الدور البريطاني في تأسيس السعودية.. مجزرة تنومة وجذور العداء التاريخي لليمن
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
2 أغسطس 2026مـ – 19 صفر 1448هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يثار لدى الكثيرين تساؤل هام: ما هدف بريطانيا من تأسيس الكيان السعودي في الجزيرة العربية؟ وما الدور الذي لعبته المملكة منذ تأسيسها وحتى اليوم خدمة لمشاريع القوى الاستكبارية العالمية وفي مقدمتها أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي؟
وبالعودة إلى القراءة التاريخية، فإن بريطانيا هي التي أوجدت النظام السعودي بحسب الكثير من الدراسات، وكان الهدف من وراء ذلك هو تفريغ المقدسات الإسلامية من رسالتها السامية؛ والدليل على ذلك هو تزامن دعم بريطانيا لعبد العزيز آل سعود مع إنشائها لدويلات الخليج -التي كان معظمها يخضع للاستعمار- وبالتزامن كذلك مع تأسيسها لكيان العدو الصهيوني، ما يعني أن الهدف البريطاني كان يتمركز حول المقدسات الإسلامية [الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى].
ويقول العلامة الراحل المجاهد عبد السلام الوجيه إن بريطانيا تآمرت على القبلة الأولى للمسلمين في فلسطين بواسطة اليهود، وعلى مقدسات المسلمين في الجزيرة العربية بواسطة آل سعود؛ فتم إنشاء الكيانين، وليعيش العرب والمسلمون طوال قرن من الزمن مآسي الاستعمار البريطاني وتقسيماته للخرائط والدول في المنطقة.
ويمثل الضابط في الجيش البريطاني “دبليو آي شكسبير” حلقة الوصل بين بريطانيا والإمارات الخليجية، لاسيما مع صعوبة اختراق بريطانيا للصحراء دون الاعتماد على عملائها، وعقب وصول رسالة من عبد العزيز، قررت بريطانيا إرسال مندوب للقائه في نجد؛ فانطلق الكابتن شكسبير نحو الرياض ليكون أول بريطاني يلتقي بابن سعود، وأول من يلتقط صوراً له ولجيشه، وقد نال عبد العزيز ما أراد؛ إذ اعترفت بريطانيا باستقلال نجد ووعدت بإمداده بالمال والسلاح.
وبرزت لاحقاً حاجة بريطانيا لضابط مخابرات جديد يتوجه فوراً إلى الرياض ليكون صلة الوصل الجديدة، فوقع الاختيار على الضابط الإنجليزي “هاري سانت جون فيلبي – الذي عُرف لاحقاً بعبد الله فيلبي- وغدا هذا الرجل صديقاً مقرباً لابن سعود ولعب دوراً محورياً في نشأة الدولة السعودية.
ويوضح فيلبي أن مهمته تضمنت مناقشة نقاط محددة مع ابن سعود، الذي وجده رجلاً عملياً لا يكل، ومدركاً لتعقيدات السياسة في الجزيرة العربية، ومقتنعاً بضرورة التحالف مع بريطانيا كضامن وحيد لمصالح بلاده، خاصة في ظل حاجته للمال والسلاح وقلقه من نفوذ شريف مكة في الحجاز.
وتركزت المهمة الأساسية لهؤلاء الحكام في تدمير مقومات بقاء الأمة وعوامل وحدتها وقوتها، لتصل إلى حالة من الضعف والتلاشي تتيح للمستعمر نهش لحمها، ونهب ثرواتها، وسحق شعوبها، وتمرير مخططاته الجهنمية الإجرامية، وما النموذج الفلسطيني، المستمر منذ أكثر من سبعين عاماً، سوى مثال حي على هذا المخطط الذي يُراد تعميمه على كافة الشعوب والبلدان العربية، وواهمٌ من يظن أنه بمنأى عن هذا المصير أو أن الأعداء يحملون له الاحترام أو الود.
ولم يقتصر الدور البريطاني عند هذا الحد، فكانت بريطانيا هي الجهة التي تزودجماعة “الإخوان” الوهابية، بالأسلحة البيضاء والنارية وتمدهم بالمال لنشر عقيدتهم؛ فلولا الدعم البريطاني أواخر القرن التاسع عشر، لبقيت الوهابية وآل سعود على هامش التاريخ الإسلامي.
واستدعت بريطانيا في 11 نوفمبر 1916 م، عبد العزيز بن سعود للتشاور في البصرة جنوب العراق؛ وكان في انتظاره الضابط الإنكليزي “بيرسي كوكس”، أحد أبرز صانعي السياسة البريطانية في الوطن العربي والذي كان حريصاً على لقائه شخصياً.
وخلال اللقاء، تحدث بن سعود مطولاً عن الخطر القادم من الحجاز، معرباً عن عدم شعوره بالأمان تجاه توسعات الشريف حسين، ورغبته في الحصول على دعم أكبر للقضاء على دولة آل رشيد، وكانت تقف إلى جانبه في تلك الأثناءالسيدة “غيرترود بيل”، التي تُعدّ من أخطر الشخصيات البريطانية في المنطقة والمكلفة بمتابعة شبكة العملاء البريطانيين في الخليج؛ وكانت حريصة على لقاء عبد العزيز باعتباره زعيماً قبلياً يقود جيشاً عقائدياً متعصباً.
وعقب تلك اللقاءات، حصل بن سعود على دعم بريطاني كبير بعد اقتناع الإنكليز بأهميته في منطقة الخليج، وبامتلاكه جيشاً وهابيًا عقائدياً قادراً على اكتساح أي خصم، وهو ما مثّل بالنسبة لهم ورقة مهمة لا بد من استغلالها، وهذا ما تؤكده الوثائق والشهادات المعروفة والثابتة التي أنتجتها قنوات ومؤسسات شهيرة كثيرة.
وبدأت هذا الجيش الوهابي بسلسلة من الأعمال الإجرامية منذ ذلك التاريخ، ومن أبرزها ارتكابه لمجزرة “تنومة” قبل 105 عام، وفي تلك الجريمة الفظيعة، اعترضت عصابات ابن سعود طريق ما يقارب ثلاثة آلاف حاج يمني كانوا بملابس إحرامهم متوجهين لأداء فريضة الحج، وارتكبت بحقهم مذبحة تاريخية دامية لا مثيل لها في تاريخ المسلمين منذ ظهور الإسلام وحتى لحظة وقوعها.
وجرت العادة في اليمن قبل زهاء 105 أعوام أن يتجمع الحجاج سنوياً في قافلة واحدة تحت قيادة أمير للحج يُعيّنه الإمام، لتبدأ رحلتهم براً عبر طريق عسير وصولاً إلى الحجاز، وكانت الأعراف تقضي بأن تتولى كل منطقة تأمين القوافل المارة بديارها.
وفي ذلك العام، جرت مراسلات بين الإمام يحيى وأمير قافلة الحج، إلى جانب تلقي مكاتبات من حاكمي عسير وأبها تؤكد استتباب الأمن وعدم وجود ما يعوق مرور القافلة التي كانت تضم قرابة ثلاثة آلاف حاج، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، وواصلت القافلة سيرها واجتازت مناطق عدة حتى بلغت “سدوان” بالقرب من “تنومة”؛ فنزلت المواكب الأولى -وهي الكتلة الأكبر- في تنومة، بينما توقف المتأخرون في سدوان على بعد نحو عشرة كيلومترات.
كان ذلك في منتصف نهار يوم الأحد، 17 ذو القعدة 1341 هـ (الموافق 1 يوليو 1923 م)؛ حيث شرع الحجاج الآمنون، بملابس إحرامهم ودون حمل أي سلاح، في إعداد أماكن للراحة والطعام دون أن يخطر ببالهم احتمال تعرضهم للهجوم أو استباحة دمائهم وأموالهم، لما للحج وحجاج بيت الله من حرمة وقدسية، وما إن همّ الحجاج بالنهوض لمواصلة رحلتهم، حتى انهال عليهم الرصاص من كل اتجاه، بعد أن أحاط بهم أتباع ابن سعود من قطاع الطرق، وبعد مقتل أعداد كبيرة منهم، هجم القتلة لنهب وسلب كل ما بحوزة الحجاج من أموال وأمتعة وزاد، فضلاً عن البضائع التي حملها بعضهم لبيعها والاستعانة بثمنها على نفقات السفر والعودة.
وتعددت أسباب هذه المجزرة، وكان في مقدمتها الدوافع الدينية المتمثلة في المذهب النجدي الوهابي القائم على تكفير كافة الطوائف الإسلامية واستباحة دمائها وارتكاب المحرمات باسم الدين، باعتبار غيرهم كفاراً ومبتدعة ومشركين، وإلى جانب الخلاف الديني والتكفير، كان السبب الرئيسي ذو أبعاد سياسية واستعمارية في أوائل القرن العشرين.
وقد تعرضت هذه المجزرة الرهيبة والعدوان السعودي النجدي المبكر بحق الحجاج اليمنيين للدفن والطمس؛ إذ تولت الأنظمة الحاكمة في صنعاء الموالية للنظام السعودي تغييب هذه الجريمة وتجريم الحديث عنها، حتى أضحت لدى البعض وكأنها أسطورة أو خيال أو حدث يخص فئة معينة من اليمنيين.
وعلى النقيض من ذلك، كان لهذه الفاجعة وقت وقوعها أثر ثقيل وجرح عميق في وجدان كل اليمنيين، حيث عم الحزن والأسى والشعور بالقهر كل منزل وقرية فور وصول أنباء المأساة، نظراً لوجود حاج ينتمي لكل بيت وقرية تقريباً.
ورغم المطالبات والضغط الشعبي الملح على الإمام يحيى للتحرك والأخذ بثأر المغدورين ومحاسبة القتلة وعلى رأسهم عبد العزيز آل سعود، إلا أن ظروف الإمام في تلك الفترة لم تمكنه من مواجهة السعودية أو اتخاذ موقف حاسم، وحينها اكتفى بإرسال رسائل احتجاج تطالب باسترداد أموال وأمتعة الحجاج وإنصاف الضحايا، غير أن ابن سعود اكتفى باعتذار شكلي لتنصل نفسه من المسؤولية، مع إلقاء اللائم والتهمة على قطاع طرق ولصوص غير رسميين.
وفي تلك المرحلة، كان الإمام يحيى أمام خيارين: إما اللجوء إلى المواجهة العسكرية، أو سلك المسار السياسي، وللأسف، اختار الخيار السياسي والمفاوضات، وقام بتحكيم عبد العزيز آل سعود لعدم قدرته على الرد العسكري، ولا سيما أن اليمن كان يمر بحالة ضعف وفي طور إعادة التأسيس عقب خروج العثمانيين، ورغم عجز الإمام يحيى والظروف القائمة آنذاك، ظلت مرارة الجرح عميقة في وجدان اليمنيين، مما دفع بعض المواطنين العاديين من أبناء الشعب إلى التحرك الذاتي بغرض الأخذ بثأر الحجاج المظلومين والاقتصاص من عبد العزيز آل سعود.
وانطلق ثلاثة من أبطال اليمن، محاولين الاقتصاص للحجاج اليمنيين محاولين قتل المجرم عبد العزيز آل سعود، و هذه الحادثة التاريخية الشهيرة تثبت حالة الإصرار على الانتقام لدى الشعب اليمني؛ إذ أن عدم قدرة الدولة على التحرك لا يعني بحال من الأحوال نسيان اليمنيين لحقوقهم أو قبولهم بالقهر والظلم الواقع عليهم، فقد خيم على اليمن بأكمله حزن عميق وشعور عارم بالقهر، رافقته رغبة جارفة في الثأر لحجاج بيت الله الحرام الذين قُتلوا ظلماً وذُبحوا كما تُذبح الأنعام، في جريمة فظيعة لا مثيل لها في الوحشية.
وبناءً على ذلك، برز ثلاثة من أبطال اليمن ليكونوا معبرين عن ضمير الشعب الجريح بفاجعة قتل الحجاج؛ حيث تحركوا إما مشياً على الأقدام أو على دوابهم، متكبدين مشاق السفر إلى السعودية للثأر للضحايا من أتباع آل سعود، ويؤكد هذا التصرف حجم الشعور بالقهر والظلم، كما يدل على علو همة هؤلاء الرجال وما يتمتعون به من نخوة وغيرة ورجولة وإباء.
وتعرضت هذه الحادثة أيضاً لتعتيم شديد وتحريف، وعملت الأنظمة السابقة على تجريمها والانتقاص من شأنها خوفاً من غضب السعودية؛ ونتيجة لذلك، لم يحافظ عليها سوى الذاكرة الشعبية من خلال المقولة الشهيرة: “الحاضري والحاضر الله”، إلا أن الأمر اللافت والمهم هو ما كشفه الناشط السابق عن رواية تختلف كلياً عن الرواية التي روجت لها السعودية والقائلة بأن الثلاثة هاجموا الملك عبد العزيز أثناء طوافه حول الكعبة؛ حيث يؤكد الناشط أن العملية نُفذت داخل قصر الملك، مستفيدين من كون الشعب اليمني يتحركون آنذاك بأسلحتهم الشخصية، وخاصة “الجنابي”.
ولعل الرواية السعودية قد حُرّفت بالفعل، إذ اختار النظام السعودي قصة وقوع الهجوم حول الكعبة بغرض تجريم الفعل بدعوى عدم مراعاة حرمة المكان المقدس، وكذا لتصوير عبد العزيز آل سعود بمظهر الإمام الناسك الذي جرى استهدافه أثناء تأديته لأقدس الشعائر والعبادات.
ويعترف المتحدث السعودي في المقطع السابق بالمذبحة الرهيبة لكنه يزعم أنها وقعت بالخطأ وغير متعمدة؛ غير أن وقوع الخطأ قد يُقبل في مقتل شخص أو شخصين أو حتى عشرة، أما ذبح ونهب وسلب زهاء ثلاثة آلاف حاج تحت ذريعة الخطأ فهو أمر لا يستقيم ولا يُصدق، وكأن الضحايا أهداف غير بشرية، مع أنها جريمة وحشية وتاريخية لا تسقط بالتقادم، وما زالت دماء أولئك الحجاج ديناً على النظام السعودي.
ويتحدث المؤرخ السعودي أحمد البسام عن مجزرة تنومة وفق الرواية السعودية الرسمية، في حين يتناول الدكتور حمود الأهنومي الحادثة في كتابه “مجزرة الحجاج الكبرى”، متطرقاً إلى الأبطال الثلاثة الذين حاولوا تخليص الأمة من عبد العزيز آل سعود، مؤكداً أن تحركهم لم يكن بدفع من الحكومة اليمنية آنذاك، وإنما بدافع الأخذ بثأر أقاربهم من الحجاج وللحجاج بوجه عام.
وينقل الدكتور الأهنومي في كتابه وصية أحد أولئك الثلاثة، مشيراً إلى أن تاريخ هؤلاء الفدائيين والمذكرات المنسوبة لأحدهم يكشفان عن مستوى تفكيرهم ووعيهم الأممي والإسلامي، وإدراكهم لطبيعة العلاقة بين بن سعود وبريطانيا والسعي لإقامة دولة يهودية في فلسطين، مما يرجح أن دافعهم كان شعبياً وإسلامياً ينطلق من الدين والحمية الإسلامية والعربية.
وفيما يتعلق باعتراض البعض على الحادثة بدعوى وقوعها في الحرم المكي وفق الرواية السعودية المشكوك في صحتها، يعلق الدكتور حمود الأهنومي قائلاً: “إنه حتى مع وجود اعتراض على طريقة الاقتصاص عن طريق الغيلة وفي البيت الحرام، فإن هناك ألف اعتراض في المقابل على مجازر ابن سعود في الحجاز ونجد واليمن والعراق والشام، والتي نُفذ معظمها بأساليب غادرة ووحشية تجردت من الإنسانية”، مضيفاً أن تحرك هؤلاء الشباب كان بإرادة ودافع ذاتي وشعبي ناضج، بينما كان ابن سعود وجيشه ينفذون المجازر الوحشية والغادرة بصورة رسمية ومنظمة.
ومنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى في عهد محمد بن عبد الوهاب وأمير الدرعية آنذاك، ارتُكبت مجازر كثيرة ورهيبة طالت مناطق متعددة؛ إذ وصلت إلى كربلاء وهدم مسجد أو مقام الإمام الحسين ونهب ممتلكات العراقيين، بالإضافة إلى المجازر العديدة في نجد وعسير، وصولاً إلى زبيد وتهامة، حيث نُفذت مئات الجرائم منذ بداية التأسيس.
وفي تلك الحقبة أيضاً، ارتُكبت مجازر بحق الحجاج، كان منها المجزرة التي استهدفت حجاجاً يمنيين في منطقة بني تغلب التي كانت خاضعة لسيطرة أمير سعودي حينها، وبناءً على ذلك، لم تكن “تنومة” هي البداية ولا النهاية، وإنما أضحت المجزرة الشهيرة الكبرى التي أُهملت تاريخياً من قبل المؤرخين لظروف وأحداث كثيرة، ويمكن اعتبارها المجزرة الأكبر في هذا المسلسل.
