المشهد اليمني المتصاعد: قراءة في تحولات المواجهة وخيارات المستقبل
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 أغسطس 2026مـ – 29 صفر 1448هـ
إثر التحرك اليمني الواسع وفي ظل التطورات الميدانية المتسارعة يبرز تساؤل جوهري على المشهد السياسي والعسكري: كيف ستؤول الأمور في ظل الرد اليمني غير المسبوق على التصعيد السعودي، وما هي الخيارات المطروحة بين الحرب والسلام؟
إن مضي الشعب اليمني بكل هذا العنفوان في كسر الحصار السعودي المفروض عليه منذ 12 عاما مثّل زلزالاً استراتيجياً أعاد رسم خارطة الردع في المنطقة برمتها، فالتطورات العسكرية التي انطلقت من عمق الأراضي اليمنية امتدت لتطال مفاصل حيوية متعددة في العمق السعودي، في مشهد يعكس نقلة نوعية في ميزان القوى وقواعد الاشتباك.
لقد تجلت هذه النقلة في استهداف المنشآت النفطية السعودية في جيزان وينبع وبقيق، تلك المنشآت التي تمثل شريان
الحياة الاقتصادي للمملكة، مروراً باستهداف تسع سفن سعودية وفرض حظر بحري شامل على الملاحة السعودية، بدأ من باب المندب، ثم تمدد شمالاً نحو البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، في توسع استراتيجي لافت يعكس قدرة يمنية على التحكم بالممرات المائية الحيوية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل استهداف مطاري أبها ونجران، ومؤخراً العمليات النوعية ضد التحشيدات العسكرية السعودية في الوديعة ومعسكر صحن الجن في مأرب والمخا بالساحل الغربي، في رسالة واضحة بأن اليد اليمنية قادرة على الوصول حيث تشاء.
صمت الرياض المستغرب
أمام هذا الإعصار العسكري المتصاعد، يقف المرء مشدوهاً أمام مشهد صامت غير مألوف من المملكة السعودية، التي طالما عُرفت بسرعة ردودها العنجهية والمتغطرسة إزاء أي إزعاج يطالها ولو كان مجرد كلمة عابرة، فتاريخ المملكة حافل بالمواقف الحادة التي لا تقبل المساومة أو التهاون، حيث قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع دول كاملة بسبب تصريحات أو مواقف اعتبرتها مسيئة، كما حدث مع قطر ومع وزير إعلام لبنان، وكما جرى مع كندا حين انتقد أحد المسؤولين الملك.
لكن اللافت للنظر أن الرياض، التي لم تتوانَ عن شن حملة عدوانية واسعة على المقاومة العراقية واستهداف مقراتها في خمس مناطق مختلفة عندما وجهت إليها اتهامات باطلة باستهداف بقيق، تقف اليوم عاجزة عن القيام بأي إجراء مماثل إزاء اليمن، في مفارقة تكشف حجم التحول في موازين القوى، وتفضح التراجع المذل الذي تعيشه المملكة بعد سنوات من الغطرسة والكبرياء.
فمن يتذكر المشهد في عام 2015، حين حشدت السعودية العالم أجمع في تحالفها العسكري، واستباحت طائراتها المدن اليمنية، وقتلت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء في غطرسة لا تعرف الرحمة، ليدرك حجم الانتكاسة التي تعيشها اليوم. إن صمتها الراهن ليس إلا اعترافاً بعجزها، وإقراراً بانعدام خياراتها، وتجسيداً لذل استراتيجي لم تألفه في تاريخها. بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك في محاولاتها اليائسة لاستعادة بعض من هيبتها المفقودة، فعمدت إلى إنشاء تحالفين؛ أحدهما بحري والآخر تحالف دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، ومع ذلك، ورغم كل هذه الترتيبات، لم تستطع أن تتبنى موقفاً واضحاً في كيفية التعامل مع الموقف اليمني، ولا في كيفية الرد عليه، وبقيت تراوح مكانها في صمت مطبق، لا تملك فيه جواباً شافياً ولا موقفاً حاسماً.
فلسفة الخيار العسكري اليمني: عقيدة راسخة لا تهور
هنا يجب أن يقف العالم طويلاً أمام حقيقة جوهرية كثيراً ما تُغيَّب عن المشهد: إن السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، حينما يُقدم على اتخاذ أي خيار عسكري، فإنه لا يُقدم عليه من فراغ أو تهور، ولا يتخذه إلا بعد أن يكون قد استنفد كل الخيارات السلمية المتاحة، حتى إذا لم يبقَ غير الخيار العسكري، أقدم عليه بثبات لا يتزعزع.
وهذا بالضبط ما حدث في المشهد اليمني الراهن، فإعلان السيد القائد العزم على انتزاع حقوق الشعب اليمني من العدو السعودي، الذي عاث في الأرض الفساد طيلة اثني عشر عاماً، لم يكن خياراً متسرعاً، بل كان خياراً لا بد منه بعد فشل كل الخيارات الأخرى، فقد تم توقيع اتفاق التهدئة في أبريل 2022، بعد ثمانِ سنوات من الحرب والعدوان والقتل والإجرام، لكن العدو السعودي لم يلتزم بأيٍ من بنود الاتفاق، بل سعى -على العكس- إلى تعميق الأزمة، وتشديد الحصار، والتنصل من كل الاستحقاقات المحقة للشعب اليمني. والأدهى من ذلك أنه حاول التنصل من تورطه فيها، ملقياً باللوم على أدواته في الداخل لتبرئة نفسه، في محاولة مكشوفة للتهرب من المسؤولية.
الأولوية في انتزاع الحقوق
وحول الجهود المبذولة للسلام خلال الفترة الراهنة من التصعيد يؤكد رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام أن الوفد -وتزامنا مع العدوان الذي يتعرض له شعبنا اليمني العزيز- يواصل اتصالاته ولقاءاته مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لتوضيح الموقف من هذه التطورات، والتأكيد على أن العمليات التي تقوم بها قواتنا المسلحة ضد سفن العدو السعودي وتحشيداته ومعسكراته المتمركزة داخل اليمن تأتي في إطار ردنا المشروع على الاعتداءات التي يتعرض لها شعبنا اليمني، لا سيما الاعتداء الغاشم على مطار صنعاء بتاريخ ١٣ يوليو ٢٠٢٦م.
يؤكد عبدالسلام أن صنعاء طوال أربع سنوات التزمت بالهدنة وخفض التصعيد، ولم تنفذ أي عمل عدواني ضد السعودية، ولكن في المقابل استغلت السعودية هذه الهدنة للتصعيد المدروس في الجانب الاقتصادي والمعيشي بهدف إرهاق الشعب اليمني.
أبواب الحوار والتفاوض لم تغلق من قبل ومن بعد –كما يؤكد عبدالسلام– فمن يرفضه هو الطرف السعودي، وقد أعلن ذلك مؤخرا بكل وضوح متناقضا مع بياناته التي يدعي فيها أنه يدعم الحلول السلمية، وهو بذلك يريد المماطلة لاستكمال مؤامراته وتجهيزاته العسكرية لإدخال البلاد في فوضى وحروب لا نهاية لها، وبالتالي –كما يؤكد عبدالسلام– فإن القوات المسلحة مستمرة في القيام بواجبها الوطني والمسؤول في مواجهة هذه المؤامرات والدفاع عن سيادة اليمن واستقلاله وكرامته، وانتزاع حقوق الشعب اليمني كاملة بإذن الله.
وعن أفق أي سلام مستقبلي يؤكد عبدالسلام بأن أي مسار قادم يجب أن يسفر عن تحقيق الحقوق المشروعة للشعب اليمني، وفي مقدمتها تحقيق الملفات الإنسانية المتمثلة بفتح المطارات والموانئ، وصرف المرتبات، واستئناف تصدير النفط والغاز وتحويلها لصالح الخدمات لعموم الشعب اليمني كما هو في خارطة الطريق.
وأمام هذا المشهد لم يبق للعدو السعودي أي مبرر، فالأمور باتت واضحة، والتنصل السعودي هو من يعقّد الأمور ويزيد من اتجاهها نحو التصعيد.
صبر استراتيجي نفد
لقد صبر الشعب اليمني أربع سنوات كاملة على وقع الوعود المعسولة والوساطات العقيمة حتى بلغت به المعاناة الحلقوم، ووصل الجوع إلى مستويات لا تطاق، وحين فشلت كل الوساطات والتدخلات الأممية التي قادها المبعوث الأممي، وحين تعثرت الوساطات العمانية المتكررة، وحين حاول الشعب اليمني كسر الحصار عنه عبر تسيير رحلات للمرضى إلى طهران، قامت المملكة بمنع ذلك، وأصرت على امتهان كرامة الشعب اليمني، مؤكدة أنها لن تسمح لأي طائرة بالهبوط في صنعاء إلا بإذنها، وكأنها سيدة الموقف ومقررة مصائر العباد. عند هذه النقطة بالذات وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة، وأيقن الجميع أن الخيارات السلمية قد استنفدت تماماً، وهنا جاء الإعلان اليمني بالتصعيد ضد العدو السعودي، وأن هذه الحرب ستكون مفتوحة وواسعة الأفق وبلا أي حدود، وأن سقفها كبير وواسع، ولن تتوقف إلا بتحقيق مطالب واضحة لا لبس فيها: وقف العدوان، رفع الحصار، ودفع التعويضات وجبر الضرر.
شرعية شعبية لا تقبل المساومة
حظي قرار “الحصار بالحصار” بتأييد شعبي جارف تجسد في مسيرات مليونية شاهدها العالم أجمع، خرج فيها الشعب اليمني معلناً تأييده المطلق للمعركة مع السعودية لانتزاع حقوقه كافة، ولم تقتصر هذه الحقوق على مجرد إنهاء الحصار على المطار، بل تجاوزتها إلى المطالبة بكسر الحصار بشكل كامل، ورفع اليد عن الشعب اليمني رفعاً كاملاً، حتى يحق له أن يقيم علاقاته مع من يشاء وقت ما يشاء، ويحق له بيع نفطه وغازه ممن يشاء وبالسعر الذي يريد، ومن حقه أن يعقد الاتفاقيات والمعاهدات مع من يشاء كما يحدث في كل دول العالم. إنها مطالب سيادية لا تقبل التجزئة أو الانتقاص.
من يرسم ملامح المشهد؟
السؤال المحوري الآن يتمثل في من يرسم شكل المشهد للمعركة القادمة؟ والإجابة بكل وضوح أن ما يمكن أن يرسم شكل المشهد هو التصرف السعودي وحده، فموقف اليمن واضح لا لبس فيه، أعلن اليمن معادلته بكل شفافية، ولن يقبل بأنصاف الحلول، ولن يقبل بالهدن المؤقتة بعد اليوم، بالتالي فإن الكرة الآن في المرمى السعودي حصراً، فإما أن تقبل السعودية بما يطلبه الشعب اليمني من إنهاء للحصار والعدوان بشكل كامل، وحل الملف الإنساني بشكل كامل، ودفع التعويضات وجبر الضرر، وإما أن تتجه نحو التصعيد وتتحمل تبعاته. فكلمة اليمن واضحة لا تحتمل التأويل: إذا اتجه العدو السعودي للتصعيد الشامل، فإن القوات المسلحة ستعمل على إشعال التصعيد الشامل من أوسع أبوابه.
والملاحظ في الاستراتيجية اليمنية أنها تتبع نهجاً تدريجياً متصاعداً وفقاً لظروف ومتطلبات المعركة. فعلى صعيد كسر الحصار البحري، بدأت العمليات العسكرية بالحظر البحري على السفن النفطية السعودية في باب المندب، ثم توسعت تدريجياً لتشمل شمال البحر الأحمر وعبر قناة السويس، وصولاً إلى استهداف سفينة نفطية سعودية في ميناء ينبع. وهناك خيارات أخرى لم تُفعل بعد، منها الحظر الكامل على المطارات السعودية، وهو ما ستتخذه القوات المسلحة في القريب العاجل إذا لم ينصَع العدو السعودي.
وفي جعبة القوات المسلحة اليمنية المزيد، إذ بإمكانها ضرب الأهداف الحساسة في العمق السعودي، وتجفيف منابع النفط ومعامل التكرير، إضافة إلى استهداف كل ما يتعلق بمدينة نيوم، وما يتعلق برؤية 2030 السعودية التي تمثل حلم المملكة المستقبلي.
أما إذا اتجه العدو السعودي إلى تفعيل أدواته في الداخل اليمني، فإن القوات المسلحة اليمنية جاهزة للتعامل مع ذلك بكل غلظة وشدة، وقد بدأت بالفعل، فحينما رصدت أن العدو السعودي يحشد أدواته في الداخل ويجهزهم للزحف في مختلف الجبهات على امتداد خطوط التماس، باشرت استهدافهم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في العبر بحضرموت، وفي معسكر “صحن الجن” بمأرب، وكذلك في المخا بالساحل الغربي، وهي على أتم الاستعداد لتحرير البلد كاملة من أي تواجد أجنبي.
لكن الحسم الاستراتيجي الأهم يتمثل في أن القوات المسلحة لا تربط أي تحرك للأدوات في الداخل بمعزل عن العدو السعودي، بل إن كل تحرك لهم في الداخل اليمني هو تحرك سعودي بامتياز، وسيتم الرد عليه في العمق السعودي مباشرة، مع الجهوزية التامة للتحرك البري وتحرير كافة التراب اليمني من دنس المحتلين.
ولا تقف الخيارات اليمنية عند هذا الحد، بل تمتد إلى فتح جبهات جديدة على الحدود مع السعودية، عبر تنفيذ عمليات اجتياح وسيطرة على المناطق السعودية في نجران وجيزان وعسير، فالمعركة مفتوحة على كل الاحتمالات، والجغرافيا لم تعد حاجزاً، بل صارت ورقة بيد القوات المسلحة اليمنية.
حسم الموقف
بالتالي، فإن الكرة في يد العدو السعودي حصراً، وهو الذي بيده أن يختار درب السلام أو درب التصعيد، أما اليمن وقواته المسلحة فالموقف واضح ومعلن ولا جدال فيه: “لن تتوقف المعركة حتى تحقيق كل المطالب، ولن نقبل أنصاف الحلول، ولن نرضخ لأي ضغوط أو إملاءات”، فالنقاط قد وضعت على الحروف، وتُرك القرار الأخير لمن بيده أن يختار بين حرب لا تبقي ولا تذر، أو سلام يعيد الحقوق ويجبر الضرر ويرفع الظلم عن شعب صبر وصابر حتى بلغ الصبر منتهاه.
