حيثيات ومآلات العدوان المشترك على العراق.. أمريكا تجر السعودية إلى مواجهة محور الجهاد والمقاومة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
29 يوليو 2026مـ – 15 صفر 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
انتقل النظام السعودي في مسار خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني من الدعم السياسي والإعلامي والمالي إلى مرحلة المشاركة العسكرية المباشرة في استهداف قوى ومحور الجهاد والمقاومة؛ حيث يكشف العدوان الأمريكي السعودي المشترك على العراق أن الرياض تتحرك كأداة تنفيذية ضمن الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى تطويق قوى المقاومة ومحاولة كسر معادلات الردع التي فرضتها منذ انطلاقة “طوفان الأقصى”.
ويأتي هذا الانخراط الخطير في لحظة بالغة الحساسية، حيث تواجه السعودية واحدة من أعقد أزماتها الأمنية والاقتصادية بعد المعادلات التي أطلقتها القوات المسلحة اليمنية منذ الثلث الأخير من الشهر الجاري، والتي على ضوئها تم استهداف منشآت النفط وخطوط الإمداد وحظر الملاحة السعودية في البحر الأحمر، وما ترتب على ذلك من اضطراب في صادرات النفط وارتفاع كلفة التأمين والنقل، فيما اتجهت الرياض – بدلاً من مراجعة سياساتها – نحو مزيد من المغامرات العسكرية خدمةً للأجندة الأمريكية والصهيونية، في محاولة يائسة لتعويض عجزها الميداني وإعادة رسم صورة القوة التي تهاوت أمام الضربات اليمنية.
كما أن توقيت هذا الانخراط لا يمكن فصله عن سياسة الترغيب التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه النظام السعودي، عبر التلويح بما يسمى “الشراكة النووية” وبناء برنامج نووي سعودي، وهي وعود تبدو أقرب إلى أدوات استدراج سياسي تُستخدم لدفع الرياض نحو تحمل أدوار أمنية وعسكرية أكبر في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني، تماماً كما استُخدمت صفقات السلاح والضمانات الأمنية خلال السنوات الماضية لاستنزاف المملكة مالياً وسياسياً دون أية جدوى.
وفي ضوء ذلك، تبدو الوعود الأمريكية المتعلقة بالشراكة النووية أو الضمانات الأمنية أقرب إلى أدوات لاستدراج السعودية نحو تحمل كلفة أكبر في المواجهة، وليس إلى مشاريع حقيقية لبناء شراكة متوازنة. فواشنطن، كما فعلت مراراً مع حلفائها، توظف الإغراءات الاقتصادية والعسكرية لدفعهم إلى تنفيذ أجنداتها، بينما تظل هي المستفيد الأكبر من استمرار الصراعات واستنزاف حلفائها مالياً وسياسياً وأمنياً.
ومن زاوية أخرى، فإن العدوان الأمريكي السعودي على العراق يؤكد حقيقة أن واشنطن، بعد تعثرها في استعادة الردع أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعجزها عن كسر محور المقاومة، باتت تسعى إلى توزيع أعباء المواجهة على أدواتها الإقليمية، وفي مقدمتهم النظام السعودي، الذي وجد نفسه منخرطاً بصورة مباشرة في استهداف المقاومة العراقية، في امتداد واضح للمسار الأمريكي الهادف إلى تفكيك محور الجهاد والمقاومة واستنزاف مكوناته على أكثر من جبهة.
وفي هذا السياق، يكتسب السلوك السعودي تجاه المقاومة العراقية دلالة إضافية؛ حيث يُفسَّر بوضوح حيثيات الحملة التي شنتها الرياض خلال الأيام الماضية باتهام المقاومة العراقية بالوقوف خلف الضربات اليمنية التي استهدفت منشآت النفط السعودية.
تلك الاتهامات تجاوزت مجرد كونها محاولة إعلامية للتغطية على العجز العسكري السعودي والهروب من مواجهة الردع اليمني، لتتضح أنها جاءت تمهيداً لتبرير استهداف المقاومة العراقية وإيجاد غطاء للرواية الأمريكية التي تسعى إلى تصوير كل عمليات محور الجهاد والمقاومة بأنها امتداد مباشر لإيران، وهي سردية باتت مكشوفة لدى كل المراقبين والمتابعين.
وبذلك، فإن العدوان على العراق يكشف الخلفية الحقيقية لتلك الاتهامات، ويؤكد أن السعودية كانت تعمل على صناعة مبرر سياسي يسمح لها بالانخراط في استهداف المقاومة العراقية ضمن المخطط الأمريكي الجديد الهادف إلى توظيف الأدوات في الاصطدام المباشر مع محور الجهاد والمقاومة.
وفي السياق ذاته، ذكر البيان الأمريكي بشأن العدوان على العراق أن ما تسمى “القيادة المركزية” والقوات السعودية شنت الغارات على العراق رداً على هجمات الحرس الثوري، ما يؤكد أن واشنطن تسعى لإغراق النظام السعودي في المستنقع وجره إلى حرب إقليمية ضمن الصراع الدائر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة.
وفي المقابل، فإن هذا التورط يؤكد أن النظام السعودي، كلما واجه أزمة داخلية أو تعرض لضغط استراتيجي، يندفع نحو مغامرات جديدة بدلاً من معالجة أسباب أزماته؛ فبعد أن وجد نفسه أمام معادلة الردع اليمنية التي أصابت قطاع النفط في الصميم، اتجه إلى توسيع دائرة المواجهة عبر العراق، في خطوة تؤكد عدم استفادة النظام السعودي من الدروس السابقة، وإصراره على خدمة العدو الأمريكي كوسيلة للحماية، رغم ما تعلنه الولايات المتحدة على لسان رئيسها من مواقف ابتزاز وضغط وإهانة تجاه سلمان ونجله عند اشتداد الأزمات على الرياض، وعقب كل خدمة يقدمها هذا النظام التائه لصالح المخطط الصهيوأمريكي.
كما تتسق هذه الخطوة مع سلسلة من المواقف السعودية التي وضعتها خلال السنوات الأخيرة في موقع متقدم ضمن المشروع الصهيوأمريكي، بدءاً من تجريم المقاومة الفلسطينية وسجن منتسبيها، وممارسة الضغوط السياسية والإعلامية على المقاومة في لبنان والتحريض والتمويل لإنهائها، والمطالبة المتكررة بنزع سلاحها، مروراً بالمواقف العدائية من فصائل المقاومة العراقية، وصولاً إلى استمرار العدوان والحصار على اليمن، والانخراط في كل المسارات التي تستهدف إضعاف محور المقاومة خدمةً للمصالح الأمريكية والصهيونية.
وبهذه المعطيات، فإن العدوان الأمريكي السعودي على العراق يأتي باعتباره حلقة جديدة في مسار متكامل يهدف إلى توسيع دائرة الحرب على محور الجهاد والمقاومة، وفي الوقت نفسه يكشف حجم الارتهان السعودي للإرادة الأمريكية، حتى وإن كان الثمن مزيداً من الأزمات والخسائر التي تتراكم يوماً بعد آخر داخل المملكة نفسها.
