بعد تحييد “MQ-9” وإسقاط “بيرقدار أكنجي” من أول جولة.. الدفاعات الجوية اليمنية تضيّق خيارات الأعداء

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

27 يوليو 2026مـ – 13 صفر 1448هـ

تقرير || نوح جلّاس

على غرار بقية وحدات القوات المسلحة، تواصل الدفاعات الجوية اليمنية فرض معادلات الردع في سماء اليمن، بعد أن أثبتت خلال فترة قياسية أنها قادرة على تقويض أكثر الوسائل الجوية تطوراً، وإفشال رهانات الأعداء على التفوق التقني والجوي.

ومع كل مرحلة من مراحل التصعيد التي تناوبت فيها قوى الاستكبار أدوارها العدوانية ضد بلادنا، تتكشف حقيقة أن الأجواء اليمنية لم تعد ساحة مفتوحة للطائرات المعادية كما كانت تراهن عليه قوى العدوان، ليتأكد للجميع أن سماء اليمن أصبحت بيئة قتالية شديدة الخطورة، تفرض على الأعداء مسارات لإعادة حساباتهم قبل الدفع بأي منصة جوية جديدة، سواء كانت أمريكية أو تركية أو صهيونية أو غيرها.

ويأتي إعلان القوات المسلحة اليمنية إسقاط طائرة الاستطلاع المسلحة “بيرقدار أكنجي” التركية الصنع، التابعة للعدو السعودي، ليؤكد أن منظومة الدفاع الجوي اليمنية تمتلك قدرة متنامية على مواجهة منصات جوية متعددة المنشأ والتقنيات، مما يؤكد تطوراً واضحاً في منظومات الرصد والتتبع والاشتباك.

وبالنظر في البيان المقتضب للقوات المسلحة، الذي أوضح فيه العميد يحيى سريع أنه تم إسقاط الطائرة التركية أثناء تنفيذها أعمالاً عدائية في أجواء محافظة الجوف بسلاح مناسب، فإن توصيف وسيلة الإسقاط بحد ذاته يعد رسالة تحمل في طياتها العديد من الدلالات، حيث إن عدم الإفصاح عن نوع الدفاعات المستخدمة يشير إلى امتلاك القوات المسلحة طرازات دفاعية متعددة، تثبت فعاليتها ونجاعتها في أول اختبار.

ويمثل هذا التطور محطة لافتة في مسار المواجهة الجوية، فـ”بيرقدار أكنجي” تُعد أحدث وأثقل الطائرات المسيرة التركية، وقد صُممت لتنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بعيد المدى، وتحمل ذخائر متنوعة، وهو ما يشير إلى أن الرياض حاولت الدفع بمنصة أكثر تطوراً لتعويض الفشل الذي مُنيت به الوسائل الجوية الأخرى، مثل طائرة “MQ-9” الأمريكية التي حوّلتها اليمن إلى مسخرة أمام العالم، وجعلت العدو الأمريكي يواجه أزمات متعددة أدناها إلغاء صفقات دولية بمليارات الدولارات لهذا النوع من الطائرات، فضلاً عن إسقاط سمعة الأسلحة التي تتباهى بها الولايات المتحدة.

وتكشف عملية الإسقاط أن هذا الرهان لم يحقق أهدافه، وأن إدخال طائرات تركية متطورة إلى ساحة المواجهة لن يغير من معادلة السيطرة الجوية التي فرضتها الدفاعات اليمنية، حيث انتهت المحاولة السعودية بخسارة المعركة منذ أولى مشاركاتها المعلنة.

وفي السياق، لا يمكن قراءة إسقاط “بيرقدار أكنجي” بمنأى عن السجل الطويل للدفاعات الجوية اليمنية في مواجهة الطائرات الأمريكية؛ فقد تمكنت القوات المسلحة خلال سنوات العدوان الماضية من إسقاط أكثر من 25 طائرة أمريكية من طرازMQ-9 Reaper في عمليات متكررة، وهو ما حرم الولايات المتحدة من إحدى أهم أدواتها في الاستطلاع والاستهداف، وأثبت أن الطائرة التي كانت توصف بأنها إحدى أكثر المسيرات تطوراً لم تعد قادرة على العمل في الأجواء اليمنية.

وأدى هذا الاستنزاف المتواصل إلى تقليص فعالية الطائرات الأمريكية في تنفيذ المهام الاستخبارية والهجومية، كما فرض على واشنطن إعادة تقييم أسلوب استخدامها لهذه المنظومات في مسرح العمليات اليمني.

وخلال التصعيد السعودي الأخير، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أيضاً نجاح دفاعاتها الجوية في طرد تشكيلات قتالية جوية سعودية وإجبارها على مغادرة الأجواء اليمنية، وهو تطور يؤكد أن مهمة الدفاعات تتجاوز إسقاط الطائرات المسيرة إلى القدرة على حرمان الطيران الحربي من حرية الحركة والاقتراب من أهدافه، فضلاً عن تمكنها من إحباط العمليات العدائية التي كان يخطط لها العدو السعودي.

ولو عدنا إلى الذاكرة القريبة قليلاً، فقد برز هذا التطور بصورة أوضح خلال المواجهات مع العدو الصهيوني، حين أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عمليات ملاحقة للطائرات المعادية، بما فيها مقاتلاتF-35 التي تُعد أحدث الطائرات الشبحية المقاتلة التي تتباهى بها الولايات المتحدة، في حين أقر العدو الصهيوني بأن طياريه لم يحصلوا إلا على فرصة ضيقة للانسحاب، وهو اعتراف يكشف حجم الضغط الذي واجهته هذا النوع المتطور من المقاتلات داخل المجال العملياتي اليمني.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الدفاعات الجوية اليمنية أصبحت تعمل وفق منظومة متكاملة تبدأ بالرصد المبكر، مروراً بالتتبع والملاحقة، وصولاً إلى الاشتباك وإجبار الطائرات المعادية على الانسحاب أو إسقاطها مهما كان تطورها.

ومن الناحية العسكرية، فإن انتقال السعودية إلى استخدام طائرة “بيرقدار أكنجي” يحمل دلالة واضحة على البحث عن بدائل بعد تراجع جدوى الوسائل السابقة، إلا أن إسقاطها السريع يبعث برسالة معاكسة تماماً، مفادها أن المشكلة الرئيسة التي يواجهها العدو ومُشغلُوه تتمثل في البيئة العملياتية التي أصبحت معادية لأي نشاط جوي يستهدف اليمن.

كما يؤكد ذلك تضييقاً متزايداً في خيارات العدو؛ فخسارة الطائرات الأمريكية المتطورة، ثم إخفاق المنصة التركية، إلى جانب صعوبة عمل الطيران الحربي، يعني أن مساحة المناورة الجوية أصبحت أضيق بكثير مما كانت عليه في المراحل السابقة.

وتؤكد هذه التطورات أن أي محاولة لإعادة فرض التفوق الجوي عبر إدخال منصات أحدث أو أكثر تطوراً ستواجه تحدياً متصاعداً، في ظل استمرار تطور قدرات الدفاع الجوي اليمني، وهو ما يجعل كلفة المغامرة الجوية المعادية ترتفع بصورة مستمرة، ويحد من قدرة الأعداء على استخدام الطيران باعتباره أداتهم الأبرز.

وإجمالاً لما حصدته العملية النوعية الأخيرة من دلالات، فإن إسقاط “بيرقدار أكنجي” يتجاوز كونه نجاحاً تكتيكياً في إسقاط طائرة استطلاع مسلحة تستخدم لأول مرة، لينقل الصورة للجميع إلى تحول أوسع في ميزان القوة الجوية، أصبحت فيه الدفاعات اليمنية رقماً صعباً في معادلة الردع، لترسخ في ذهنية الأعداء حقيقة أن سماء اليمن باتت تفرض قواعد اشتباك جديدة تجعل أي منصة جوية معادية عرضة للرصد والملاحقة والإسقاط مهما بلغ مستوى تطورها.