كوابح الميدان وحدود التفوق الأمريكي.. لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
4 أغسطس 2026مـ – 21 صفر 1448هـ

تقرير || علي الدرواني

إن القراءة الدقيقة للمشهد الإقليمي وتراجع ترامب عن توجيه ضربة عدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تظهر أن الإعلان الذي جاء تحت لافتة المفاوضات أو الاستجابة لطلبات أطراف إقليمية ودولية لم يكن سوى تخريجة سياسية لقرار تمليه في المقام الأول حسابات ميدانية واستراتيجية معقدة ومتداخلة، فبينما حرصت الإدارة الأمريكية على تصوير التراجع كفرصة للمناورة الدبلوماسية، تؤكد المعطيات العسكرية والتحليلات الاستراتيجية أن المحرك الأساسي للقرار كان إدراكاً عميقاً في واشنطن لحجم الاستنزاف الميداني، ومخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة غير محسومة النتائج.

استنزاف المخزون الاستراتيجي للصواريخ طويلة المدى والاعتراضية
كشفت العمليات العسكرية المكثفة عن استهلاك سريع وخطير للترسانة الأمريكية من الصواريخ عالية الدقة، ونقلت رويترز عن “مصادر مطلعة” أن أمريكا استخدمت كل صواريخها بعيدة المدى تقريبا ضد إيران من نوعي “أتاكمز” التكتيكية وصواريخ الضربات الدقيقة “بريزم”، إلى جانب استنزاف الصواريخ الاعتراضية لمنظومات الدفاع الجوي مثل (Patriot) و(THAAD). هذا التراجع الحاد في المخزون أضعف القدرة على الاستمرار في هجمات مكثفة دون انكشاف الحماية الجوية للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

اختلال التوازن في معادلة تكلفة الردع
نجحت إيران في استراتيجية الاستنزاف التي اعتمدت على إغراق الميدان بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية منخفضة التكلفة في فرض عجز اقتصادي وتكتيكي على وسائل الدفاع الأمريكية باهظة الثمن، وبناء عليها وجد البنتاغون نفسه أمام معادلة استنزاف غير متكافئة تجبر واشنطن على استهلاك ذخائر استراتيجية نادرة لمواجهة أهداف رخيصة ومتعددة، ما يجعل استمرار الضغط العسكري المكثف أمراً غير مفتوح السقف زمنياً، ويعني أن الخيار العسكري الأمريكي المكثف هو سلاح ذو نفاذ سريع يمكن اللجوء إليه في ضربة خاطفة ممتدة لأيام، لكنه لا يصلح ليكون استراتيجيةَ نفَسٍ طويل أو حرب استنزاف مفتوحة، لأن الوقت في هذه الحالة يعمل لصالح إيران حسب الكثير من الخبراء، لا سيما بعدما كشفت الحرب حدود التفوق العسكري الأمريكي.

تحذيرات البنتاغون والانعكاس على “الردع العالمي”
في أوقات سابقة رفع قادة الجيش الأمريكي والقيادة المركزية تحذيرات شديدة إلى الإدارة من أن تفريغ المخزونات العسكرية في (الشرق الأوسط) يمس مباشرة بالجاهزية الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة، وشدد الخبراء على أن استهلاك الترسانة المتقدمة في صراع إقليمي يضعف القدرة الأمريكية على الردع في ساحات أكثر حيوية ومصيرية، وفي مقدمتها المحيطان الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني.

المخاوف من شلل الاقتصاد العالمي وضغوط حلفاء المنطقة
علاوة على ذلك حذرت القوى الإقليمية واشنطن من أن الرد الإيراني على أي ضربة واسعة النطاق لن يقتصر على الأهداف العسكرية، بل سيستهدف منشآت الطاقة وممرات الملاحة البحرية الرئيسية. وقد حذرت إيران من أن أي هجوم واسع سيعني توسيع الهجمات على كل البنية التحيتة للدول التي تقدم الدعم العملياتي للعدوان الأمريكي، كما هددت بتوسيع منع الملاحة في ممرات مائية أخرى. هذا السيناريو كان كفيلاً بإحداث قفزات قياسية في أسعار النفط وشلِّ حركة التجارة الدولية، ما شكل ضغطاً سياسياً واقتصادياً كبيراً لمنع اتساع رقعة المواجهة، وفرض على ترمب تعليق العدوان.

غياب أفق الحسم العسكري، ووحدة الساحات
يدرك المحللون وصناع القرار في واشنطن أن الضربات الجوية مهما بلغت شدتها لن تحقق حسماً سريعاً أو تسقط الخيار العسكري المقابل، بل ستجر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد وغير محسومة النتائج. وقالت بلومبرغ: إن تراجع ترامب عن تهديده بإطلاق «جحيم» على إيران جاء بعدما تبيّن له أن واشنطن لا تملك خيارات عسكرية جيدة، وأن التصعيد لن يضمن نتيجة حاسمة.

وتزايدت هذه المخاوف مع ما تسميه التقارير الغربية إظهار حلفاء إيران -ولا سيما في اليمن والعراق- قدرة سريعة على التعافي والتكيف الميداني مع الضربات، وإعادة تنظيم خطوط إمدادهم، وتطوير قدراتهم الهجومية. فقد انتقلت القوات اليمنية من موقف الدفاع والتصدي المباشر إلى اتخاذ خطوات تصعيدية متقدمة تمثلت في فرض قيود وحصار بحري وعسكري على الموانئ والتحركات السعودية، ما هدد بفتح جبهات إقليمية واسعة وشلِّ حركة التجارة والطاقة.

هذا التعافي الاستراتيجي وتثبيت وحدة الساحات أثبت لواشنطن أن أي مواجهة مباشرة لن تبقي الصراع محصوراً في نطاق جغرافي واحد، ما أدى إلى ترجيح كفة التراجع المؤقت، والعودة إلى أدوات الضغط الاقتصادي والحصار البحري كخيارات أقل كلفة وأقل خطورة من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة تستهلك الموارد العسكرية، وتزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

على ضوء هذه المعطيات، يتبدى في الأفق تحولٌ ملموس في موازين القوة؛ إذ تبدو إيران اليوم في موقع مَن يمسك بزمام المبادرة، ويمارس إدارة أزمة النفس الطويل بكفاءة عالية، مستفيدةً من قدرتها على تحويل التهديدات العسكرية إلى كلفة استنزافية باهظة على الولايات المتحدة، وفي المقابل تظهر الولايات المتحدة في موقع المتخبط بين حدود ترسانتها المستنزفة ومخاوف انزلاقها إلى حرب مفتوحة لا تملك لها أفقاً للحسم، لتجد نفسها مضطرة للتردد بين خيار التصعيد الملازم للمخاطر، وتراجع المناورة الذي يعكس كوابح الميدان أكثر مما يُعبِّر عن إرادة التهدئة.