ميناء المخا.. قاعدة إمداد عسكرية متقدمة للعدو على باب المندب
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 أغسطس 2026مـ – 28 صفر 1448هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يشهد ميناء المخا على مدى 12 عامًا، تحوّلاً جذريًا، في مساره التاريخي الذي ارتبط اسمه عالمياً بتصدير أجود أنواع الُبن، ليصبح اليوم قاعدة عسكرية مغلقة على الساحل الغربي لليمن، تُدار لصالح المخططات التوسعية والأجندات الاستخباراتية الأمريكية والصهيونية، في ظل تحركات ميدانية للعدو السعودي والتحشيدات التابعة له، وما يرافقها من إنشاءات ومخازن ومواقع عسكرية تعزز أهميته كقاعدةٍ للإمداد العسكري والتمركز بالقرب من مضيق باب المندب .
ويكشف هذا التحول عن استكمال الدور الإماراتي، من خلال مساعٍ سعودية صهيونية، لإقامة منظومة عسكرية واستخباراتية مترابطة على امتداد الساحل والجزر والمواقع المشرفة على الممرات البحرية، بما يفتح الباب أمام تعزيز القدرات اللوجستية والرصد والمراقبة، ويمنح القوى المسيطرة على هذه المواقع قدرة أكبر على إدارة التحركات العسكرية والتأثير في أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وفي قلب هذه المنظومة يبرز ميناء المخا محوراً متقدماً للإمداد والتحشيد، وموقعاً ذا قيمةٍ عملياتية في معادلة المواجهة، على الساحل الغربي، ستؤدي إلى تكريس واقع جيوسياسي جديد في المنطقة، وما يترتب على ذلك من تداعيات على السيادة اليمنية، وأمن الملاحة والتوازنات العسكرية في البحر الأحمر.
قاعدة إمداد رئيسية
تُشير التقارير الدولية إلى أن دول العدوان على اليمن حولت ميناء المخا إلى قاعدة وثكنة عسكرية تخدم المخططات التوسعية الأمريكية والصهيونية وتُؤمّن مصالحها الخاصة؛ وهذا ما تؤكده التحقيقات الاستقصائية الدولية بأن العدو السعودي منذ مطلع العام الحالي حول ميناء المخا إلى مركز إنزال وتحميل للأسلحة واستحداث المباني والمخازن، لتخزين العتاد والمعدات العسكرية، متجاوزًا بذلك الاتفاقيات والقوانين الدولية التي تُحرّم عسكرة المنشآت والـموانئ المدنية، لينضم مينا المخا إلى قائمة المواقع التي تم تحويلها من قبل تحالف العدوان إلى قواعد عسكرية ومراكز احتجاز مغلقة كما هو الحال في بلحاف وميناء عدن ومطار الريان بالمكلا.
ويوضح الخبراء العسكريون أن العدو السعودي خلال الأيام الماضية، والاماراتي سابقًا،كان يحاول السيطرة الكاملة على الساحل الغربي الممتد من منطقة “ذو باب” المطلة على باب المندب وحتى ميناء المخا، بهدف توفير غطاءً وتحكماً للقوات الأمريكية والصهيونية في المياه اليمنية، وتأمين نقل العتاد العسكري عبر السفن التجارية من الموانئ السعودية وكذلك القاعدة الإماراتية في إريتريا إلى المخا؛ حيث يُستخدم الميناء كقاعدة إمداد رئيسية لتغذية أدواتها المحلية من العملاء وعلى راسهم الخائن طارق عفاش التابع الأبرز للأمارات.
وفي السياق الاستخباري، يبيّن الخبراء أن المخابرات الصهيونية ” الموساد” امتلكت تواصلاً وتواجداً غرب البحر الأحمر عبر إثيوبيا وإريتريا جيبوتي، وعملت على تجنيد بعض من المرتزقة؛ وهو ما كشف عنه في يونيو 2021م، الفيلم الوثائقي «جاسوس الموساد في اليمن» للكاتب والباحث عبد الله بن عامر بالوثائق والأدلة، مسلطاً الضوء على الأهداف العسكرية التي رصدها عميل الموساد “باروخ زكي مزراحي” وتورط شخصيات داخلية وخارجيه في تسهيل مهامه، والذي كشف بالوثائق تدخل العدو الإسرائيلي في اليمن ومخطط استهدافه عسكرياً، خاصة الجزر والساحل الغربي وكذلك ميناء الحديدة.
قواعد عسكرية
يواصل العدو السعودي تنفيذ استراتيجية عسكرية أوسع تخدم المخططات الصهيوأمريكية، ولتأمين الممرات البحرية وحماية المصالح الصهيونية؛ حيث عملتأبو ظبي سابقًا والتي سلمت الميناء للرياض، على بناء عددٍ من القواعد العسكرية في ميناء المخا وحولته إلى مستودع للقوات البحرية الأمريكية والإسرائيلية، تزامناً مع إجراءات تهجير قسري قامت بها الامارات في 2017م، طالت مئات المواطنين من سكان المنطقة.
وكذلك قامت بتشييد مدرج طائرات بطول 3200 متر في جزيرة ميون المطلة على باب المندب، والذي تم استئناف أعمال البناء الفعلي للمدرج الحالي بطول 1.85 كيلومتر منتصف مايو 2021م، إلى جانب إنشاء قاعدة في ميناء “بربرة” بأرض الصومال على بُعد 278 كيلومتراً جنوب المضيق بموجب اتفاق قيمته قدرت بحوالي 440 مليون دولار مع حكومة إقليم أرض الصومال “صمالي لاند”، وذلك ضمن مساعٍ لإنشاء قواعد عسكرية لتحكم، وهذا ما تؤكده تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية نشرتها مجلة “جاينز” العسكرية والمتخصصة في أبحاث الدفاع عام 2017م.
ويرى خبراء عسكريون أن تحشيدات العدو السعودي في ميناء المخا، جاءت ضمن مخطط لبقاء طويل الأمد عبر تشكيل وتدريب مرتزقة تدين له بالولاء، حيث شملت هذه التشكيلات عشرات الآلاف من المجندين من المحافظات المحتلة، مؤكدين أن العدو كان يعتمد ويراهن على منظومة من القواعد العسكرية التي شيدتها الإمارات لأدواتها وقواتها، بخصوص السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب، الذي يُعد الشريان الفاصل بين شبه الجزيرة العربية وإفريقيا ونقطة عبور التجارة والنفط عالمياً بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، والذي حاول العدو السعودي استغلال ميناء المخا والقواعد العسكرية فيه، والمجاورة له، لكسر الحصار اليمني المفروض عليه.
ولكن العملية العسكرية النوعية التي نفذتها القوات المسلحة، واستهدفت تحشيدات العدو السعودي ومخازن العتاد العسكري في ميناء المخا، افشلت المخطط السعودي، وأدت إلى إحداث حالة من الإرباك والذعر الشديدين في صفوف أدوات العدوان، متسببةً في تدمير غرف العمليات وخطوط الإمداد اللوجستي التي جرى الإعداد لها لسنوات طويلة، بالإضافة إلى تثبيت معادلة الحظر البحري، وفشل محاولات إيجاد موطئ قدم دائم لحماية السفن السعودية أو السفن الصهيونية أو المرتبطة بهما؛ حيث أكدت العمليات العسكرية قدرة القوات المسلحة على الوصول إلى قواعد العدو وتأمين الملاحة الدولية وفق الرؤية السيادية اليمنية، ومواصلة فرض الحظر البحري المكتمل على موانئ العدو السعودي.
مخطط أمريكي إسرائيلي
يوضح الخبير العسكري زين العابدين عثمان، في تصريح لموقع “المسيرة نت”، أن المخطط العسكري للعدو السعودي وقبله الإماراتي في الساحل الغربي ينفذ استراتيجية موجّهة بالأساس من أمريكا والعدو الإسرائيلي؛ أولوية أهدافها إحكام السيطرة على مضيق باب المندب وتوسيع نطاق التحكم بالملاحة في البحرين الأحمر والعربي، مؤكدًا أن ميناء المخا يشكّل ركيزة محورية في هذا المخطط لموقعه الجغرافي القريب من باب المندب، ما جعل العدو يُعزز حضوره فيه ليكون نقطة ارتكاز لحماية الشريط الساحلي الغربي.
ويبيّن أن الميناء يُستغل منذ أشهر كقناة رئيسية لمد أدوات العدو السعودي بالدعم واللوجستيات والتحشيدات، على طول الساحل الغربي، مشيراً إلى أن هذا التمركز يُعد أحد أبرز الأوراق التي كان وما يزال يعتمد عليها كيان العدو الإسرائيلي لتمرير أجندته في المنطقة البحرية.
ويحذّر عثمان من أن تنسيق العدو الإسرائيلي مع السعودي وقبله الإماراتي يهدف للسيطرة على الأركان الاستراتيجية لليمن من موانئ وجزر ومضائق، وتحويلها إلى قواعد لفرض الهيمنة على حركة التجارة العالمية وتأمين خطوط الملاحة البحرية لصالح واشنطن وكيان العدو، لافتًا إلى أن القارئ لخريطة الموانئ في المنطقة والقرن الإفريقي يستطيع ملاحظة امتداد النفوذ الإماراتي بين اليمن وإفريقيا، والذي تم تسليمة للعدو السعودي، لتأمين طريق ملاحي يحقق هذه التطلعات، التي افشلها قرار الحظر اليمني المفروض على موانئ العدو السعودي من قبل القوات المسلحة.
منطقة جديدة بجغرافية متميزة
ويرى الخبير العسكري زين العابدين عثمان، أن الهدف الأساسي من التركيز الأمريكي والعدو الإسرائيلي على الساحل الغربي وتوجيه العدو السعودي للسيطرة عليه، عقب إجبار دويلة الاحتلال الاماراتي على التسليم المباشر والغير مباشر، يكمن في اقتطاع نطاق جغرافي وميداني جديد يربط أجزاءً من ثلاث محافظات هي لحج وتعز والحديدة؛ بهدف فرض الهيمنة على الساحل والإشراف على الجزر المنتشرة في البحر الأحمر لتأمين مصالح العدو الإسرائيلي مستقبلاً، الذي تلقى اعنف الضربات منذ احتلاله لفلسطين، من قبل القوات المسلحة اليمنية التي فرضت عليه حصار شامل، مؤكدًا أن عملية استهداف ميناء المخا أدت إلى تعثر المساعي الإقليمية الرامية لإنشاء نطاق جغرافي معزول يقتطع أجزاءً من تلك المحافظات، أو تأمين مصالح العدو.
ويوضح، أن ميناء المخا تحول؛ منذ عام 2017م، وبموجب المخططات الصهيونية إلى المقر والعاصمة التنفيذية لهذا النطاق، وميدان مفتوح لأنشطة أجهزة استخبارات وقواعد عسكرية وتدريبات قتالية كانت تشارك فيها قوى إقليمية ودولية متعددة الجنسيات كالسعودية والامارات وبريطانيا وأمريكا والعدو الصهيوني؛ حيث تتداخل وتقاطع مصالح هذه الدول في ملفات المنطقة لتقاسم النفوذ على الموانئ اليمنية والممرات الملاحية الحيوية، الأمر الذي بات أشبه بمأدبة طعام على موانئ اليمن.
ويُفسر الخبراء العسكريون الأبعاد العسكرية للتحركات السعودية في الساحل الغربي باعتبارها استكمالاً لدور الامارات أداة العدو الإسرائيلي لتأمين التفوق العسكري والسيطرة على البحر الأحمر عبر ثلاثة محاور استراتيجية تُنفذ بالوكالة لصالح أمريكا وكيان العدو: المحور الأول، باب المندب بشقيه الإفريقي والآسيوي، حيث تشمل الجبهة الإفريقية توطيد العلاقات مع العدو الإسرائيلي والاماراتي، وبناء القواعد العسكرية؛ حيث أُقيمت قاعدة “عصب” في إريتريا بمدرج هبوط يبلغ طوله 3500 متر ليُشكل مركز العمليات الرئيسي لإدارة التحركات في الموانئ والجزر اليمنية، وعلى الجانب الآسيوي، تُحولت جزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق إلى قاعدة عسكرية يُشارف فيها المدرج الاماراتي على طول 3200 متر.
المحور الثاني منطقة ذو باب، حيث يحاول العدو السعودي منذ أشهر، تحويل هذه المنطقة القريبة من باب المندب إلى قاعدة عسكرية مغلقة ويحكم بها كلياً بعد إخلاء قسري لسكانها، أما المحور الثالث ميناء المخا، الذي يُعد المحور الأهم والأبرز؛ حيث تحوّل الميناء إلى قاعدة وثكنة عسكرية تستقبل عبرها السفن الحربية والإمدادات بالتوازي مع النفوذ الميداني المباشر لجميع الخونة الممتدة على الشريط الساحلي، وصولاً إلى المحافظات المحتلة منها عدن.
تجسس ورصد
تتوسع الأبعاد العسكرية للتحركات السعودية في الساحل الغربي، وفقاً للتصريحات الصادرة عن المحللين العسكريين، لتشمل جوانب استخباراتية واستراتيجية متقدمة، قائمة على تأمين التواجد والتجسس الإلكتروني، حيث كانت تسعى الرياض لإكمال الدور الاماراتي، من خلال تواجدها إلى فرض واقع جديد في البحر الأحمر واستكمال بناء منظومة تجسس ورصد إلكتروني شاملة.
وترتكز هذه التحركات على التنسيق السعودي مع العدو الإسرائيلي-الاماراتي، من خلال التواجد في جبل (أمباسويرا) بإريتريا بارتفاع 3000 متر، إلى جانب زرع أجهزة رصد جديدة لحركة الملاحة في جزيرة ميون، وموقعي “مومي جمجوري” و”قطنان” بجزيرة سقطرى لمراقبة السفن المتجهة عبر بحر عمان إلى مضيق هرمز والمحيط الهندي، ويُنظر إلى هذا التمدد كجزء من تطبيقات ما يسمى التفاهمات الإبراهيمية لتأمين الملاحة وغواصات العدو الإسرائيلي تحت شعارات الحماية والأمن القومي.
وبالإضافة إلى توطين وإعادة انتشار القوات الامريكية والصهيونية -وفق المحلل العسكري زين العابدين عثمان-حيث ترتبط السيطرة على ميناء المخا واستكمال بناء القواعد الجوية والعسكرية فيه بأهداف استراتيجية تخدم القوات الأمريكية والإسرائيلية، وذلك عبر تهيئة البيئة لتواجدها المباشر وإعادة انتشارها في مواقع حيوية متعدّدة تشمل أرخبيل سقطرى، وجزيرة ميون، والشريط الساحلي الجنوبي الشرقي والغربي لليمن.
قلق صهيوني
يؤكّد خبراء عسكريون أن استهداف القوات المسلحة اليمنية، لتحشيدات ومخازن العدو السعودي في ميناء المخا، ينذر بتحرك عسكري للسيطرة على الميناء وعلى الساحل الغربي بشكل عام، مشيرين إلى أن ذلك يشكّل مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي؛ وهذا ما تؤكده تصريحات سابقه للمجرم نتنياهو التي أبدى فيها تخوفه المباشر من أي تواجد ميداني.
ويوضح الخبير عثمان أن مخاوف العدو الإسرائيلي تعود إلى أن استعادة صنعاء للسيطرة على ميناء المخا يعيد الأوضاع في باب المندب إلى ما قبل معاهدة “كامب ديفيد”، حين كان يفرض حظر بحري على ملاحة العدو الإسرائيلي بالتنسيق بين مصر واليمن آنذاك. ويضيف أن المعاهدة تضمنت بنوداً رعاها الجانب الأمريكي لرفع الحظر عن السفن والزوارق الإسرائيلية وضمان حرية عبورها المضيق باتجاه شرق آسيا، وهو ما يفسر الاستماتة لإبقاء ميناء المخا وباب المندب تحت السيطرة والنفوذ الخارجي.
