من البحر الأحمر إلى خليج عدن والجغرافيا المحتلة.. اليمن يطوّق العدو السعودي بقدرة رصد واستهداف قاتلة

8

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 أغسطس 2026مـ – 24 صفر 1448هـ

تقريــر || نوح جلّاس

شهدت معادلة الردع اليمنية في مواجهة العدوان والحصار السعودي، خلال اليومين الماضيين، تحولاً نوعياً يؤكد انتقال العمليات من خنق الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر إلى مطاردتها في خليج عدن، بالتوازي مع توجيه ضربات استباقية خاطفة لتحشيدات عسكرية برية في عمق الجغرافيا اليمنية الشرقية، ما يؤكد أن كل الخيارات السعودية براً وبحراً باتت تحت الرصد والاستهداف الدقيق.

هذا التحول المركّب رسم مشهداً عملياتياً جديداً، أصبحت فيه المناطق والمسارات التي يُفترض أنها توفر هامشاً للمناورة أو الهروب جزءاً مأهولاً بالمخاطر وواقعاً تحت التغطية النارية والاستخباراتية، فيما خيارات العدو السعودي في التصعيد ضد المحافظات الحرة بهدف الضغط على القوات المسلحة اليمنية وتشتيت جهودها، باتت هي الأخرى في دائرة الفشل، ما يجعل النظام السعودي أمام خيار وحيد لا يخرج عن إطار الانصياع للإرادة اليمنية المحقة والمشروعة.

وبصورة مختصرة عن العمليات التي نفذتها القوات المسلحة خلال يومي الخامس والسادس من أغسطس الجاري، فقد تم “استهداف سفينة (وفاء) النفطية السعودية شمالي البحر الأحمر أمام منطقة (ينبع) وذلك بعدد من الصواريخ الباليستية وكانت الإصابة دقيقة”، وذلك قبل ساعات من “استهداف سفينة (Daisy) النفطية السعودية في خليج عدن وذلك بصاروخ باليستي وقد حققت العملية هدفها بنجاح، وتم إصابة السفينة وإجبارها على العودة”، غير أن الملاحظ من هذه العملية توسع مسرح العمليات اليمنية من البحر الأحمر إلى خليج عدن، ما يضع السفن المرتبطة بالسعودية على موعد مع الاستهداف الحتمي.

وبعد أقل من 24 ساعة، “قامت قواتنا المسلحة بعملية عسكرية واسعة ونوعية استهدفت تحشيدات العدو السعودي في مناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكرات أخرى تابعة لما يسمى الفرقة الأولى والثالثة طوارئ بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وكان من نتائج العملية مصرع وإصابة المئات من مرتزقة العدو السعودي، وتدمير وإحراق عدد كبير من معسكرات وتحشيدات ومخازن وأسلحة العدو السعودي في منطقة الوديعة شرقي البلاد، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من الآليات العسكرية المتواجدة في المعسكرات المستهدفة”.

وجاءت هذه التطورات الميدانية لتؤكد أن المعادلة المعلنة “الحصار بالحصار” تحولت إلى ردع ضاغط متعدد الأبعاد، فالمسار الممتد من شمال البحر الأحمر قبالة ينبع، مروراً بخليج عدن، وصولاً إلى المعسكرات والتحشيدات البرية في الوديعة والرويك والعبر، يوصل رسالة للعدو السعودي بأن نقل أدوات المواجهة أو تغيير الطرق الملاحية لا يوفران حصانة تلقائية ولا يلغيان قدرة اليمن على المتابعة والتكيف والضرب في التوقيت والمكان المناسبين.

وتترجم هذه العمليات حقيقة أن الردع اليمني أصبح يعتمد بصورة أساسية على قدرة المنظومة الاستخباراتية اليمنية في تتبع كل تحركات العدو وتكيف القوات المسلحة مع تغير سلوكه العملياتي بتنفيذ عمليات فورية تواكب متغيرات الميدان، فكلما شرعت السعودية في البحث عن بدائل لوجستية أو جغرافية للالتفاف على القيود المفروضة، اتسع النطاق الجغرافي للردع ليعيد احتواء تلك البدائل وإسقاطها، مما يجرد العدو السعودي من كل خياراته وتحركاته، ويجعل من عملية إعادة التموضع مجرد مجازفة مكلفة لا تقود إلا لمزيد من الخسائر والصفعات.

سقوط خيارات الهروب البحري من ينبع إلى خليج عدن:

وبدءاً من الوقوف على العمليات البحرية، تظهر تفاصيلها طبيعة التوسع الديناميكي؛ حيث استهدفت القوات المسلحة السفينة النفطية السعودية “وفاء” شمالي البحر الأحمر قبالة منطقة ينبع باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية التي حققت إصابة دقيقة.

ولم تمضِ ساعات حتى أعلن متحدث القوات المسلحة عن عملية ثانية طالت الناقلة السعودية “Daisy” في خليج عدن بصاروخ باليستي أدى إلى إصابتها وإجبارها على التراجع والعودة، وهو ما يمثل نقطة تحول جوهرية في الجغرافيا الملاحية للمواجهة، فالانتقال العملياتي السريع من شمال البحر الأحمر إلى خليج عدن يوجه رسالة حاسمة، تؤكد أن الابتعاد عن نقاط الضغط المعروفة كباب المندب والبحر الأحمر لا يعني الخروج من نطاق الرد والردع اليمني، ما يشير إلى أن الحصار البحري تحول إلى نطاق عملياتي متصل ومفتوح تعتمد حدوده على مدى قدرة أدوات الرصد والاستهداف اليمنية.

كما يؤكد هذا التوسع في مسرح العمليات أن مماطلة النظام السعودي في الاستجابة للمطالب اليمنية المشروعة، ستقود إلى توسيع رقعة الاستهدافات، بما يطبق حصاراً بحرياً شاملاً يطارد السفن المرتبطة بالملاحة السعودية إلى كامل المنطقة البحرية التي تصلها القوات المسلحة اليمنية، والتي أثبتت خلال فترة الإسناد لغزة ومحاصرة العدو الصهيوني قدرتها على الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط شرقاً والمحيط الهندي والبحر العربي شمالاً.

وقد عززت القوات المسلحة رسائل هذا التوسع بتأكيد العميد يحيى سريع أنها ترصد تحركات السفن النفطية السعودية بدقة، وأنها لن تسمح بمرور أي سفينة سعودية، سواء عبر جنوب البحر الأحمر أو شماله، حتى تتم تلبية مطالب الشعب اليمني ورفع الحصار عنه.

شهادة استخباراتية بريطانية تؤكد تبدد خيارات الهروب:

هذا الواقع الميداني وجدت أصداؤه سريعا في تقييمات مراكز الاستخبارات البحرية الدولية؛ حيث كشف تقرير صادر عن شركة “ويندوارد” البريطانية المتخصصة في الاستخبارات البحرية عن فشل مسارات الهروب التي اعتمدتها السفن المرتبطة بالسعودية.

وأكد التقرير الصادر عن الشركة اليوم الجمعة أن “تغيير مسار السفن شمالاً لتجنب باب المندب لم يعد كافياً”، مشيراً إلى أن “استهداف الناقلة (وفاء) قبالة ينبع أثبت امتداد الردع اليمني إلى عمق المياه السعودية”، وأن “اليمنيين وسعوا رقعة عملياتهم خارج حدود الحصار المعلنة سابقاً”.

وأشارت التقييمات الاستخباراتية البريطانية إلى أن “الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بات الخيار المتبقي الأخير أمام الملاحة السعودية للابتعاد جغرافياً عن خطر الضربات”، غير أن مراقبين يؤكدون فشل هذا الخيار إذا ما استمر النظام السعودي في المماطلة والتعنت، مستندين إلى التجربة الميدانية اليمنية خلال عامي الطوفان، حينما تمكنت القوات المسلحة اليمنية من إطباق حصار شامل على العدو الصهيوني، في كل من البحر العربي والأحمر والأبيض المتوسط وصولاً إلى المحيط الهندي.

أما العملية البحرية في خليج عدن، فإنها تحمل أهمية خاصة لأنها جاءت بعد ساعات قليلة من العملية السابقة، فيما تؤكد أن الرهان السعودي الذي يقوم على أن تجاوز باب المندب أو الابتعاد عن منطقة الاستهداف المعلنة يمكن أن يوفر مخرجاً، قد بات رهاناً مفضوحاً، فضرب السفينة “Daisy” يضرب جوهر هذا الرهان، ويعيد إجراءات الالتفاف السعودية إلى نقطة الصفر.

وقد علقت الشركة الاستخباراتية البريطانية “ويندوارد” على هذه العملية أيضاً، بقولها إن “المخاطر التشغيلية ظلت عند مستوى حرج في نطاق مضيق هرمز والبحر الأحمر وخليج عدن وشمال الخليج العربي”، غير أن الشركة البريطانية حاولت تعميم هذه المخاطر على الملاحة الدولية بشكل عام، عكس المجريات الميدانية التي تؤكد انسيابية المرور في البحر الأحمر وباب المندب لكل السفن الدولية غير المرتبطة بالموانئ السعودية.

الضربة الاستباقية البرية: التفوق الاستخباري يسبق القوة النارية:

وفي اليوم التالي للعمليتين البحريتين النوعيتين، امتدت العمليات اليمنية إلى مسار الردع البري عبر عملية عسكرية واسعة استهدفت تحشيدات عسكرية سعودية في مناطق الرويك والعبر والثنية، بالإضافة إلى معسكرات تابعة لما يسمى بالفرقة الأولى والثالثة طوارئ في منطقة الوديعة شرقي اليمن، حيث كان العدو السعودي يعد العدة للتصعيد ضد المحافظات الحرة، على أمل إلهاء القوات المسلحة والضغط عليها وتشتيت تركيزها، غير أن تلك الآمال والرهانات اصطدمت بقوة استخبارية وعسكرية مميتة، حيث تم تمزيق أوصال التحشيدات السعودية عدداً وعتاداً.

واستخدمت القوات المسلحة اليمنية في هذا الهجوم المركب عدداً كبيراً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مما أسفر عن تدمير وإحراق كميات ضخمة من العتاد، ومخازن الأسلحة، والآليات العسكرية، وسقوط المئات من القتلى والجرحى، بينهم قادة ألوية وكتائب، جلهم من التكفيريين والمرتزقة، في حين تبرز هذه العملية القدرة على التنسيق بين القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير وضبط التوقيت رغم اختلاف طبيعة الوصول الزماني والمكاني.

كما تكمن الدلالة الأهم لهذه الضربة في جودة ومصدر “المعلومة الاستخباراتية” التي سبقت تنفيذها؛ حيث أوضح بيان القوات المسلحة أن العملية جاءت عقب رصد استخباري دقيق لتجمع تلك القوات وهي في مراحلها الأخيرة للتحضير لتصعيد ميداني جديد. وهنا يثبت ضرب التحشيدات في أوقات التجميع النهائية امتلاك عين استخبارية نافذة قادرة على اختراق الخطط التشغيلية للعدو وتعطيلها قبل انطلاقها، مما يرفع من كلفة أي خطوة تصعيدية قادمة ويجعل المعسكرات الخلفية التابعة للعدوان وأدواته مكشوفة أمام النيران اليمنية.

وتكتسب النتائج الميدانية لهذه العملية النوعية والواسعة أهمية استثنائية مع ما تداوله إعلام العدوان نفسه من اعترافات أولية بمقتل نحو 60 عنصراً بينهم قيادات عسكرية رفيعة وقادة ألوية، فيما تؤكد هذه الاعترافات أن الضربات تجاوزت استهداف التحشيد إلى استهداف دوائر التوجيه وقيادة التحشيد بشكل مباشر، مما يحدث إرباكاً شللياً في بنية القوات المرتزقة التي يراهن عليها العدو السعودي براً.

المناورة السعودية تحت حصار التكلفة وتآكل الخيارات:

وبهذا الردع المتوسع، تضع العمليات المتلاحقة براً وبحراً النظام السعودي أمام معادلة حادة التكاليف ولا خيارات سهلة فيها؛ فالبقاء في الممرات البحرية القريبة يعرض شحنات النفط للضرب المباشر وفق معادلة “الحصار بالحصار”، واللجوء إلى الطرق البديلة الأطول كرأس الرجاء الصالح، بما يفرضه من تغيير آليات الإبحار ورفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات غير مسبوقة، لن يكون بمنأى عن توسع المعادلة، فيما يواجه التصعيد البري بضربات باليستية استباقية تطال غرف العمليات والتجمعات الرئيسية، ما يجعل كل الخيارات صفرية أمام العدو.

كما أن نجاح المنظومة الاستخبارية الخاصة بالردع اليمني في الربط الميداني بين الجغرافيا البحرية والبرية عبر جهد استخباري متكامل يثبت أن خيارات العدو أصبحت مكشوفة وسهلة الاستهداف، فيما تنتقل القوات المسلحة اليمنية إلى مرحلة تلاحق فيها “الخيارات والخطط” وليس فقط “المواقع والأهداف الثابتة”، ما يجعل أي خطوات سعودية قادمة محكومة بتكاليف باهظة تطال شرايين الاقتصاد وخطوط الإمداد العسكري على حد سواء.