الاغتيالات تلاحق الجميع.. إلى أين يمضي الانفلات الأمني في المحافظات المحتلة؟

5

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

2 أغسطس 2026مـ – 19 صفر 1448هـ

يتسع نطاق الفوضى الأمنية في المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي عاماً بعد آخر، في ظل تراجع قدرة حكومة الخونة على فرض الاستقرار أو الحد من هذه الجرائم.

ويعيش السكان المدنيون في تلك المناطق حالة من القلق الدائم، بعد أن أصبحت أخبار سقوط الضحايا جزءاً من تفاصيل يومية لا تكاد تنقطع، فإطلاق النار في الشوارع، وسماع الانفجارات القوية بات حدثاً استثنائياً يثير الدهشة، وتحول تدريجياً إلى مشهد مألوف يرسخ الشعور بأن الأمن يبتعد أكثر فأكثر عن حياة الناس.

وفي أحدث حلقات هذا المشهد، جاء اغتيال قائد اللواء الرابع في قوات ما يسمى بـ “درع الوطن” التابعة والممولة من الاحتلال السعودي العميد أسامة الردفاني، في منطقة العبر بمحافظة حضرموت، بعد أسابيع قليلة من اغتيال الصحفي محمد عيضة في مدينة المكلا، ليعيد إلى الواجهة ملف الاغتيالات الذي ظل يطارد المحافظات المحتلة لسنوات.

وتتكرر جرائم الاغتيال والاختطاف والاشتباكات بين الفصائل المسلحة، وتتداخل حسابات النفوذ مع نشاط الجماعات الإجرامية، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تتشابك فيها المصالح والصراعات.

ولا تبدو حادثة الردفاني معزولة عن السياق العام، فطريقة التنفيذ، واختيار التوقيت، والقدرة على استهداف شخصية عسكرية بارزة على طريق دولي، جميعها تشير إلى أن منفذي العملية امتلكوا معلومات دقيقة عن تحركات الهدف وخط سيره، وهو ما يكشف عن مستوى خطير من الاختراق الأمني، ويثير تساؤلات بشأن فاعلية الإجراءات الأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية العسكرية والجغرافية.

وتزداد خطورة المشهد إذا ما وُضعت هذه العملية إلى جانب سلسلة من الحوادث التي شهدتها حضرموت خلال الأسابيع الماضية، بدءاً باغتيال الصحفي المرتزق محمد عيضة، مروراً بالهجوم الذي استهدف أفراداً من قوات ما يسمى”درع الوطن” في مديرية رماه، ووصولاً إلى استهداف شخصيات اجتماعية ودينية، فهذا التسلسل لا يوحي بوقائع منفصلة، بقدر ما يرسم ملامح موجة جديدة من الاغتيالات تضرب المحافظة في توقيت بالغ الحساسية.

ومع ذلك، لا تبدأ الأزمة من حضرموت ولا تنتهي عندها، فالاغتيالات والانفلات الأمني باتا سمة متكررة في معظم المحافظات الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي، من عدن إلى أبين ولحج وشبوة وتعز والمهرة، حيث تتكرر جرائم القتل والاختطاف والسطو المسلح والاشتباكات بين الفصائل، في ظل تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية وتباين ولاءاتها، وهو واقع أوجد بيئة مضطربة يصعب معها بناء منظومة أمنية موحدة قادرة على فرض الاستقرار أو ملاحقة الجناة بصورة فعالة.

ولا يهدد استمرار هذا الواقع القيادات العسكرية وحدها، بقدر ما يضع المجتمع بأكمله أمام مستقبل أكثر اضطراباً، إذ إن اتساع دائرة الاغتيالات يقوض أي فرصة لاستعادة الاستقرار، ويغذي حالة الخوف، ويفرض على السكان العيش في ظل معادلة قاسية يصبح فيها النجاة من العنف هاجساً يومياً، بينما تبقى الفوضى الأمنية العنوان الأبرز للمشهد في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي.

ولا تبدو هذه الصورة وليدة الأسابيع الأخيرة، وإنما تمثل امتداداً لسنوات من التدهور الأمني الذي تعيشه المحافظات الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي، حيث لم تنجُ مدينة رئيسية من دوامة الاغتيالات أو الاشتباكات أو جرائم القتل والاختطاف، في ظل مشهد أمني تتداخل فيه تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة، ومراكز النفوذ، الأمر الذي جعل فرض الأمن مهمة تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

وتقف عدن في مقدمة المدن التي دفعت ثمناً باهظاً لهذا الواقع، فمنذ سنوات، لم تتوقف المدينة عن تسجيل حوادث اغتيال استهدفت قيادات عسكرية وأمنية، وأئمة مساجد، وخطباء، وشخصيات اجتماعية، إضافة إلى صحفيين وناشطين، وبين حادثة وأخرى، يتكرر المشهد ذاته؛ مسلحون ينفذون عملياتهم بسرعة، ثم يختفون، فيما تبقى التحقيقات معلقة، وتزداد الأسئلة حول الجهات التي تقف وراء تلك الجرائم، وقدرة الأجهزة الأمنية على الوصول إلى الجناة.

ولا يختلف الحال كثيراً في أبين وشبوة، حيث تتكرر المواجهات بين الفصائل المسلحة، وتتصاعد أعمال الثأر والتصفيات، بينما تشهد الطرق الرابطة بين المحافظات حوادث تقطع ونهب واختطاف، الأمر الذي يضاعف معاناة المسافرين وسائقي الشاحنات والتجار، ويحول التنقل بين المدن إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، وفي كثير من الأحيان، يجد المواطن نفسه مضطراً إلى تغيير مسار سفره أو تأجيله، خشية الوقوع في كمين مسلح أو مواجهة اشتباكات مفاجئة.

أما في لحج والمهرة وأجزاء من تعز، فلا يبدو المشهد أقل تعقيداً، إذ تتكرر جرائم القتل على خلفيات مختلفة، وتتنامى أنشطة عصابات التهريب والجريمة المنظمة، مستفيدة من ضعف الرقابة واتساع المساحات الصحراوية والساحلية، فضلاً عن الانقسام بين القوى المسيطرة على الأرض، ومع كل حادثة جديدة، تتآكل ثقة السكان بقدرة المؤسسات الأمنية على استعادة زمام المبادرة، ويترسخ الاعتقاد بأن السلاح أصبح اللغة الأكثر حضوراً في إدارة الخلافات وحسم النزاعات.

وفي ظل هذا الواقع، فإن معاناة المواطنين تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فالتاجر يخشى نقل بضاعته بين المحافظات، والطالب يقلقه السفر إلى جامعته، والمريض ينتظر الوصول إلى مستشفى في مدينة أخرى، وجميعهم يواجهون المخاطر نفسها، ويعيشون تحت وطأة شعور دائم بأن الطريق قد يتحول في أي لحظة إلى مسرح لجريمة جديدة.

ولهذا، فإن حادثة اغتيال المرتزق أسامة الردفاني تعد مؤشراً جديداً على واقع أمني مأزوم، يفرض نفسه على مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي، فكل عملية من هذا النوع لا تنتهي عند حدود مسرح الجريمة، وإنما تترك آثاراً عميقة في وعي المجتمع، وتغذي الشعور بأن الفوضى ما زالت قادرة على فرض حضورها، وأن الطريق إلى الاستقرار لا يزال بعيد المنال.