مسيرات مليونية تجدد التفويض للقيادة وتؤكد: سنقابل التصعيد السعودي بتصعيد أكبر

7

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
31 يوليو 2026مـ – 17 صفر 1447هـ

حين هطلت الأمطار بغزارة فوق العاصمة صنعاء، ظن كثيرون أن الساحات ستفرغ، وأن الطرق ستمنع الجماهير من الوصول، وأن الغيث سيؤجل موعد الحشود غير أن ما حدث كان على النقيض تماماً. فتحت زخات الرحمة وخرج اليمنيون كما يتدفق السيل من سفوح الجبال، وتدفقت الجموع من كل شارع وحارة وقرية ومدينة، حتى غدا ميدان السبعين بحراً من البشر تتلاطم أمواجه بالأعلام والهتافات والتكبيرات. امتزج ماء السماء بإرادة الأرض، فصنعا معاً مشهداً يعجز الوصف عن احتوائه، ويرسم صورة شعب يرى في الموقف قضية، وفي الحضور واجباً، وفي الثبات طريقاً لا يعرف التراجع.

الشوارع امتلأت قبل الساحات، والطرقات ضاقت بأفواج القادمين، والوجوه التي غمرها المطر ازدادت إشراقاً كلما اشتد الهطول، وكأن كل قطرة كانت تضيف عزيمة جديدة، وكل سحابة تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يبارك صمود هذا الشعب الذي لم تنحنِ هامته أمام سنوات الحصار والحرب والعدوان.

المشهد تجاوز حدود التظاهر الجماهيري، وتحول إلى استفتاء شعبي واسع على مرحلة كاملة. ملايين اليمنيين خرجوا تحت شعار “الحصار بالحصار.. والتصعيد بالتصعيد” ليؤكدوا أن الإرادة الشعبية ما تزال حاضرة، وأن الميدان ما يزال مصدر القوة الأولى، وأن الشعب يقف خلف خيارات قيادته، مستعداً لتحمل التضحيات مهما بلغت كلفتها، مؤمناً بأن الحقوق تنتزع بالقوة والثبات ووحدة الصف.

كان المطر يشتد، وكانت الهتافات ترتفع معه. ارتج ميدان السبعين بزئير الجماهير وهي تردد شعاراتها بثقة ويقين، حتى بدا الصوت وكأنه موجة واحدة تصعد إلى السماء ثم تعود لتملأ أرجاء العاصمة. آلاف الحناجر توحدت في نداء واحد، وملايين القلوب اجتمعت على كلمة واحدة، فأصبح الميدان صورة مكثفة لوطن كامل أعلن حضوره، وجدد عهده، وأكد استعداده لخوض كل المراحل القادمة.

تأييد مطلق لخيارات القيادة
هذه الحشود حملت رسائل تتجاوز حدود اليمن. حملت رسالة إلى كل من يراهن على إنهاك هذا الشعب بأن سنوات الحصار لم تزد اليمنيين إلا تماسكاً، وأن العدوان الطويل لم ينجح في تفكيك الجبهة الداخلية، وأن الرهان على تعب الناس أو انكسارهم سقط مرة بعد أخرى أمام شعب يصنع من المحن أسباباً جديدة للصمود، ويحول التحديات إلى فرص لتعزيز وحدته.

كما حملت رسالة واضحة إلى من يلوح بالتصعيد، مفادها أن لكل خطوة ثمنها، وأن الشعب حاضر خلف قيادته وقواته المسلحة، داعم لخياراتها، مؤيد لكل ما تراه مناسباً للدفاع عن اليمن وحقوقه وسيادته، فالقرار الذي خرجت الجماهير لتأييده أصبح موقفاً شعبياً واسعاً عبرت عنه الساحات الممتدة من صنعاء إلى مختلف المحافظات.

وبرز في هذه المسيرات مشهد يستحق التوقف أمامه طويلاً. رجال وشيوخ وشباب وأطفال، أسر كاملة جاءت رغم الأمطار الغزيرة، وقطعت المسافات الطويلة، وأصرت على الوصول إلى الساحات. لم يكن أحد يبحث عن مكان يحتمي فيه من المطر، فالميدان كان الوجهة، والهتاف كان المظلة، والإيمان بالقضية كان الدفء الحقيقي الذي جمع هذه الملايين تحت سماء واحدة.

تعبئة عامة وجهوزية عالية
الهتافات التي صدحت بها الحشود عكست مستوى عالياً من التعبئة الشعبية، ورسخت معادلة أعلنها المشاركون بوضوح: “الحصار بالحصار.. والتصعيد بالتصعيد” كلمات خرجت من أفواه الملايين، واكتسبت قوتها من حجم الجماهير التي رددتها، ومن المشهد الذي أحاط بها، ومن الإرادة التي عبرت عنها، لتتحول إلى عنوان للمرحلة القادمة.

كانت الهتافات إعلاناً عن حالة جماعية، إذ ارتفعت الأصوات بقوة على الرغم من هدير المطر، لترسم صورة شعب يرى أن صوته ينبغي أن يصل إلى أبعد مدى، وفي كل هتاف كانت هناك رسالة، وفي كل شعار كانت هناك رؤية، وفي كل موجة بشرية كانت تتجسد إرادة تريد أن تقول: إن اليمن، رغم ما مر به، لا يزال يمتلك القدرة على الحشد والتعبئة، وإن الميدان لا يزال يمثل إحدى أدوات التعبير الأكثر حضوراً في الحياة السياسية والشعبية.

وإذا كان البعض يقيس قوة الدول بما تمتلكه من المال أو السلاح أو التحالفات، فإن مشاهد اليوم أعادت التذكير بأن هناك عنصراً آخر لا يقل أهمية، وهو حجم الالتفاف الشعبي حول المواقف التي تتبناها المجتمعات. فالحشود المليونية، بالنسبة لمن شارك فيها هي تعبير عن حالة تعبئة معنوية ونفسية تمثل أحد مصادر القوة في مواجهة التحديات.

تفويضٌ مطلق واستعدادٌ بلا حدود
وجاء بيان المسيرة المليونية، الذي ألقاه عضو اللجنة العليا لنصرة فلسطين ضيف الله الشامي، معبّراً عن الروح التي ملأت الساحات، وعن الإرادة التي احتشدت تحت غيث السماء، مؤكداً أن هذا الخروج الجماهيري هو موقف إيماني وجهاد في سبيل الله وابتغاء لمرضاته، وتجديد للعهد والتفويض المطلق لقائد المسيرة القرآنية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في اتخاذ كل الخيارات والقرارات التي تكفل رفع الحصار والظلم عن اليمن، واستعادة ثرواته وسيادته وحريته واستقلاله وحقوقه كاملة غير منقوصة.

وأوضح البيان أن الجماهير، وهي تملأ الساحات بالملايين، إنما خرجت أيضاً لتبارك العمليات التي تنفذها القوات المسلحة ضد السعودية، ولتعلن وقوفها الكامل خلفها، وتأييدها المطلق لاستمرار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” حتى يتحقق رفع الحصار وينال الشعب اليمني حقوقه المشروعة.

وفي نبرة امتزج فيها الإيمان بالعزم، أعلن البيان أن الشعب اليمني يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من الجهوزية الشاملة، وأنه ماضٍ بكل عزيمة نحو النفير والتحرك لإسناد القوات المسلحة، وتعزيز قدراتها، وكسر شوكة الطغاة والمعتدين، مؤكداً أن الجماهير على استعداد لبذل كل ما تقتضيه هذه المرحلة من تضحيات جهاداً في سبيل الله ودفاعاً عن الوطن وكرامته وسيادته.

وامتدت رسائل البيان إلى خارج الحدود اليمنية، حيث أدان العدوان الأمريكي السعودي على العراق، وعدّه حلقة جديدة في سلسلة الاستهداف التي تطال شعوب الأمة وقوى المقاومة فيها، مؤكداً أن وحدة الساحات هي خيار راسخ يجمع ميادين المواجهة من فلسطين إلى لبنان والعراق وإيران، ويوحد الأحرار في معركة واحدة دفاعاً عن المقدسات ورفضاً لمشاريع الهيمنة والطغيان.

وأشاد البيان بالقرارات التي اتخذتها القيادة وبالإجراءات التي أعلنتها القوات المسلحة بفرض الحصار البحري على السعودية، مؤكداً أنها خطوة تاريخية وشجاعة جاءت رداً بالمثل على سنوات الحصار التي أثقلت كاهل اليمنيين، ورسالة واضحة بأن زمن الصبر قد انتهى، وأن الحقوق لن تبقى رهينة المماطلة. وأعرب عن ثقته بأن هذه المعادلة الجديدة ستفرض نفسها على العدو، وتدفعه إلى الاستجابة للمطالب العادلة، محذراً من أن أي تصعيد لن يقابل إلا بتصعيد أشد وأوسع.

وأكد البيان أن الشعب اليمني يدخل هذه المعركة وهو مدرك لحجم التضحيات التي قد تفرضها، لكنه أكثر يقيناً بأن ثمن المواجهة مهما بلغ يظل أهون بكثير من ثمن الخضوع والاستسلام، وأن سياسة التجويع والحصار لن تنجح في كسر إرادة اليمنيين أو إخضاعهم، بل ستزيدهم تمسكاً بحقوقهم وإصراراً على انتزاعها مهما بلغت التحديات.

وعبّر البيان عن ثقته المطلقة بعدالة هذه المعركة، فهي معركة حق وجهاد في سبيل الله، في مواجهة مشروع يستهدف اليمن والأمة بأسرها، مؤكداً أن هذا الشعب، الذي صمد في وجه سنوات طويلة من العدوان والحصار، لن يتراجع عن خياراته ولن يفرط في سيادته واستقلاله وكرامته.

وفي سياق الإشادة بالإنجازات الميدانية، بارك البيان الردود التي نفذتها القوات المسلحة على تصعيد السعودية واستهدافها لمحافظة الحديدة والمنشآت الحيوية فيها، معتبراً أن تلك الردود حملت رسائل عملية تؤكد أن أي مرحلة تصعيد مقبلة ستكون مختلفة في طبيعتها وتأثيرها.

كما أشاد بالعمليات العسكرية التي استهدفت السفن المخالفة لقرار حظر الملاحة البحرية على السعودية، معتبراً أن ما وصل إليه اليمن من قدرات عسكرية ومعنوية يمثل ثمرة لمسيرة طويلة من الصمود والبناء، ونتاجاً للمشروع القرآني والجهاد في سبيل الله، ولتماسك الشعب والتفافه حول قيادته وخياراته.

وجدد البيان إدانته للعدوان الذي استهدف العراق، معزياً الشعب العراقي وأسر الشهداء، ومؤكداً أن وحدة الدم والمصير تجعل من الاعتداء على أي ساحة من ساحات المقاومة اعتداءً على الأمة بأسرها، وأن المشروع الذي يستهدف المنطقة لا يفرق بين شعب وآخر، بل يطمع في مقدساتها وثرواتها ومستقبلها، الأمر الذي يجعل المواجهة مسؤولية مشتركة لا تحتمل التردد أو التراجع.

كما وجه البيان نداءً إلى شعوب الأمة العربية والإسلامية، داعياً إلى تحرك واسع في مواجهة المخططات الصهيونية، ومحذراً من خطورة الانخراط في المشاريع التي تستهدف الأمة ومقدساتها، ومؤكداً أن الصمت أمام هذه التحديات لن يقي أحداً من آثارها، وأن الأطماع ستطال الجميع دون استثناء.

وفي ذكرى استشهاد القائد الفلسطيني إسماعيل هنية، جدد البيان التأكيد على ثبات الموقف اليمني تجاه القضية الفلسطينية، والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقاومته، وإسناد كل ساحات محور المقاومة في لبنان والعراق وإيران، معلناً الجهوزية الكاملة لمواكبة أي تطورات أو تصعيد قد تشهده مختلف جبهات المواجهة.

واختتم البيان بالتأكيد على التمسك بمعادلة “وحدة ساحات الإسلام والجهاد”، ورفض أي محاولة لعزل الساحات أو استفراد أي جبهة بالمواجهة، مجدداً الثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى، والتوكل عليه، واليقين بأن النصر وعدٌ إلهي للصابرين والثابتين.

إرادة لا تلين
وفي الوقت الذي يتجه فيه العدو نحو التصعيد، كانت الجماهير تؤكد أن اليمن يمتلك رصيداً لا يمكن لأي حصار أن يصادره، ولا لأي قوة أن تنتزعه، وهو رصيد الإنسان المؤمن بقضيته، الواثق بعدالة موقفه، المستعد لتحمل التضحيات دفاعاً عن دينه ووطنه وكرامته وسيادته فالقوة الحقيقية تبدأ من الإنسان، ومن التفاف الشعب حول قضيته، ومن استعداده للبذل مهما اشتدت الظروف.

هكذا كتب اليمنيون صفحة جديدة في سجل صمودهم. صفحة عنوانها الإرادة، وسطورها الملايين، ومدادها قطرات المطر، وخاتمتها شعب يقف شامخاً، يملأ الساحات، ويعلن أن زمن الإملاءات انتهى، وأن صوت الجماهير سيبقى حاضراً في رسم ملامح المرحلة القادمة، تماماً كما بقيت صنعاء والمحافظات اليوم أوسع من الساحات، وأرسخ من كل رهانات الانكسار.