الردع اليمني يقلب الطاولة على العدو.. ضربات استباقية تربك التحشيد السعودي وتهوي بالرياض في الاستنزاف الاقتصادي
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
11 أغسطس 2026مـ – 28 صفر 1448هـ
يدخل مسار الردع اليمني في مواجهة العدوان والحصار السعودي مرحلة مختلفة مع انتقال المبادرة العسكرية إلى القوات المسلحة اليمنية، التي باتت تضرب التحركات العسكرية قبل اكتمالها وتتعامل مع محاولات إعادة تشكيل جبهات داخلية باعتبارها أهم مرتكزات التصعيد السعودي.
وتكشف طبيعة الأهداف التي طالت معسكرات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة وسفنًا محملة بالأسلحة عن تحول واضح في قدرة الردع اليمنية، وعن اتساع نطاق المواجهة ليشمل أدوات الضغط العسكري والاقتصادي والبحري في آن واحد.
وتضع هذه التطورات السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا، بعدما تحولت محاولات الحشد وإعادة ترتيب القوات التابعة لها من وسيلة لفرض متغيرات ميدانية جديدة إلى أهداف تتعرض للاستهداف قبل دخولها مرحلة التنفيذ.
ومع استمرار الحظر على الملاحة السعودية، تتسع كلفة المواجهة لتشمل قدرة الرياض على تصدير النفط ومصالحها الاقتصادية، في وقت تبدو فيه الخيارات العسكرية اليمنية متجهة إلى جعل المغامرات والمقامرات السعودية أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق أهدافها.
وفي المقابل، يظهر الرد اليمني كقوة ردع تتجاوز مجرد الاستجابة للهجمات، من خلال الرصد الاستخباراتي والتحرك الاستباقي واستهداف مراكز الثقل التي يقوم عليها التصعيد، في حين أن استمرار هذه المعادلة يعني تراجع قدرة السعودية على نقل المعركة إلى الداخل اليمني، بينما تصبح المنشآت الحيوية والاقتصاد والملاحة السعودية ضمن دائرة الضغط المقابلة، بما يعيد رسم حسابات الصراع على نحو يضع الرياض أمام استنزاف متزايد.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون وخبراء في الشؤون العسكرية والسياسية والاستراتيجية، من داخل اليمن وخارجه، أن اليمن بات يتحكم في إيقاع المعركة، مع إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو السعودي وأدواته واقتصاده، ما يجعل الردع اليمني كقوة ضغط مركّبة قادرة على الوصول بالرياض إلى نقطة الاستسلام، والانصياع لإرادة ومطالب وحقوق الشعب اليمني.
مدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي زكريا الشرعبي، يقول إن العمليات الأخيرة، بما شملته من استهداف لمعسكرات ومخازن أسلحة وسفن ومقرات قيادة وسيطرة، تثبت أن القوات المسلحة اليمنية تراقب التحركات العدائية عن قرب، وأن أي تحرك لا يغيب عن رصدها، فيما يجري اختيار توقيت الضربات بعد اكتمال المعلومات والاستعدادات اللازمة.
ويضيف في مداخلة هاتفية على قناة المسيرة، أن القوات المسلحة اليمنية كانت تتابع خلال الفترة الماضية عمليات الحشد السعودي في مختلف الجبهات، وإمداد الفصائل التابعة للرياض بالأسلحة، وكان بإمكانها استهداف تلك التحركات في مراحل سابقة، لكنها انتظرت اللحظة المناسبة لتعطيل خطة التصعيد وهي في مراحلها الأخيرة.
ويشير إلى أن إرسال سفينة محملة بالأسلحة إلى مناطق المواجهة جاء ضمن محاولة سعودية لإنقاذ الخطة التصعيدية، إلا أن ذلك لم يكن خارج نطاق الرصد اليمني، مؤكداً أن ما جرى يعكس تطورًا في القدرات الاستخباراتية للقوات المسلحة اليمنية وتعدد مصادر معلوماتها في مناطق مختلفة.
ويلفت الشرعبي إلى امتداد هذه المعلومات من أقصى شرق اليمن في الوديعة إلى الساحل الغربي، معتبراً أن ذلك يمثل إنجازًا استخباراتيًا ينعكس كذلك على دقة الأسلحة وقدرات القوات المسلحة، التي أثبتت فاعليتها في استهداف مخازن الأسلحة والسفن التي تحميها ومراكز القيادة والقيادات العسكرية، بما في ذلك ضباط وقيادات سعودية.
ويتحدث عن التحركات السعودية خلال الفترة الماضية، بما فيها حشد الفصائل والجنود وتدريبهم، مؤكدًا أن الرياض كانت تعمل على توحيد هذه الفصائل استعدادًا لمعركة قريبة تستهدف المناطق الحرة اليمنية.
ويتابع بالقول: إن هذه التحشيدات أُعدت أيضًا في إطار تثبيت الاحتلال في المناطق المحتلة والحفاظ على الوضع القائم والسيطرة على أجزاء من الأراضي اليمنية ومصادر الثروات.
ويذكّر يأن السعودية لم تتوقف خلال السنوات الماضية عن التحضير العسكري، وأنها أنشأت مليشيات تكفيرية جديدة بعد استنفاد المليشيات السابقة رصيدها وعدم فاعليتها، وجعلت هذه التشكيلات مرتبطة مباشرة بقادة وضباط سعوديين.
ويتطرق إلى محاولات استهداف المناطق الحرة من الداخل عبر الخلايا التخريبية والتجسسية والاستخباراتية، إلى جانب استمرار الحصار، بهدف إدارة السخط واستغلال الأزمة الإنسانية الناتجة عن العدوان.
ويوضح أن استهداف التحشيدات في اللحظات الأخيرة جاء بعد اكتمال المخطط، لافتاً إلى أن اختيار التوقيت كان مقصودًا لتعطيل الخطة بكامل أركانها.
كما يوضح أن طبيعة الأهداف تكشف ذلك، إذ شملت مخازن الأسلحة التي جرى إعدادها خلال الفترة الماضية، ومقرات القيادة والسيطرة التي تضم القيادات العسكرية والعناصر التي كان يفترض أن تنفذ الخطة، إضافة إلى الضباط والجنود السعوديين المنتشرين في الوديعة وتداوين وطحن الجن ومعسكرات المخا وغيرها، فضلًا عن بقية عناصر التحشيد.
وفي ختام مداخلته، يقول مدير مركز المعلومات بدائرة التوجيه المعنوي زكريا الشرعبي، إن هذه الضربات تعطل الخطة السعودية أو تؤخرها وتربكها، وتؤكد تقدم القوات المسلحة اليمنية على الخصم بخطوة، مشيرًا إلى استمرار معادلة الرد التي تقوم على مقابلة أي تصعيد بتحرك مماثل، مشدداً على أن أي تحريك للتحشيدات التابعة للسعودية أو أي تصعيد جوي سعودي سيقابل، وفق ما أعلنته القيادة اليمنية، باستهداف المنشآت النفطية والحيوية السعودية، ما يضاعف الخسائر السعودية على المستوى الاقتصادي بعد تكبدها خسائر مدوية على المستوى العسكري.
[ضربات القوات المسلحة اليمنية الاستباقية أفشلت حشدًا سعوديًا غير مسبوق وأحبطت خطة التصعيد قبل اكتمالها
من جهته، يصف الخبير العسكري العميد عبدالغني الزبيدي ما يجري بأنه معركة استراتيجية، مشيرًا إلى أن حجم التحشيد السعودي كان غير مسبوق من حيث النوع والعدد، وأن المواجهة كانت ستصبح أكثر كلفة لو التحمت الجبهات قبل تنفيذ العمليات الاستباقية.
ويقول العميد الزبيدي في مداخلة على قناة المسيرة: إن العدو دفع ثمنًا كبيرًا مما كان يحشد له، وإن ذلك انعكس على نوعية القدرات والأفراد والضباط الذين كانوا مستعدين للقتال بعد شحنهم فكريًا ومعنويًا وماديًا، قبل أن تقطع العمليات الاستباقية هذا المسار، مؤكداً أن هذه الضربات دلت على قدرة استخباراتية في الرصد والمتابعة، وأنها جاءت ضمن خطة استراتيجية لاستهداف المعسكرات التي كان العدو يسعى إلى استخدامها كنقاط انتشار وتحرك عسكري.
ويضيف أن العمليات حققت إنجازات عسكرية وأحبطت التحركات وأعادت العدو إلى المربع الأول، كما أثرت في الحالة النفسية للمقاتلين الذين جرى حشدهم، مشيرًا إلى أن عددًا منهم ممن كانوا في حضرموت عادوا إلى المناطق الحرة، بينما أصبح آخرون مشردين ولم يعودوا إلى مناطقهم، بعدما تخلت القيادة السعودية عنهم.
ويتوقف الزبيدي عند الأسلحة التي وصلت أو حاولت الوصول إلى تلك المعسكرات، مؤكدًا أنها كانت جزءًا من الرهان السعودي.
ويشير إلى الساحل الغربي، حيث رأى أن هناك محاولة لإظهار السيطرة على المنطقة وامتلاك القدرة على “السيطرة عليها بشكل كامل وآمن”، متسائلًا عن دوافع الوجود السعودي في جزيرة سقطرى إذا كان الهدف المعلن هو دعم ما يسمى الشرعية.
ويجزم بأن العمليات قوية وجاءت في مرحلة مفصلية من المواجهة، ويربطها بمعادلة الحصار بالحصار، معتبرًا أنها تمثل إسنادًا لما يجري في المعركة البحرية، في ظل الخسائر التي يتكبدها الجانب السعودي نتيجة استهدافه لليمن.
ويلفت إلى أن البيان العسكري الذي تضمن استهداف عدد كبير من المعسكرات ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة يمثل تطورًا لافتًا في البيانات العسكرية اليمنية، مؤكدًا أن هذا الحجم من الأهداف لا يمكن أن يكون عشوائيًا، وإنما يستند إلى إحداثيات ومعلومات استخباراتية داخل مناطق العدو.
وينوّه إلى الاعتماد على تقنيات متقدمة في المراقبة ومتابعة حركة القوات، بما في ذلك الطائرات المسيرة، إضافة إلى قدرات إطلاق متقدمة في تلك المناطق. ووصف العمليات بأنها نوعية من الناحية العسكرية، مؤكدًا أن استخدام الصواريخ أو المدافع يتطلب إحداثيات ومعلومات دقيقة.
ويمضي قائلاً: إن نسبة الخطأ في بعض الأسلحة لا تتجاوز بضعة أمتار، معتبرًا ذلك مؤشرًا على مستوى التقنية والقدرة العسكرية، وعلى إنتاج صواريخ بقدرات وخبرات يمنية.
ويستطرد: إن تنوع الضربات وتعدد مواقعها جغرافيًا يحمل دلالة على قدرة اليمن على المواجهة في أكثر من جبهة واستهداف أكثر من جبهة، لافتاً إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة قصيرة المدى وربما متوسطة المدى، مع فصل ذلك عن الصواريخ الاستراتيجية الأسرع من الصوت أو ذات القدرة التدميرية الكبيرة التي رأى أن لها معارك وأهدافًا وعمليات مختلفة.
ويعيد العميد الزبيدي الذاكرة إلى البدايات الأولى لمسار التصنيع اليمني العسكري، والذي انطلق من صواريخ زلزال والصرخة وغيرها، مؤكدًا أن القدرات الحالية جاءت بعد تطور تقني وارتفاع مستوى الكفاءات والخبرات في التصنيع اليمني.
وبشأن العمليات اليمنية الأخيرة التي طالت معسكرات التحشيد ومخازن الأسلحة في معسكرات تداوين وصحن الجن وغيرها، يعتبر أنها تمثل مواقع استراتيجية للعدو، لكونها ترفد الجبهات وتضم منشآت وبنى تحتية وهناجر وأنفاقًا، فضلًا عن كون بعضها مواقع عسكرية قديمة جرى تجهيزها وتحسينها على مدى ثلاثة أو أربعة عقود.
كما يعتبر أن الوصول إلى هذه المواقع عبر الاختراق الاستخباراتي يمثل واحدًا من أهم إنجازات المرحلة، مشيرًا إلى الآثار التي خلفتها الضربات داخل الجانب المستهدف، وما رافقها من صياح واستنجاد عبر وسائل الإعلام ومطالبات بتدخل العالم وإدانة العمليات.
ويزيد في حديثه: إن صنعاء لم تكن تستهدف الداخل، رغم مراقبتها للتحركات، وإن ذلك ربما جعل السعودية تراهن على تحويل الحرب إلى حرب داخلية باعتبارها نقطة ضعف يمكن استغلالها، مشدّداً على أن العمليات الأخيرة تحمل رسالة إلى العقلاء الذين لا تحركهم الطائفية أو العنصرية، وإلى من يستفيدون من اقتتال اليمنيين.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الخبير العسكري، العميد عبدالغني الزبيدي، أن هذه العمليات تأتي من أجل رفع الحصار عن الشعب اليمني، منتقدًا من يراهنون على إضعاف صنعاء أو يقرأون التحركات اليمنية باعتبارها تراجعًا أو ضعفًا.
ويخلص إلى أن البيان الأخير للقوات المسلحة، يحمل دلالات عسكرية وسياسية في العلاقة مع السعودية، ويؤكد أنها تتجه نحو مزيد من التراجع وربما نحو الهزيمة، في ظل استمرارها في الاعتماد على أدوات غالبيتها تبحث عن الاسترزاق أكثر من البحث عن الوطنية أو ما تسميه الشرعية.
مرتضى: المبادرة أصبحت بيد القوات المسلحة اليمنية والسعودية تواجه حرب استنزاف
إلى ذلك الخبير والباحث في الشؤون الاستراتيجية – رئيس مركز “سونار” للإعلام – حسين مرتضى: إن القوات المسلحة اليمنية تتابع مواقع وأماكن تجمع القوات والمجموعات المسلحة وتعمل على إفشال أي محاولة هجوم، معتبرًا أن استمرار المسار الحالي يضع العدو السعودي وأدواته أمام حرب استنزاف تقودها هذه المرة القوات المسلحة اليمنية والشعب اليمني.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح مرتضى أن السؤال الأساسي يتعلق بقدرة السعودية على الاستمرار في مواجهة الحظر المفروض على سفنها وإمدادات الطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن المبادرة انتقلت إلى القوات المسلحة اليمنية وأن المعادلة تبدلت.
ويضيف أن السعودية كانت تعتقد سابقًا أن الحصار يمكن أن يدفع الشعب والقيادة اليمنية إلى تقديم تنازلات، بينما بات اليمنيون يرون في الحظر ورقة تمكنهم من فرض معادلة أشد.
ويؤكد أن الورقة الأقوى أصبحت بيد القوات المسلحة والقيادة اليمنية، لأن السعودية لا تستطيع الاستمرار في حرب استنزاف طويلة، مضيفاً أن الشعب اليمني والقيادة والقوات المسلحة يسجلون حاليًا النقاط الاستراتيجية.
ويلفت مرتضى إلى أن الواقع الاقتصادي والتطورات الإقليمية المرتبطة بمضيق هرمز والحروب التي تشنها الولايات المتحدة تجعل معادلة الحصار أكثر تأثيرًا، معتبرًا أن استمرارها سينهك الاقتصاد السعودي ويؤثر في تصدير النفط إلى الخارج، وقد يضع السعودية أمام مأزق يتعلق بتماسكها الداخلي.
ويتطرق إلى أن القوات المسلحة اليمنية ما زالت تستهدف بعض المنشآت الحيوية، متسائلًا عن تداعيات توسع العمليات لتشمل منشآت المياه والكهرباء ومرافق الحياة اليومية.
ويصف اعتداء السعودية على مطار صنعاء بأنه خطأ استراتيجي ارتكبته الرياض في هذه المرحلة، معتبرًا أنه منح القوات المسلحة اليمنية والشعب اليمني ورقة قوة، والحق الكامل في الرد والردع حتى إنهاء الحصار ووقف العدوان.
ويتناول مرتضى موضوع التحالفات السعودية مع باكستان وتركيا، متسائلًا عن جدوى مثل هذه الترتيبات، ويقول إن النظامين الباكستاني والتركي لا يتجرآن على الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو الشعب اليمني.
ويزيد بالقول: إن ما يسعى إليه البلدان يرتبط بالحصول على الأموال عبر بيع المعدات العسكرية والطائرات المسيرة وبعض منظومات الصواريخ وتقديم الدعم اللوجستي للسعودية.
ويشدّد على أن العدوان على اليمن منذ العام 2015م، وتجدده خلال الشهر الفائت، جاء بإشراف مباشر من قبل الولايات المتحدة، وأن اليمنيين تمكنوا – رغم ما امتلكته واشنطن وما امتلكته دول تحالف العدوان من قدرات – من الصمود ومنع تحقيق أهداف العدوان، مشددًا على أن تلك التحالفات الجديدة لن تقدم أو تؤخر في مسار المعارك.
ويرى أن دخول باكستان وتركيا بصورة مباشرة سيؤدي إلى اضطرابات داخل البلدين، مستبعدًا إقدامهما على هذه الخطوة، متطرقاً إلى وجود أحزاب في تركيا تعارض زج الشعب والبلاد في حروب لا تحقق لها سوى الخسائر على مختلف المستويات.
وفي ختام مداخلته، يخلص الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية – مدير مركز سونار للإعلام – حسين مرتضى إلى أن السعودية تعيش حالة ضياع، لأنها كانت تعتقد أن الاحتماء بالعباءة الأمريكية سيمنحها القدرة على تحقيق أهدافها، بينما باتت تواجه سؤالًا يتعلق بمن يستطيع حمايتها في المرحلة الحالية.
