباطل في زمنٍ تجرَّد فيه كثيرٌ من أبنائها من هويتهم، وتنكروا لمبادئهم، بل بلغ الانحراف ببعضهم حدَّ التحرك تحت راية الطاغوت والاستكبار الأمريكي الإسرائيلي، في الوقت الذي يفترض أن ينتموا فيه إلى دينٍ يقوم على القسط والعدل والحق.

ذكرى المولد النبوي: محطةٌ لتقييم واقعٍ مأزوم
إن هذه المناسبة المباركة تأتي في مرحلةٍ من أخطر مراحل تاريخ أمتنا؛ إذ تعاني الأمة من الإجرام الصهيوني الأمريكي وانقساماتٍ حادة، وصراعاتٍ عنيفة، وتمزقاتٍ داخلية تنخر جسدها، وتُضعف مناعتها، وتفتح أبوابها للأعداء المتربصين، ومن هنا فإن أول ما ينبغي أن ننطلق منه في هذه المراجعة هو إعادة تصويب مسار الأمة؛ ذلك أن انحراف المسار عن منهج الله ورسوله صلوات الله عليه وعلى آله، كلما تعمَّق، عظمت تبعاته، واشتدت خسائره، فتدفع الأمة الثمن من قيمها وأخلاقها ومبادئها، وينعكس ذلك على كل شؤون حياتها دينًا ودنيا.

ولكي يكون التصويب حقيقيًّا لا شكليًّا، لا بد أن يقوم على أساسٍ متين هو تعزيز الهوية الإسلامية بمفاهيمها الصحيحة: من نحن؟ وما مبادئنا وقيمنا؟ وما مشروعنا كأمة؟ وما معالم هذا المشروع؟ ومن هو المعلم والملهم والقدوة والقائد الذي يجب أن نستحضره بقوةٍ إلى حاضرنا وواقعنا؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية، وهي بلا شك تتمثل في رسول الله محمدٍ صلات الله عليه وعلى آله وسلم، الذي جاء رحمةً للعالمين، وهدىً ونورًا مبينًا.

انحرافٌ مكشوف وتقصيرٌ مخزٍ
إن واقع الأمة اليوم يتأرجح بين صنفين، كلاهما يُسهم في إضعافها وتآكل هيبتها:

الصنف الأول: أولئك الذين لم يتحرجوا من التحرك تحت الراية الأمريكية والإسرائيلية، راية الطاغوت والاستكبار، راية الظلم والعدوان، راية الفساد والإجرام، لقد حملوا لواء النفاق والفتنة داخل جسد الأمة، وقدَّموا للإسلام والعروبة صورةً مشوهةً تُدجِّن الأمة لأعدائها الحقيقيين، وتجعلها لقمةً سائغةً للطامعين، وهذا المستوى من الانحراف المفضوح المكشوف يستقطب إلى جانبه أصنافًا من فئات الأمة، ممن باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، واستبدلوا العزة بالذل.

والصنف الثاني: أولئك الذين اختاروا الصمت والقعود والمداهنة والتنصل من المسؤولية، في مرحلةٍ نكبت فيها الأمة، وتعاظمت فيها المحنة، وكبرت فيها المظلمة، وتجلت فيها الحقائق كالشمس في رابعة النهار، أولئك الذين يقفون موقف المتفرج من مآسي إخوانهم، وكأنهم أمةٌ تنتمي إلى دينٍ تسمح مبادؤه بالتجنيد في صف الطاغوت، أو تقبل بالظلم، أو تتغاضى عن الجريمة والعدوان. كلا! فالدين الذي ننتمي إليه هو دين المسؤولية؛ كل ما فيه يعزز هذه المسؤولية: مبادئه وقيمه وأخلاقه وتعاليمه، وهو يقدم أعظم وأرقى قدوةٍ في تحمل المسؤولية والنهوض بها والتحرك بها، ألا وهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.

وإن من أهم المرتكزات الأساسية لهويتنا وانتمائنا، الإيمانُ الصادق برسول الله محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله، إيمانَ التصديق والولاء، وإيمان المحبة والاهتداء، وإيمان الاتباع والاقتداء؛ إيمان من يستشعرون عظمته، ويعرفون قدره، ويدركون نعمة الله عليهم به.

النعمة العظمى برسول الهداية والمنقذ
لقد كان العالم بأسره في كل أنحاء المعمورة يعيش في واقعٍ مظلمٍ قاتم؛ الشرك والباطل قد عمَّ، والظلام ادلهمَّ وأعتم، وباتت البشرية أسيرة الشقاء والضياع، لا هدف لها في الحياة، ولا غاية فلاحٍ تسير إليها. لقد كان الواقع العربي والعالمي يرزح تحت وطأة الجاهلية بظلامها الدامس، ورجسها النجس، ويتجه نحو التفاقم: ازديادًا من الشر، وانتقاصًا من الخير، وتلاشيًا للأخلاق، دون أدنى التفاتةٍ جادة لخطورة ما هم فيه، وسوء ما هم عليه.

ولولا أن الله سبحانه وتعالى أرسل رحمته المهداة، ونوره الساطع، لظلت البشرية تواصل توغلها في تلك المتاهة الظلماء، بلا منقذٍ رباني يأخذ بيدها نحو الصراط المستقيم. وصدق الله القائل في كتابه الكريم:{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 1-3].

فبهذا الرسول الذي أنعم الله به، وبهذا الهدى القيم الذي جاء به من الصحف المطهرة( القرآن الكريم)، انتشل الله البشرية من الهاوية، وأنقذها من الجاهلية التي لو استمرت وتعاظمت لكانت النتيجة أن يفقد الإنسان كل أثرٍ لإنسانيته، ويهبط دون مستوى الحيوانات، وتُعبد الأصنام الحجرية والخشبية والبشرية من دون الله، وتُؤله الأوثان، وتسيطر أرجاس الجاهلية ومفاسدها وفحشها وخبثها وفوضويتها السلوكية على كل مناحي الحياة.

واليوم، حين ننظر إلى المستوى البائس والمؤلم لواقع أمتنا بعد أن استنقذها الله بنبيه وهديه، نستطيع أن نتصور كيف كان يمكن أن يكون الحال لو لم يُبعث هذا النبي، ولو لم يأتِ هذا الدين، ولو لم يحدث ذلك التغيير العظيم. لكانت الأمة في وضعٍ خرجت فيه عن طور الإنسانية تمامًا، ولكنا قطيعًا من الحيوان المتوحش الضائع في غاباتٍ قاحلة. فما أعظم نعمة الله علينا، ولطفه بنا حين استنقذنا من مصيرٍ نهايته الحتمية جهنم، وهيأ لنا سبيل الخير والنجاة الذي يوصلنا — إن سرنا عليه والتزمنا به — إلى جنته ورضوانه في الآخرة، ونسعد به في الحياة الدنيا.

الرسالة والرسول.. الرحمة المهداة
إن العنوان الأعظم للرسالة وللرسول هو الرحمة. قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وهذه الرحمة ينعم بها الإنسان إذا قبلها وتفاعل معها واستجاب لها. فالقرآن الكريم بهديه العظيم وتعليماته النافعة رحمةٌ للإنسان، ورحمةٌ للمجتمع الذي يهتدي به؛ فهو يصنع أثرًا عظيمًا في النفس البشرية سموًّا وزكاءً وطهرًا، ويخلصها من الأثر السيئ للضلال الذي يشقيها ويعقدها، ويحولها إلى نفسٍ شريرةٍ حقودةٍ مشحونةٍ دنيئةٍ خسيسةٍ منحطة، تحمل نزعة الشر والإجرام، وتفقد الشعور الإنساني الفطري الرحيم المحب للخير، التواق لمكارم الأخلاق.

وإن القرآن الكريم — الوثيقة الإلهية المتضمنة للرسالة، الذي جاء به وتحرك به وهدى واهتدى به خاتم الأنبياء محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم — أرسى للمجتمع البشري في علاقاته ومعاملاته وروابطه دعائم الرحمة والتراحم: فأمره بالعدل ونهيه عن الظلم رحمة. أمره بالإحسان ونهيه عن الإساءة رحمة. أمره بالخير ونهيه عن الشر رحمة. نظامه التشريعي بكل حلاله وحرامه — وهو أحلَّ الطيبات وحرم الخبائث والمضار والمفاسد — رحمة. توجيهه للمجتمع الإسلامي إلى التكافل، وأن يعطف الغني على الفقير، والكبير على الصغير، والقوي على الضعيف بالحنان والخير رحمة. أمره بالتعاون على البر والتقوى، ونهيه عن التعاون على الإثم والعدوان رحمة. أمره باحترام كرامة الإنسان وعصمة دمه وعرضه وماله إلا بحق رحمة. توجيهه المجتمع المسلم إلى ما يبنيه مجتمعًا قويًّا عزيزًا حرًّا مقتدرًا على الدفاع عن نفسه ومواجهة قوى الشر وحماية دينه وعرضه وأرضه رحمة. هدايته للإنسان إلى الله لينعم بإحساسه في وجدانه بالقرب من الله، ويشعر ويأنس بالله، ويستمد منه هدايته وعونه وفضله العظيم الواسع، ويشعر بصلة عبوديته لله رحمة وأي رحمة. تقديمه البصيرة الكافية والوعي العالي عن الحياة والناس والأحداث والسنن بما يقي الإنسان من مهاوي الردى والضلال رحمة.

وكل تعليماته وهديه رحمة، ودلالته على الصراط المستقيم الذي منتهاه وغايته رضوان الله ومستقر رحمته، الجنة التي عرضها السماوات والأرض بمرافقة الأنبياء والصالحين رحمة، ونجاته من جهنم والعذاب في الدنيا والآخرة رحمة. ولذلك قال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155].

هلمُّوا إلى نبي الإسلام في رسالته وهديه
إن الكفيل بحصول المجتمع الإسلامي على هذه الرحمة في الدنيا والآخرة — مجتمعًا وأفرادًا — هو التفاعل والتجاوب مع هذه الرحمة متمثلةً في نبي الإسلام رسول الله محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، بمنهجه ورسالته التي تضمنها القرآن، وحركته بالرسالة التي قدم فيها الأسوة والقدوة والمعلم والمزكي والمربي الهادي.

وبذلك تستطيع الأمة أن تستعيد تجربة مجدها الأول الذي استنقذها به نبي الله من جحيم الجاهلية الأولى، يوم كانت قد فقدت الرحمة لدرجة وأد البنات وقتل الأبناء لأتفه الأسباب، ويوم استباح الإنسان كل شيء في أخيه الإنسان، وفقد جوهر إنسانيته.

واليوم، لا بد — في الاستنقاذ من الجاهلية الأخرى الأكثر شرًّا من الجاهلية الأولى — من إعادة الوصل والعلاقة والرابطة الإيمانية برحمة الله المهداة لعباده، خاتم أنبيائه محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، وأول ما تحتاج إليه الأمة في ذلك هو معرفة هذه العلاقة، وما ينبغي أن تقوم عليه من التعظيم والتوقير والاتباع.

فالله سبحانه وتعالى قد دمج في القرآن الكريم علاقتنا به بعلاقتنا برسوله، لنعرف أنها علاقة إيمانية، فجعل طاعته من طاعته: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80]. وجعل الإيمان به والتعظيم والتقديس كذلك {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]. وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

فهلموا يا أمة الإسلام إلى نبي الإسلام في رسالته، وفي حركته، وفي جهاده، وفي صبره، وفي هدي قرآنه. هلموا إلى تزكية النفوس، فالله كلفه بتزكيتنا. هلموا إلى مكارم الأخلاق، فهو بُعث ليتمم مكارم الأخلاق. هلموا إلى الرحمة والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالمرحمة. هلموا إلى الثبات في مواجهة التحديات.

شعب الإيمان في مواجهة قرن الشيطان
إن شعبنا اليماني الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالبركة لجديرٌ بهذا الشرف، وأهلٌ لهذا الفضل. وهو اليوم يواجه قرن الشيطان، ومنبع الزلازل والفتن، المعتدي الباغي الأثيم، الذي تحرك تحت الراية والمظلة الأمريكية، غير محترمٍ للإسلام ولا لحرمة المسلمين.

وغير غريبٍ على النظام السعودي — بولائه لأمريكا وبعقيدته الوهابية — هذا الانحراف الذي وصل به إلى درجة إدخال الصهاينة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتدنيس مقامه العظيم بدخولهم إليه، وإلى تدمير قبر والدة رسول الله الشريفة المصونة آمنة بالديناميت، وإلى تحويل منزل أسرته الذي ولد فيه بمكة، وكان معلمًا وأثرًا تزوره الأمة طول تاريخها، إلى حمَّام! والله المستعان.

بل وصل بهم الأمر إلى اعتبار التعظيم لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم شركًا يُعاقب عليه بالقتل، في حين أن تعظيم ملوكهم وأمرائهم، وتعظيم ترامب يوم أتى إليهم جائزٌ، وليس بدعةً ولا شركًا في ميزانهم!

وغير غريبٍ على هؤلاء سلوكهم الوحشي الفاقد للرحمة، بقدر بُعدهم عن رحمة الله المهداة للعالمين رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم في منهجه وأخلاقه وعطفه وحنانه. لقد استباحوا في عدوانهم على بلدنا كل شيء؛ فقتلوا الآلاف المؤلفة من الأطفال والنساء، وسعوا إلى تجويع شعبنا، ونشروا الأوبئة، وأهلكوا الحرث والنسل، ولم يدعوا حرمةً من حرمات الله إلا انتهكوها، ولا ظلمًا وإجرامًا إلا فعلوه.

لكن شعبنا — بإيمانه بالله ورسوله وكتابه — صامدٌ ثابتٌ صابر، ومعنيٌّ بالمزيد من الصبر والثبات. وقد قطع شوطًا كبيرًا في الاقتصاص من المعتدين ويكبَّد المعتدين خسائر كبيرة، وحطَّم الله بصبر هذا الشعب المظلوم وتضحياته العظيمة كبرياءهم وغرورهم. وإن عاقبة الصبر النصر، والثبات على الحق الفرج، والعاقبة للمتقين.

أخيرا: إن ذكرى المولد النبوي ليست شعارًا يُرفع ثم يُنكَّس، بل هي عهدٌ يُجدَّد، ومسارٌ يُصحَّح، وبوصلةٌ تُضبط على نور النبوة. فلنعد إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل شأنٍ من شؤوننا، ولنستلهم من سيرته العطرة معاني العزة والكرامة والثبات، ولنكن أمناء على رسالته، حاملين لوائه، سائرين على هديه، حتى يعيد الله لأمتنا مجدها، ويُظهرها على أعدائها، وينصر عباده المؤمنين الصادقين.