صحف عالمية وخبراء: السعودية تعجز في إطفاء الحرائق والحد من الخسائر وخياراتها العسكرية غير مجدية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يوليو 2026مـ – 14 صفر 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
يجد الاقتصاد السعودي نفسه اليوم رهينة لمعادلة استراتيجية دقيقة ومبتكرة ترسم ملامحها صنعاء برعاية شعبية وتنفيذ قواتها المسلحة تحت شعار واثق وثابت يقوم على أساس “الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”، بعد أن استنفدت صنعاء خياراتها الدبلوماسية على طاولة سنوات من المفاوضات.
فبعد التحذير -في الثاني من صفر- وجمعة النفير التي تلته استلمت القوات المسلحة الملف لتبدأ بالمنازلة بدءاً من قرار الحظر على الملاحة السعودية والذي لا يزال سارياً بفعالية عالية تحت بند “الحصار بالحصار”، ومروراً بالاشتباك والرد على الخروقات تحت عنوان “التصعيد بالتصعيد”، لتتحول المنشآت الحيوية وعصب الصناعة النفطية في المملكة -في غمرة هذه المواجهة- إلى مسرح مكشوف لتداعيات مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الأبعاد التقنية والاستخباراتية والعسكرية، كاشفةً عن ضعف البنية التحتية أمام ضربات نوعية تدار بنسق متطور يغير قواعد الاشتباك الإقليمي برمتها. والأهم إثبات القدرات اليمنية من جديد لفاعليتها وكفاءتها من التصنيع والتوجيه ودقة الإصابة والقوة التدميرية الهائلة.
في هذا السياق المتأزم، تتقاطع التقارير الدولية والبيانات الميدانية لتعيد رسم واقع جديد يَفرض على صانع القرار في الرياض مراجعةَ حساباته العميقة وسط خسائر مهولة تتكبدها البوابة الاقتصادية الأبرز في العالم.
النيران التي لامست معقل الزيت
انتهت تقريباً اليوم قدرةُ السعودية على فرض حالة التكتُّم على خسائرها الاقتصادية الناجمة عن الضربات اليمنية، فقد أكدت وكالة رويترز أن شركة أرامكو السعودية اضطرت إلى إغلاق مصفاة جيزان النفطية الكبرى، التي تبلغ طاقاتها الإنتاجية أربعمائة ألف برميل يومياً، إثر العملية اليمنية السبت الماضي، وقد جاء الإعلان مدعوماً بمذكرة رسمية صادرة عن شركة الاستشارات العالمية البارزة (آي.آي.آر)، والتي كشفت عن أبعاد كارثية للضربة تمثلت في إلحاق أضرار بالغة بمجمع دورة التغويز المركبة المتكاملة ومنطقة خزانات النفط الحيوية.
ويعد المشروع العملاق -المعروف بـ (IGCC Jazan)، والذي يُصنف كواحد من أضخم الإنجازات الصناعية في القرن الحادي والعشرين- درةَ تاج استراتيجية التحول الاقتصادي السعودي بحجم استثماراته المليارية التي تحول المخلفات الثقيلة إلى طاقة كهربائية مستدامة وغازات صناعية ذات قيمة عالية. وقد جد نفسه -فجأةً- أمام النيران اليمنية مكشوفاً بلا حماية أو طبقات دفاعية بعد أن فشلت جميعها في التصدي، كما أن لموقعه الجغرافي الاستراتيجي في جنوب غرب المملكة على مقربة لصيقة من الحدود اليمنية وسواحل البحر الأحمر، دوراً أسهم في تسديد الرمية وتجاوز الدفاعات المتعددة.
ولم تقتصر تداعيات المشهد على الأضرار الهندسية وحدها، بل امتدت لتفضح عجز آلة التعتيم الإعلامي الرسمية عن إخفاء حقائق ميدانية مدوية؛ فقد وثقت مشاهد جديدة ومقاطع التقطتها أقمار وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” والأقمار الأوروبية “سنتينل-2” أعمدة الدخان الكثيفة وهي تتلامس مع السحاب لليوم الرابع على التوالي، متجاوزة كل محاولات الطمس، ومؤكدة فشل أحدث منظومات الدفاع الجوي الغربية والأوروبية في التصدي للصواريخ الموجهة.
في جيزان وما جاورها عاش السكان لحظات مرعبة وهم يشاهدون ألسنة اللهب وتصاعُدَ الأدخنة، مدركين أن ما جرى جولة أولى يمكن اعتبارها إنذاراً حقيقياً للنظام السعودي، بأن أرامكو يمكن أن تتحول إلى حقل ألغام واسع يعيد تشكيل جغرافية المملكة بخطوط نار عرضية وأدخنة عمودية.
ولم يتوقف النزيف عند الساحل الجنوبي الغربي، فقد امتدت شظايا الصدمة لتطال العمق الشرقي؛ حيث أكدت وكالة بلومبرغ أن صور الأقمار الاصطناعية أظهرت عمليات حرق كثيفة للغاز في المشاعل وصمامات الأمان التابعة لمعمل معالجة النفط في بقيق، فضلاً عن رصد نسبة رطوبة مرتفعة وغير مألوفة عند إحدى الخزانات الكروية العملاقة المستخدمة في فصل الغاز عن النفط داخل حقل الغوار ومعمل الحوية، وهو ما أبقى أسواق النفط العالمية ومتعامليها في حالة ترقب وقلق بالغين، مذكراً الأوساط المالية بأحداث بقيق وخريص عام ألفين وتسعة عشر، ولكن مع فارق شاسع هذه المرة يكمن في تطور الخبرة والقدرات الهجومية اليمنية.
فخ الاختناق البحري وانهيار صادرات ينبع
على الجبهة البحرية والاقتصادية، كشفت تقارير ملاحية دولية عن تراجع حاد يكاد يصل إلى حد الشلل الكامل في حركة ناقلات النفط السعودية عبر البحر الأحمر وباب المندب، في انعكاس مباشر وفوري للحظر البحري الفاعل الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية للضغط من أجل كسر الحصار الظالم المفروض على الشعب اليمني منذ عام 2015، وأوضحت البيانات المستمدة من مواقع تتبع حركة الملاحة أن حركة الناقلات عبر باب المندب تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، بينما تستعد ناقلات عملاقة فارغة لسلوك طريق رأس الرجاء الصالح الطويل، الأمر الذي يضيف أسابيع كاملة على الرحلات ويفاقم كلفة النقل والإمداد. وفي السياق ذاته ، أكدت مجلة لويدز ليست الملاحية أن حركة ناقلات النفط السعودية تكاد تختفي كلياً من البحر الأحمر، مع عدم تسجيل أي عبور لناقلة خام سعودي منذ الثالث والعشرين من يوليو، وإقدام إحدى عشرة ناقلة على الأقل على إطفاء إشارات التتبع قبالة ميناء ينبع تزامناً مع تراجع حاد في خيارات التأمين البحري وتصاعد أقساط مخاطر الحرب بشكل جنوني.
وبلغة الأرقام الصادمة التي رصدتها شركة الاستخبارات البحرية “ويندوارد”، فقد انخفضت تحميلات ميناء ينبع بنحو أربعين بالمائة، متراجعة من نحو خمسة ملايين ومائة وستين ألف برميل يومياً إلى نحو ثلاثة ملايين وتسعة آلاف برميل يومياً، وهو ما أدى إلى فقدان نحو مليوني برميل يومياً من حركة الصادرات، واضطرار الرياض للبحث عن مسارات بديلة ومكلفة عبر خط “سوميد” المصري وطريق رأس الرجاء الصالح بتكلفة إضافية تناهز تسعة دولارات للبرميل، فضلاً عن تحول أكثر من أربعين ناقلة إلى ما يُعرف بـ “الأسطول المظلم”. من جهتها، أظهرت بيانات شركة “كبلر” -التي أوردتها صحيفة ذا هيل الأمريكية- عبور إحدى عشرة سفينة فقط في يوم الأحد، وهو الرقم الأدنى منذ أشهر بعد أن كان العدد يبلغ ثلاثين سفينة غداة إعلان الحظر اليمني، مع الإشارة إلى أن ثلثي النفط العابر خلال الشهرين الماضيين كان سعودي المنشأ حصراً.
وقد توافقت هذه المعطيات مع تقارير نشرتها صحيفة ذا ناشيونال التي أكدت عجز الرياض عن تمرير ناقلات النفط الضخمة عبر قناة السويس في ظل الحظر اليمني، مشيرة إلى أن محطة ينبع كانت تتعامل مع اثنين وتسعين بالمائة من صادرات النفط الخام السعودية المنقولة بحراً خلال شهر يونيو، ما يعني أن أي استهداف أو تعطيل لهذا المسار يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية بأكملها.
وفي تقرير لموقع “ذا ماريتايم إكزكيوتيف” المختص بشؤون الملاحة، تم تسليط الضوء على الثقة الكبيرة التي تتمتع بها القوات المسلحة اليمنية وقدراتها الاستخباراتية المتطورة التي تتيح لها الوصول إلى بيانات دقيقة وتحديد السفن المتوافقة مع معايير هجماتها، موضحاً أن القوات اليمنية تدير عمليات تنسيق معقدة باستخدام أنظمة ضربات متعددة في آن واحد ضد أهداف محددة بدقة مذهلة، وهو ما يعكس تحضيرات استخباراتية وعسكرية استمرت لفترة طويلة ومصممة بدقة لرفع الحصار وتجنب الانزلاق نحو تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً، رغم ما تثيره من مخاوف حقيقية بشأن اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار المتوقع لتتجاوز حاجز المائة وعشرين دولاراً للبرميل في الربع الأخير من العام.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، جاءت تصريحات صحيفة الغارديان البريطانية لتؤكد حقيقة ساطعة مفادها عدم وجود أي حل عسكري يمكنه وقف الحصار اليمني المفروض على الملاحة السعودية، داعية بوضوح إلى ضرورة التوجه نحو تسوية سياسية شاملة عبر الحوار الجاد. ويأتي هذا الطرح السياسي متسقاً تماماً مع ما كشفه عضو الوفد الوطني المفاوض عبدالملك العجري، الذي أكد -في تغريدة له- أن النظام السعودي انقلب على ما تم التوافق عليه مسبقاً في خارطة الطريق، وفي مقدمة ذلك رفع الحصار عن الموانئ والمطارات وصرف المرتبات، وهي بنود أساسية تم تأجيلها لاحقاً -رغم الاتفاق عليها- بعد مشاركة اليمن في معركة طوفان الأقصى. وأشار العجري إلى أن النظام السعودي تنكر لهذه الاستحقاقات العادلة ظناً منه أن اليمن سيخرج من الأحداث عاجزاً عن المطالبة بحقوقه المشروعة، ليأتي الرد الميداني عبر هذه الضربات الصاعقة التي أعادت رسم قواعد اللعبة، وفرضت واقعاً جديداً يثبت بوضوح أن الرهان على استمرار تجويع الشعب اليمني ومحاصرته لن يمر دون ثمن استراتيجي باهظ يطال عصب الاقتصاد الملكي وأمنه القومي في مقتل.
