قنديل: اليمن يمتلك زمام المكان والزمان في معركة الحصار والسعودية أخطأت بالرهان على انتصار أمريكا أمام إيران

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
4 أعسطس 2026مـ – 21 صفر 1448هـ

أكد الكاتب والمحلل السياسي – رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية – ناصر قنديل أن القيادة السعودية تدرك، من خلال تجربة اليمن في جبهة إسناد غزة، أن صنعاء تمتلك القدرة على التحكم في المكان والزمان في أي مواجهة بحرية أو عسكرية، معتبراً أن معركة الحصار المفروضة على السعودية تمنح اليمن ظروفاً أفضل من تلك التي واجهها خلال فرض الحصار البحري على الكيان الإسرائيلي، سواء من حيث نطاق الأهداف أو القدرة على الاستمرار في المواجهة.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، أشار قنديل إلى أن الرياض بنت حساباتها على رهان خاطئ تمثل في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تتجه إلى حرب كبرى ضد إيران ستحقق فيها نصراً حاسماً يتيح لها جني مكاسب في اليمن والمنطقة.

وبيّنأن المقارنة بين معركة إسناد غزة والمعركة الحالية تظهر أن اليمن بات يمتلك مساحة أوسع للتحرك، إذ كانت البحر الأحمر يمثل ساحة المواجهة الأساسية خلال حصار الكيان الصهيوني، بينما تمتد المواجهة الحالية لتشمل البحر واليابسة معاً، نظراً لانتشار المنشآت النفطية السعودية التي يمكن استهدافها في مختلف أنحاء الأراضي السعودية.

وأضاف أن ظروف المواجهة الحالية، من حيث المكان، أكثر ملاءمة لليمن مما كانت عليه خلال عمليات إسناد غزة، لأن نطاق الأهداف أصبح أوسع وأكثر تنوعاً، لافتاً إلى أن اليمن أثبت خلال عامين متواصلين من إسناد غزة قدرته على الصمود في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بكل إمكاناتهما العسكرية.

واعتبر أن نجاح اليمن في الصمود طوال تلك الفترة يعني أنه قادر على الاستمرار في مواجهة السعودية لسنوات طويلة، قائلاً إن من استطاع الصمود عامين أمام الولايات المتحدة والعدو الصهيوني يستطيع الصمود عشر سنوات أمام السعودية، متسائلاً عما إذا كانت الرياض تمتلك ما يمكنه معادلة تأثير عامل المكان والزمان، ليجيب بأن السعودية لا تمتلك شيئاً من ذلك.

ورأى قنديل أن السعودية بنت جزءاً من حساباتها على اعتقاد بأن الولايات المتحدة أعدت خطة كبرى بعد تراجعها عن مذكرة التفاهم مع إيران، وأنها تتجه نحو حرب واسعة ستؤدي إلى سحق القدرات الإيرانية، مضيفاً أن هذا التصور كان متداولاً بين عدد من حلفاء واشنطن، وأن السعودية رأت فيه فرصة لتحقيق نصيبها من “الانتصار الأمريكي المرتقب”، عبر توسيع المواجهة باتجاه اليمن والعراق.

وتطرق قنديل إلى التحالف الذي سعت السعودية إلى تشكيله، موضحاً أن الرياض حاولت هذه المرة تقديم القضية باعتبارها قضية دولية تتعلق بالملاحة في البحر الأحمر، بدلاً من الشعارات التي رافقت الحرب على اليمن منذ عام 2015، مثل “إعادة الشرعية” أو “إنهاء أنصار الله” أو “إخراج إيران من اليمن”.

وقال إن السعودية كانت تأمل من خلال هذا العنوان الجديد في إحراج اليمن أمام أطراف دولية مثل روسيا والصين، واستقطاب حلفاء مستعدين للمشاركة الميدانية، وليس الاكتفاء بمواقف سياسية أو إعلامية كما حدث في بدايات العدوان على اليمن، إلا أنه أكد أن النتائج جاءت مخالفة لتلك الحسابات، موضحاً أن الدول التي دُعيت للمشاركة أدركت أن من يفشل حيث فشلت الولايات المتحدة لا يستطيع تحقيق النجاح.

وأكد ناصر قنديل أن محاولة السعودية تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة لم تحقق النتائج التي كانت تأملها، موضحاً أنها دعت نحو أربعين دولة للمشاركة، إلا أن أربع عشرة دولة فقط وقعت على البيان، واصفاً تلك التواقيع بأنها بقيت “حبراً على ورق”، لأن أياً من هذه الدول لم يعلن استعداده لإرسال سفينة أو مدمرة أو حاملة طائرات أو أي قوة بحرية للمشاركة الفعلية.

وجزم بأن هذه الدول أجرت حساباتها العسكرية والسياسية، وتساءلت: لماذا نجرب حظنا حيث فشلت الولايات المتحدة؟ ولماذا نخاطر بسفننا وجنودنا وإمكاناتنا في مواجهة أثبتت التجربة الأمريكية فيها الفشل؟

واعتبر أن المسار الحالي بات واضحاً، ويتمثل في أن رقعة الحركة النارية اليمنية مرشحة للاتساع، في حين يبقى عامل الزمن في صالح اليمن، لأن قدرته على الصمود أكبر بكثير من قدرة السعودية على تحمل آثار الحصار والاستنزاف.

ونوّه إلى أن تركيز السعودية على الدول المطلة على البحر الأحمر كان واضحاً من خلال قائمة الدول التي وُجهت إليها الدعوات، في محاولة لإظهار أن دول البحر الأحمر مجتمعة تقف في مواجهة اليمن، وإضفاء مشروعية إقليمية على أي تحرك ضد صنعاء، لكنه شدد على أن هذه الدول تواجه حقيقة مختلفة، لأن اليمن لا يعلن إغلاق الملاحة الدولية، ولا يقول إنه سيستهدف كل السفن العابرة، وإنما يعلن بوضوح أنه يفرض حصاراً مقابلاً على السعودية من أجل إنهاء الحصار المفروض على اليمن.

وأضاف أن اليمن، بعد تحمله حصاراً استمر اثني عشر عاماً، يقول ببساطة: “إذا أردتم إنهاء الحصار الذي نفرضه عليكم، فارفعوا الحصار المفروض علينا”، مؤكداً أن اليمن لا يحاصر العالم، ولا يستهدف جيبوتي أو الصومال أو مصر أو غيرها من الدول.

وتطرق إلى أن دولاً مثل فرنسا تستطيع، إذا أرادت، أن تتحرك بمبادرة تهدف إلى إقناع السعودية بإنهاء الحصار عن اليمن، لأن صنعاء مستعدة للتراجع عن قرار الحصار بمجرد صدور قرار يقضي بفك الحصار عن الشعب اليمني.

وتساءل قنديل: ما هي الحجة التي يمكن أن تقدمها السعودية للعالم للاستمرار في حصار اليمن؟ مؤكداً أنه لا يوجد منطق يمكن أن يقنع أي دولة بأن تضحي بسفنها أو جنودها أو مصالحها تحت عنوان “الدفاع عن السفن السعودية”، وليس من أجل حماية الملاحة الدولية أو فتح باب المندب، الذي أكد أنه غير مغلق أصلاً، وأن الملاحة فيه مستمرة.

وشدّد على أن الطلب السعودي الحقيقي، هو: “ساعدونا نحن كسعودية”، بينما تستطيع الدول أن تطالب الرياض، قبل أي شيء، بتقديم خطوة عملية تتمثل في إنهاء الحصار على اليمن، حتى تمتلك أساساً يمكن البناء عليه.

ورأى أن هذا هو المنطق الذي يحكم العلاقات الدولية، ولذلك فإن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي رافقت تشكيل التحالفات الداعمة لإسرائيل خلال معركة غزة، مبيناً أن الدول التي شاركت آنذاك كانت تنطلق من اعتبارات عقائدية واستراتيجية مرتبطة بالكيان الصهيوني، في حين أن السعودية، رغم أهميتها الاقتصادية والنفطية، لا تحتل الموقع نفسه في حسابات تلك الدول.

وذكر أن أقصى ما يمكن أن تقدمه هذه الدول للسعودية هو التوقيع على بيانات سياسية أو إظهار دعم دبلوماسي، أما الانتقال إلى المشاركة العسكرية الفعلية فهو أمر مختلف تماماً، مؤكداً أن القضية السعودية تفتقر إلى المبرر السياسي والأخلاقي الذي يمكن أن يدفع تلك الدول إلى تحمل خسائر عسكرية دفاعاً عن السفن السعودية.

وذكّر قنديل بأن ما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير ما جرى مع بداية العدوان على اليمن عام 2015، موضحاً أنه في تلك المرحلة لم يكن اليمن قد كشف بعد عن قدراته العسكرية، وكانت صورته لدى كثير من الدول أنه يمتلك إمكانات محدودة، فيما كانت السعودية تروج لانتصار سريع خلال أيام أو أسابيع.

وتابع قائلاً: إن عدداً من الدول، رغم تلك الظروف، رفض الانخراط في الحرب منذ البداية، مستشهداً بمواقف دول مثل باكستان ومصر، بينما اكتفت دول أخرى بالتوقيع السياسي ورفع الأعلام دون مشاركة فعلية، في حين شاركت دول بصورة رمزية ثم انسحبت من العمل الميداني بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

وأكد أن السيناريو نفسه يتكرر اليوم، وأن ما تحقق حتى الآن هو الحد الأقصى لما تستطيع السعودية الوصول إليه في مسألة الحشد والتحالفات، معتبراً أن الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي ارتكبته السعودية لم يكن في تقديرها لقدرات اليمن، لأنها تعرف هذه القدرات جيداً، وإنما في توهمها أن انتصاراً أمريكياً على إيران بات وشيكاً، وأن هذه اللحظة تمثل فرصتها للحصول على نصيبها من ذلك الانتصار.

وأوضح أن هذا الرهان هو الذي دفع الرياض إلى التصعيد، وإلى محاولة بناء تحالفات جديدة، معتقدة أن التطورات الإقليمية ستكون لصالحها، قبل أن تتبين أن تلك الحسابات لم تتحقق، وأن الوقائع جاءت بعكس ما كانت تتوقعه.

وفي ختام مداخلته، خلُص المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة البناء اللبنانية، ناصر قنديل، إلى أن معركة الحصار دخلت مساراً واضحاً، عنوانه أن اليمن يمتلك زمام المبادرة ميدانياً وزمنياً، بينما تواجه السعودية واقعاً لا تستطيع تغييره بالحشود السياسية أو البيانات أو التحالفات، وأن الرهان على متغيرات خارجية، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية ضد إيران، لم يؤدِّ إلى النتائج التي بنت عليها الرياض حساباتها.