بين ساحات الانتصار للقضية ومهرجانات الترفيه.. صراع الهُويَّة والوعي في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 أغسطس 2026مـ – 25 صفر 1448هـ

تقريــر || عباس القاعدي

يقف العالم الإسلامي اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تميزت فيها الصفوف وتضادت فيها مسارات الوعي والهوية؛ إذ تتجلى في المنطقة صورتان متناقضتان تعكس كلٌّ منهما خياراً وفكراً ومستقبلاً مختلفاً.

فبينما يتشكل المشهد الأول من خلال فعاليات الترفيه والانفتاح التي ترعاها وتُمولها حكومة النظام السعودي بضخٍ هائل، في مسارٍ يراه المراقبون انسلاخاً عن الفطرة والمسؤولية الأخلاقية للأمة؛ يتجلى المشهد الثاني في اليمن عبر الجماهير الحاشدة التي تملأ ساحات العزة والتضامن تحت هطول الأمطار وفي أحلك الظروف الجوية، مجسدةً نموذجاً للثبات والوعي والتصدي للمشاريع الاستعمارية والصهيونية.

هذه المقارنة تمتد لتكشف عمق الصراع الفكري والاستراتيجي، ولا تقف عند حدود المشهد الظاهري؛ بدءاً من استغلال الخطاب الديني وتزييفه عبر عقود من الاختراق، ووصولاً إلى تحول الوظائف والمنظومات لخدمة الأجندات الغربية، ما يجعل من قراءة هذا الواقع ضرورة ملحة لاستعادة البوصلة الإيمانية والعروبية وتحديد معالم الموقف في زمنٍ لم يعد فيه مجال لغير الحق والباطل.

ولهذا نستعرض مقارنةً بين مشهدين يعبر كلٌّ منهما عن نموذج وحالة وثقافة مستقلة؛ إذ يتمثل المشهد الأول في المملكة السعودية وما تقدمه ضمن ما يُعرف بـ “مهرجانات الترفيه” في إحدى المدن السعودية، والتي خُصصت للكبار تحت عنوان “من يرضع أكثر يفوز”، لتكون واحدة من مظاهر الترفيه الموجهة للرجال وكبار السن في السعودية هذه الأيام، برعاية وتمويل من الحكومة السعودية بميزانية ضخمة وهائلة.

وفي المقابل، يتجلى المشهد الثاني في الترفيه باليمن عبر النموذج الذي يقدمه الشعب المتواجد في مختلف ساحات العزة والشرف تحت هطول الأمطار، وبالرغم من شدة البرد والطقس الاستثنائي، ليصنع رجال اليمن مشهداً مغايراً تماماً عن المشهد السعودي، ويعيد الاعتبار للانتماء الحقيقي للعروبة والإسلام.

تُظهر هذه المقارنة تباينًا حادًا في توجهات الشعوب والحكومات وفي كيفية تحديد الأولويات؛ حيث يتجسد هذا الفارق بين اتجاهين، الأول: يركز على القضايا المصيرية، والوعي الجمعي، والتمسك بالقيم والمسؤولية الأخلاقية والدينية في مواجهة التحديات السياسية والإقليمية، وهو ما اختاره الشعب اليمني في هذا الزمن الاستثنائي والهام والمفصلي بأن يكون في موقع الشرف والعزة والرجولة والثبات والجهاد، وموقع تغيير الواقع السيئ والثورة على الاستعمار والوصاية ومواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي.

الاتجاه الثاني: يركز على مسارات الترفيه والانفتاح والأنشطة المجتمعية الغربية الحديثة، والتي يراها الخبراء والمراقبون بأنها انحرافًا عن القيم والتقاليد والمسؤولية التاريخية للأمة؛ وأنها تُمثلانتكاسة للوعي والفطرة والممارسة في زمنٍ تحتاج فيه الأمة أشدَّ الحاجة إلى الوعي وقيم الرجولة والغيرة والحمية والدين والإسلام الحقيقي أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وهو ما اختاره النظام السعودي.

لذا؛ تعكس هذه المقارنة البسيطة الاختلاف الجوهري في تعريف الدور والرسالة والمسؤولية تجاه القضايا الكبرى في المنطقة، حيث يُقاس معيار الحق والصواب بناءً على المنظور الثقافي والسياسي لكل طرف والغاية التي يسعى لتحقيقها.

وتوضح المقارنة أن الأشياءَ تتبينُ وتتميز بضدها، إذ لربما لا تُعرَف عظمةُ وقيمةُ دورِ الشعب اليمني وحضوره في ساحات الوعي والثورة والجهاد إلا عند الاطلاع على ما لدى الآخرين، وكيف يجري امتهانهم وتسخيف وعيهم والهبوط بسلوكياتهم إلى مستويات منحطة لا تليق بالرجال ولا بالمجتمعات الإسلامية التي تعرف قيمة نفسها وتحترم عادات وتقاليد آبائها وأجدادها.

تُعتبر ما يقدمه الشعب اليمني من نموذج إسلامي، من النعم الكبيرة التي منى الله بها عليه، حيث أنه يقدم أرقى وأسمى وأشرف نموذج على وجه الأرض، في هذا الزمان؛ الذي كان لا يصدق أحد، أن الشعب اليمنَي الذي تعرّض للتشويه والحرب والتجويع والعبث بكل نواحي حياته سيعودُ ويحقق هذه الإنجازاتِ والنجاحاتِ المشرفةَ التي ترفع رأسَ جميع اليمنيين في مختلف المحافظات اليمنية، وحتى على مستوى العالم.

حيث أصبح اليمني في المهجر بقيمة مختلفة، ومكانةاستثنائية غير مسبوقة في تاريخه المعاصر، ما جعل اليمن هو الواجهة لكل من يبحث عن الرجولة والعزة والنخوة والشجاعة والشهامة والايمان والثبات والجهاد.

يتحدث الباحث الاستراتيجي المصري أحمد عز الدين عن الشعب اليمني بوصفه يمن العروبة الأصيل، مؤكداً عدم إمكانية كسر إرادته؛ كونها إرادة قتالية تاريخية صلبة لشعب مقاتل بطبعه. ويُبرز الباحث معياراً جديداً ومهماً في حسم المعارك وموازين القوى في الوقت الحالي، يتمثل في “القدرة العالية على امتصاص الخسائر”؛ حيث استطاع اليمنيون استيعاب الأضرار والنهوض مجدداً رغم استهداف وتدمير بنيتهم التحتية من جسور ومستشفيات ومدارس وملاجئ ومصانع، مواصلين ثباتهم ومستمرين في القتال وسلاحهم في أيديهم.

وتكشف شهادات الباحثين العرب عن المكانة الرفيعة والمحفورة للشعب اليمني في وجدان أحرار الأمة والشرفاء حول العالم؛ إذ ينعكس هذا الصمود راحةً وأملاً وطمأنينة في نفوس الملايين من أبناء الأمة وهم يتابعون مشاهد الشعب اليمني في ساحات المواجهة المباشرة ضد أعداء الله والإنسانية.

إن ما أدلى به هؤلاء النخبة والمثقفون من مصر يعبر عن رؤية عميقة؛ فعند الاستماع للباحث المصري وهو يستعيد التاريخ والرموز عند رؤية اليمنيين، يربط العروبة والإسلام والإيمان باليمن مباشرة، مستحضراً الحديث النبوي “الإيمان يمان”، وأنه يرى في المجاهدين اليمنيين وهم يواجهون الغزاة امتداداً روحياً وتاريخياً لجيل الصحابة الأوائل: بقية الصابرين مع النبي ﷺ في جبل أحد، والمثابتين في حنين، وأهل بدر، والذين احتملوا العذاب في شعب مكة.

جاء هذا الحديث للخبير الاستراتيجي والعسكري المصري أحمد عز الدين، الذي يُعد من أبرز الخبراء العرب وكانت له إطلالات ومقابلات عدة منذ بداية الحرب على اليمن، خلال ندوة أُقيمت في القاهرة عام 2018م، تناول فيها صمود الشعب اليمني وثباته وشجاعته.

وبلا شك، أضحى الشعب اليمني بتواجده الفاعل ومشاهده في الساحات مصدراً لإلهام الشرفاء في أرجاء الأمة ومنحهم الأمل، ورغم أننا في اليمن قد لا نستوعب أحياناً الأثر العظيم لحضورنا في الساحات لكوننا نعيش في قلب الحدث وداخله، إلا أن الواجب هو إدراك أن الشعب اليمني العظيم، وما يقدمه من مواقف جليلة ترسم العزة والشجاعة والوعي والثبات، يُمثّل رافعة حقيقية لنهضة الأمة وصحوة شعوبها.

النشاط والزخم المتواصل للشعب اليمني في كل المحافل والمواقف أشبه بمن يبعث الروح في جسد أمة أصابها الضعف والوهن؛ فلم يعد هذا الإصرار والاستمرار مجرد فعل محلي تنحصر نتائجه في الداخل، وإنما أخذ أبعاداً أكبر وأوسع، وما ذلك إلا من بركات القيادة الحكيمة والموقف الصادق والجهاد في سبيل الله.

ولهذا السبب، تلمس الأمة في النموذج اليمني اليوم بقعة الضوء في عتمة النفق والأمل المرتجى؛ فلم يأتِ ثناء الباحثين المصريين من فراغ، ولم يكن حديثهم عن الشعب اليمني مجرد سرد لقصص خيالية وأساطير لا وجود لها؛ فالشعب اليمني يفتح الآفاق ويمنح الأمل لأحرار الأمة، ويُنتظر اليوم الذي تتجسد فيه هذه التأثيرات العابرة للحدود في شكل وعي مجتمعي وحراك حي وجهاد يُفضي إلى النصر والإنجاز بإذن الله.

لم يقل الخبير الاستراتيجي أحمد عز الدين، الكلام السابق، إلا عقب مشاهدته للشعب اليمني وهو يقهر المستحيل ويحقق النصر بوجه العدوان الأمريكي السعودي خلال ما سُمي بـ “عاصفة الحزم”؛ إذ لم يُلهم ولم يستحضر عبارة “نحن أمة ليست مهزومة” إلا عندما شاهد النموذج اليمني الذي انبعث منه أمل وُصف بالمعجزة.

وتتلخص الفكرة في أن الشعب اليمني يُعد نموذجاً مُلهماً، وهو دورٌ لا تُوفّق إليه الشعوب والمجتمعات والأمم إلا في محطات تاريخية نادرة وقليلة؛ إذ لا ترتقي إلى هذا المستوى العالي من التأثير إلا المجتمعات التي بلغت درجات رفيعة من السمو والرقي والأهلية، وتُعتبر هذه نعمة كبيرة مصدرها الأول والأساسي هو الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، ثم القيادة والوعي، والتفاني، والبذل، والإيثار، والتحمل، والجهاد، وتُعد هذه الكليات ثمرة من ثمار الثقافة والفكر القرآني الذي فجّره وأرسى مداميكه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه.

الحرية الحقيقية لا تُنال مجاناً، وإنما تكتسبها الأمم والشعوب بالجهاد والصبر والعمل والمواجهة الشاملة لكافة التحديات، سواء في التصدي لأعداء الخارج أو خوض معارك البناء والتنمية والاعتماد على الذات في الداخل، وذلك تحت مظلة منهج وثقافة ومشروع يجمع الناس في أمة واحدة ومجتمع متكافل ومتعاون في كفاحه بالحياة.

وهذا يوضح حديث شهيد القرآن، الذي رسم صورة لشعبٍ حقق تلك الرؤية؛ فبات بفضل الإيمان والقرآن قوة تزلزل أركان الباطل في العالم، وأيقونة للحرية والعزة والكرامة، تتصدر أحرار العالم في مواجهة الشياطين والمجرمين وأعداء الله والإنسانية، أمريكا و”إسرائيل”.

وفي السياق؛ فإن الأمة اليوم أمام مخطط مبرمج ومدروس يُدار عبر الدور السعودي والإماراتي وينطلق من الرياض وأبوظبي، ليستهدف وعي وثقافة الشعوب العربية والإسلامية؛ حيث تُمنح السعودية دور القائد الذي يتوجب على باقي الأنظمة اتباعه لضمان عدم تصنيفها بالإرهاب أو التطرف.

ويتوازى هذا التوجه مع مسار متسارع للتطبيع والولاء لليهود تحت شعارات متعددة ضمن مخطط خطير، في ظل خلو الساحة العربية من حكومات أو مؤسسات أو أحزاب تتصدى لهذا الاستهداف الحضاري، بعدما ارتهنت معظم القوى للمال السعودي والضغط الأمريكي أو أصابها العجز.

ويُبرز هنا، دور المشروع القرآني الذي ظهر كالمشروع الوحيد والمستقل في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، بعدما تهيأت الظروف ليتعرف العالم الإسلامي على ثقافته ومواقفه؛ وهو ما يفرض مسؤولية وعبئاً كبيرين يقترنان بشرف عظيم.

وللحفاظ على الأمة يجب الحذر من تحركات أولياء الشيطان الذين يتخذون من “هيئة الترفيه” في السعودية نموذجاً بارزاً يُسقط أخلاق الشباب والرجال إلى الحضيض، في نشاط يُشابه نزعات غربية انسلاخية عن الفطرة البشرية.

يتغير البرنامج في السعودية، وتتغير الأهداف، كما تتغير الوظيفة في هذه المرحلة؛ وإلا كيف يمكن تفسير التشدد الذي كان سائداً من قبل في السعودية؟ فقد كان يُمنع على المرأة قيادة السيارة، ولو ضُبطت امرأة تقود السيارة لتم سجنها وكأنها خرجت من الإسلام.

فالسعودية، منذ نشأتها، يُناط بها ويُطلب منها إنتاج وتفريخ الفكر التكفيري الوهابي لخدمة الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، لأن هذا الفكر الذي موله آل سعود ونشرته السعودية يتم من خلاله ضرب المجتمعات العربية والمسلمة والقضاء على هويتها الأصيلة المرتبطة بالإسلام والقرآن؛ هذا الفكر الوهابي، الذي يُعد أشبه بفيروس وآفة خطيرة فعلاً، صنعته المخابرات الصهيونية والأمريكية، بينما جاء التمويل من السعودية.

الفكر الوهابي فكر تكفيري لم يدخل بلداً ولا مجتمعاً إلا ودمره، وحوّل أبناءه إلى وقود وجنود وأتباع للمخططات اليهودية والصهيونية والأمريكية باسم الدين نفسه، وباسم التوحيد، وباسم السنة والجماعة وغيرها من المصطلحات، وقد فضحت غزة الجميع؛ إذ تُعد غزة البوصلة بمثابة الفحص المخبري الذي يكشف الكاذب من الصادق والدعي من الوفي، أياً كان مذهبه وحزبه.

وإلا فهل يوجد من ينتمي إلى العروبة أو الإسلام أو حتى الآدمية والإنسانية، وبدلاً من أن يقوم بنصرة المظلومين في غزة ولو بكلمة، يذهب ليُجند فتاواه وخطبه ومواعظه في تكفير حماس والهجوم عليها، في وقت يمارس فيه اليهود أبشع وأقسى أنواع الإبادة بحق المسلمين المظلومين من الأطفال والنساء في غزة؟ فأي فكر وأي مذهب هذا الذي يجعل أصحابه يغضون الطرف عن الجرائم؟

المقطع السابق من محاضرة لأحد رموز الفكر الوهابي الذين تحركوا بفعالية في هذا الأقصى، لا لنصرة المظلومين من أطفال ونساء غزة، بل لمهاجمة المقاومة الإسلامية ومهاجمة حركة حماس وكل من يحمل البندقية في مواجهة جرائم اليهود؛ إن هذا هو الفكر الوهابي الذي انتحل الانتماء إلى الإسلام، وهو صنعته المخابرات الأمريكية الصهيونية، وتموله السعودية باسم السنة وتحت عناوين كثيرة.

والحقيقة أنه فكر يتحرك حيثما تحركت الأجندة الأمريكية والإسرائيلية، ويدور حيثما دارت البوصلة الإسرائيلية والصهيونية، فعندما تفجرت الثورة الإسلامية في إيران، وهي ثورة شعب مسلم ضد نظام عميل وفاسد، تحركت أمريكا وبإسناد الوهابية لمواجهة الشعب الإيراني المسلم الذي قرر أن يقيم دولة تجسد الانتماء للإسلام، بقيادة الإمام الخميني، ذلك الرجل والقائد المسلم الذي ليس له نظير في التاريخ المعاصر؛ حيث شنت أمريكا ومن خلال الفكر الوهابي الذي صنعته المخابرات ومولته وترعاه السعودية، الحرب على إيران بسبب عودتها للإسلام.

وقبل ذلك، عندما كان الاتحاد السوفيتي أكبر قوة منافسة لأمريكا في العالم، واجهت أمريكا الاتحاد السوفيتي وأسقطته وأغرقته في أفغانستان بالشباب المسلمين وبدعوات الجهاد التي وقف خلفها في تلك المرحلة الرموز الوهابية في السعودية والعالم الإسلامي.

حتى في اليمن، سخر الإخوان والوهابيون المنابر ودعوا للجهاد، وأرسلوا آلاف الشباب، وسلمت النساء الذهب لدعم أمريكا في حربها على الاتحاد السوفيتي، وعندما انتهى الحرب، عاد ما سمي “المجاهدون” ليصبحوا إرهابيين، وتحولوا إلى ذريعة لقيام أمريكا بمكافأة الدول التي ساعدتها، وتحولت إلى عدو يقوم بغزوها باسم محاربة الإرهاب.

إذاً، تظهر هذه اللعبة والنتائج الخطيرة للتوجهات غير الحقيقية والأصيلة للتلاعب بالدين والخطاب الديني؛ إذ نلاحظ مثلاً الوهابيين وكيف يتصرفون إذا كان الأمر يتعلق بفتنة بين المسلمين، وكيف يكون أصحاب السنة أشداء يستنفرون ويحرضون ويجندون ويدعون للجهاد.

أمّا عندما يكون الأمر موجهاً نحو الأعداء الحقيقيين أو لمناصرة المسلمين المظلومين، فنجد رموز الوهابية لا يهربون من الواجهة فقط ولا يصمتون فحسب، بل تجدهم وقد أصبحوا في نفس الخندق مع اليهود والأمريكان والصهاينة، أليس هذا يستدعي التأمل؟ أليس ما بعد غزة وطوفان الأقصى ليس كما قبلها؟

يؤكد الشيخ أحمد كريمة من مصر عن كيفية تجنيد محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي من أجل إنشاء الفكر الوهابي الذي ينشر التكفير، جاء عن طريق ضابط بريطاني يُدعى “همفر”؛ إذ لما ابتدأت بوادر النفط جندوا هذا الرجل وأنفقوا عليه بسخاء وخرجوا للأمة بالفكر الوهابي، الذي خرجت عباءته القاعدة وطالبان والنصرة وغيرها من التنظيمات الخطيرة.

كما يُشير إلى أن الإخوان دواعش سلفيون وهم نتاج الموساد الإسرائيلي الذي نفذ خطة سرية لغاية عام 1956م، حين أنشأ الموساد الصهيوني الإسرائيلي ما تسمى جامعة “تل أبيب” في فلسطين المحتلة قسم الدراسات الإسلامية، ويدرسون علوم الإسلام ولكن ليس من وجهة نظر الأزهر بل من وجهة نظر اليهودية، ولا يُقبل فيه إلا إسرائيلي بانتقاء من الموساد، ويُكلف بأن يغرس نفسه في مجتمع مسلم ويرتدي زي العلماء المسلمين القدامى.

ويُظهر هذا التصريح أن الشيخ الأزهري أحمد كريمة هو باحث في التاريخ؛ إذ إن الاطلاع على التاريخ القديم والمعاصر هو الذي يجعل رجل الدين يتحلى بالوعي، فعالم الدين لا يجب أن يقتصر فقط على علوم الفكر والمسائل الشرعية إنما يجب أن يستقصي تاريخ هذه الأمة وأعدائها ويقوم بدوره بعد ذلك في توعية المجتمعات.

لأن الاختراق كما قال الشيخ أحمد كريمة، كبير وخطير، وصل إلى مستوى أن اليهود الصهاينة أسسوا جامعة متخصصة لتخريج يهود على أساس أنهم علماء دين مسلمين يعلمون الإسلام، ثم يدفعون بهم كدعاة ويغرسونهم داخل المجتمعات العربية والمسلمة، والهدف هو ضرب الإسلام من الداخل تشويهاً لنشر الفتن والصراعات المذهبية بين أبنائها.

ويُعتبر كلام الشيخ أحمد كريمة، خطيراً وكبيراً ومهمّاً أيضاً، ويجب أن يجعل كل مسلم على وعي أكبر فيما يتعلق بالخطاب الديني، حيث يؤكد أن في مصر كان يوجد، أحد اليهود الذين يدعون الإسلام، ويظهر على القنوات الفضائية السلفية زمن حسني مبارك، كان الموساد الإسرائيلي يروج لأشرطته والكاسيت الخاص به.

فيما يتعلق بالخطاب الديني يجب على الناس الوعي، ومعرفة أن من يوجّه خطابه الديني إلى جهة غير اليهود والأمريكان، فهو جزء من منظومة الاختراق الإسرائيلية الأمريكية للخطاب الإسلامي، وما أكثر وأوسع هذا الاختراق، الذي شهده العالم الإسلامي والعربي، وما زال يعاني منه حتى اليوم.

يُعَدّ الشيخ الشهيد المظلوم البوطي من أكابر علماء المسلمين السنة في الشام ومفتيها، بل وكان ذا مكانة مرموقة على مستوى العالم الإسلامي؛ حيث كان يخرج في سوريا رغم المخاطر التي كانت تحدق به ليقوم بدوره التوعوي للأمة، وذلك برغم علمه بأن المخابرات الإسرائيلية والأمريكية ستتربص به عبر المال السعودي والجماعات التكفيرية.

وفعلاً، جرى اغتيال هذا الشيخ الفاضل وإمام أهل السنة والجماعة داخل المسجد وفي محرابه أثناء إلقاء محاضرته اليومية، على يد جماعة الجولاني “جبهة النصرة” عبر تفخيخ كرسيّه، علماً أنه لم يكن شيعياً ولا إيرانياً ولا من أنصار الله ولا من حزب الله.

وتُعتبر هذه الحقائق مهمة للجميع كيمنيين وعرب ومسلمين من مختلف المذاهب والتوجهات؛ فالهدف من استعراضها ليس الدفاع عن الفكر أو المشروع والهوية، وإنما لرفع الوعي لدى كل مسلم صادق وغيور أياً كان مذهبه (سواء كان سلفياً، حنفياً، شافعياً، أو زيديا).

فالمسلم الحقيقي لا يمكن أن يقبل بتحويل دينه وصلاته وصيامه وعبادته لخدمة أعداء الله من اليهود والبريطانيين والأمريكيين؛ إذ إن ثوابت الإسلام الأساسية تمنع المسلم من التفريط في علاقته بأخيه المسلم -حتى لو اختلف معه مذهبياً- في مقابل موالاة اليهودي والصهيوني والأمريكي.

ويُشار هنا إلى أن النظام السعودي كان دوره في البداية استهداف الإسلام والمسلمين بنشر الفكر الوهابي التكفيري، وبعد أن قطع الأعداء شوطاً كبيراً في تمزيق الأمة وإضعافها، تحول الدور الجديد بنسبة 100% نحو نشر الإلحاد وهدم قيم وأخلاق المجتمع المسلم تحت مسمى الترفيه، والعمل على الترويج للشذوذ والكفر القيم والعروبة والإسلام.

أما بخصوص الفكر الوهابي الذي لا زال وباءً منتشراً، فمن المهم التوقف عند اعتراف بن سلمان نفسه بأن بلاده إنما قامت بنشره استجابة لأوامر ومطالب أمريكا والغرب لخدمة أهدافهم وأهداف اليهود في مواجهة المعسكر الشرقي في تلك الفترة.

يُعتبر هذا الاعتراف أمراً صريحاً على لسان بن سلمان ذاته، مما يقطع الحجة ولا يدع مجالاً للمغالطة؛ فعندما قامت أمريكا بابتزاز السعودية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدعوى أن أغلب المنفذين سعوديون -وهي وسيلة ابتزاز معلومة- كانت بعض دوائر الإدارة الأمريكية تضغط بقوة على النظام السعودي وتعتبر الفكر الوهابي الممكّن والممول هو المصدر الذي يفرخ هذا الإرهاب.

وكان رد قادة النظام منهم حينها، ومن ثم رد بن سلمان لاحقاً، أن نشر الفكر الوهابي لم يكن من تلقاء النظام السعودي، وإنما تم بناءً على أوامر ومطالب من أمريكا ودول الغرب عندما كانت بحاجة لمواجهة المعسكر الاشتراكي إبان الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.

ويُلاحظ أن الأمريكان والصهاينة يستغلون هذا الفكر التكفيري في قضايا متعددة وضد أكثر من بلد مسلم، ولم يكن محصوراً فقط على المعسكر الاشتراكي؛ إنما يُعد أخطر وأعظم سلاح -تتجاوز خطورته السلاح النووي- تستخدمه أمريكا والعدو الإسرائيلي ضد الأمة وأي بلد يُراد استهدافه عبر الفتاوى واستغلال المغفلين.

ويتضح من خلال التأمل في البرنامج الثقافي والفكري الذي تشرف عليه أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي تحت مسمى الترفيه في السعودية، حجم وأهمية الدور الحضاري والإنساني والإسلامي الذي يضطلع به أبناء الشعب اليمني في هذه المرحلة الهامة والحساسة والمصيرية من تاريخ المسلمين، وهي مرحلة تميزت فيها الصفوف ولم يعد فيها إلا حق أو باطل.