مصافي أرامكوا السعودية.. ومسارات تصعيد القوات المسلحة اليمنية وتداعياتها الاقتصادية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 يوليو 2026مـ – 12 صفر 1447هـ
تقريــر || منصور البكالي
تُعدّ مصافي النفط في السعودية العمود الفقري لقطاع طاقة العدو السعودي، وإحدى أكبر منظومات التكرير عالمياً من ناحية القدرة الإنتاجية والتنوع الجغرافي والتكامل الصناعي؛ حيث تملك أرامكو السعودية شبكة واسعة تضم 17 مصفاة محلية وعالمية، نجحت في رفع إجمالي طاقتها التكريرية خلال عام 2025 بأكثر من 1% لتصل إلى 7.8 مليون برميل في اليوم.
وتتوزع هذه المنظومة بين 9 مصافٍ محلية تستحوذ على 63% من صافي الطاقة التكريرية، لتشكل مع منظومة التوزيع المحلية الممر الوحيد لتغذية السوق المحلية الضخمة، بينما تتلقى هذه المصافي الواقعة داخل المملكة إمداداتها الخام مباشرة من قطاع التنقيب والإنتاج في الشركة.
أما على الصعيد الدولي، فتدير الشركة 7 مصافٍ خارجية موزعة على 3 قارات و6 دول، بحصة تبلغ 57% من الطاقة التكريرية الصافية في قارة آسيا، ونحو 40% في الولايات المتحدة، إضافة إلى مصفاة واحدة في بولندا بأوروبا.
وفي ظل هذه البنية الواسعة، تواصل أرامكو السعودية المضي قدماً نحو تحقيق مستهدفات رؤيتها لرفع طاقة تكرير النفط داخل المملكة لتتراوح ما بين 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2030، غير أن هذا المستقبل الاستراتيجي لقطاع الطاقة بات يواجه تحديات وجودية غير مسبوقة على وقع استمرار العدوان والحصار على الشعب اليمني وتبعاته الميدانية، خاصة بعد إعلان صنعاء إدخال أصول أرامكو في قائمة الاستهداف بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، لإنهاء العدوان والاحتلال والحصار المستمر منذ 12 عاماً.
ومع دخول المواجهة مرحلة الردع إثر إعلان صنعاء تفعيل معادلة “الحصار بالحصار” وبدء تطبيقها عملياً عبر استهداف منشآت أرامكو الحساسة في جيزان وينبع بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة رداً على غارات سعودية استهدفت ميناء الحديدة وجزيرة كمران ومطار صنعاء، تلوح في الأفق ملامح مستقبل غامض ومكشوف لمنظومة الطاقة السعودية، وتحول الشرايين الاقتصادية الكبرى لأرامكو إلى أهداف مباشرة في مرمى النيران، مما يضع استقرار خطوط الإنتاج والتصدير، وخطط النمو المستقبلية للمملكة حتى عام 2030، أمام اختبار قاسٍ قد يعيد رسم خريطة الطاقة والاستثمار في المنطقة بأسرها على وقع دوي الصواريخ وصرخات المرضى والعالقين على حد سواء.
مصفاة رأس تنورة
تُعدّ مصفاة رأس تنورة أقدم مصافي النفط في السعودية وأكبرها، بطاقة تكريرية تصل إلى 550 ألف برميل يومياً، وتأسست عام 1945 في المنطقة الشرقية، لتشكل قاعدة رئيسة لإمدادات الوقود في المملكة عبر إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات وسوائل الغاز الطبيعي، فضلاً عن كونها مركزاً حيوياً لتصدير المنتجات إلى الأسواق الآسيوية، ومدعومة بوحدات متطورة للتكسير الهيدروجيني والتحويل العميق ضمن برنامج مستمر لتحديث المرافق وتحسين الكفاءة التشغيلية، وهي هدف سابق للعمليات اليمنية، ويمكن تكرار الاستهداف حال استمرار التعنت السعودي.
وتُقدر المسافة الجوية بين العاصمة اليمنية صنعاء ومصفاة رأس تنورة الواقعة في الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية بمنطقة الدمام، على الخليج العربي، بنحو 1,300 إلى 1,400 كيلومتر تقريباً في خط مستقيم، بينما تتجاوز المسافة العملية عبر مسارات الطيران أو الطرق البرية 1,600 كيلومتر. ويمكن لليمن استخدام القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى في العمق السعودي مثل “رأس تنورة” من خلال طائرات “صماد-3” المسيرة، وهي طائرات انتحارية بعيدة المدى يُقدر مدى عملياتها ما بين 1,500 إلى 1,700 كيلومتر، وقد أثبتت قدرتها سابقاً في الوصول إلى منشآت أرامكو في رأس تنورة ومناطق الشرقية.
كما يمكن لليمن استخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى مثل طراز “ذو الفقار”، وهي صواريخ جرى الكشف عنها وتطوّر مدى استخدامها ليُغطي مسافات تتجاوز 2,000 كيلومتر، مما يجعل المنشآت الحيوية في أقصى شرق السعودية ضمن دائرة الاستهداف المباشر.
أما الصواريخ المجنحة مثل طراز “قدس” وفلسطين، فهي صواريخ قادرة على الطيران لمسافات بعيدة ومطاردة التضاريس، وتفادي رصد منظومات الدفاع الجوي، وقد أُدرجت ضمن العمليات المشتركة التي استهدفت البنية التحتية لشركة أرامكو، واستهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي أبان الإسناد اليمني لغزة في عمق فلسطين المحتلة، إضافة إلى مسيرات يفا والصواريخ الفرط صوتية والتشظية متعددة الرؤوس، وفلسطين 2، فماذا لو تم استهدافها؟
مصفاة ساتورب
تمثّل مصفاة ساتورب ثاني أكبر مصافي النفط في السعودية، كما أنها من أكثر المصافي تطورًا في العالم، بطاقة تكرير تبلغ 460 ألف برميل يوميًا من الخام العربي الثقيل.
والمصفاة -الواقعة في مدينة الجبيل الصناعية الثانية (الجبيل-2) على الساحل الشرقي للمملكة- مشروع مشترك بين أرامكو السعودية بحصّة قدرها 62.5%، وتوتال إنرجي بحصّة 37.5%، تأسست بموجبها شركة أرامكو توتال للتكرير والبتروكيماويات “ساتورب”.
كما تعدّ ساتورب -التي دُشِّنت عام 2014- أول مصفاة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحصل على شهادة (ISCC +) الدولية في يوليو/تموز 2022، تقديرًا لمبادراتها الدائرية مثل إعادة تدوير البلاستيك، وزيت الطهي المستعمل.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، اتخذت أرامكو وتوتال إنرجي قرار الاستثمار النهائي لبناء مجمع بتروكيماويات عالمي المستوى في المملكة باسم “أميرال” ودمجه مع مصفاة ساتورب، إذ من المقرر أن يبدأ التشغيل التجاري عام 2027.
وتُقدر المسافة الجوية بين العاصمة اليمنية صنعاء ومصفاة ساتورب (SATORP) الواقعة في مدينة الجبيل الصناعية بالمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية بنحو 1,350 إلى 1,450 كيلومتر تقريباً في خط مستقيم، مما يجعلها في عمق المدى الاستراتيجي للقدرات العسكرية البعيدة في اليمن، ويمتلك قدرات صاروخية ومسيرة مناسبة يمكنها من تجاوز آلاف الكيلومترات للوصول إلى أهداف حساسة في أقصى شرق المملكة.
مصفاة ياسرف
تحتل مصفاة “ياسرف” المرتبة الثالثة بين مصافي النفط في السعودية بطاقة تكريرية تبلغ 430 ألف برميل يومياً، وتُعد نموذجاً متقدماً للتعاون السعودي الصيني بعد تأسيسها كمشروع مشترك يجمع شركة أرامكو بحصة 62.5% وشركة سينوبك الصينية بحصة 37.5%.
وتتربع المصفاة على مساحة 5.2 مليون متر مربع في مدينة ينبع الصناعية على الساحل الغربي للمملكة، ودُشنت رسمياً في 20 يناير/كانون الثاني 2016 بحضور الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الصيني شي جين بينغ، معتمدة على تقنيات متطورة للتحويل العميق ووحدات التكسير والمعالجة الهيدروجينية لإنتاج وقود نقل نظيف يطابق المواصفات العالمية.
وتضخ المصفاة مجموعة واسعة من المنتجات عالية القيمة للأسواق المحلية والعالمية، تشمل 287 ألف برميل يومياً من الديزل، و105 آلاف برميل يومياً من الغازولين، إلى جانب آلاف الأطنان والبراميل من كوك النفط، والكبريت المُحبب، والبنزين الكيميائي، والبروبان، والبيوتان.
تكتسب هذه المنشأة الاستراتيجية أهمية جغرافية وعسكرية بالغة، إذ تُقدر المسافة الجوية بين العاصمة اليمنية صنعاء وموقعها في ينبع بنحو 800 إلى 900 كيلومتر في خط مستقيم، مما يجعلها قريبة نسبياً مقارنة بمصافي المنطقة الشرقية وتدخل ضمن المدى المتوسط والبعيد للقدرات العسكرية اليمنية.
مصفاة رابغ
تُعتبر مصفاة “بترورابغ” الواقعة على ساحل البحر الأحمر شمال مدينة جدة إحدى أهم مصافي النفط في السعودية بطاقة تقارب 400 ألف برميل يومياً، وهي جزء من مجمع تكرير وبتروكيماويات مشترك بين أرامكو السعودية وشركة سوميتومو اليابانية التي تراجعت حصة أرامكو فيها إلى 37.5% عام 2008.
وبدأت المصفاة تشغيلها عام 1989 بطاقة 325 ألف برميل يومياً، وشهدت عام 1998 عمليات تطوير رفعت طاقتها إلى 400 ألف برميل يومياً لتصبح آنذاك أكبر وحدة تكرير مفردة في العالم لطريقة تقطير النفط الخام، منتجة مجموعة واسعة من البنزين والأوليفينات والعطريات كركيزة لإستراتيجية التحول الصناعي.
وتكتسب المصفاة أهمية استراتيجية بالغة نظراً لوقوعها ضمن النطاق الجغرافي للساحل الغربي على بعد 950 إلى 1,050 كيلومتراً خط مستقيم عن العاصمة اليمنية صنعاء، مما يجعلها في متناول المدى العسكري للقدرات اليمنية.
وتستطيع القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر استهداف المنشآت الحيوية في رابغ عبر منظومات متطورة أبرزها طائرات “صماد-2″ و”صماد-3” بمدى يتراوح بين 1,500 إلى 1,700 كيلومتر، والصواريخ البالستية المطورة لأكثر من 1,000 كيلومتر، إضافة إلى الصواريخ المجنحة طراز “قدس” القادرة على تخطي التضاريس ومنظومات الرصد.
مصفاة سامرف
تأسست شركة مصفاة أرامكو موبيل المحدودة (سامرف) في مدينة ينبع الصناعية على ساحل البحر الأحمر عام 1981 كمشروع مشترك بين أرامكو السعودية وإكسون موبيل -ثمرة اتفاق سابق بين بترومين وموبيل أويل عام 1975- قبل أن تنتقل إدارتها بالكامل تحت اسم “سامرف” إثر دمج أصول بترومين في أرامكو عام 1993.
وبدأت المصفاة تشغيلها التجاري في نوفمبر 1984 بطاقة 263 ألف برميل يومياً من الخام العربي الخفيف، قبل أن ترتفع تدريجياً بفضل برامج التطوير المستمرة لتصل إلى 400 ألف برميل يومياً، لتشكل ركيزة أساسية في تصدير المنتجات النفطية نحو الأسواق العالمية وتعزيز تكامل الصناعات النفطية للمملكة.
وتكتسب هذه المصفاة موقعاً استراتيجياً حساساً على الساحل الغربي، إذ تُقدر المسافة الجوية بينها وبين العاصمة اليمنية صنعاء بنحو 800 إلى 900 كيلومتر في خط مستقيم، مما يجعلها ضمن المدى المتوسط والبعيد للقدرات العسكرية اليمنية.
وتملك القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر القدرة على استهداف منشآت سامرف عبر ترسانة متطورة تضم طائرات “صماد-2″ و”صماد-3” الانتحارية بمدى يتراوح بين 1,500 إلى 1,700 كيلومتر، والصواريخ البالستية المطورة القادرة على قطع مسافات تفوق 1,000 كيلومتر، إضافة إلى الصواريخ المجنحة طراز “قدس” المخصصة للمناورة وتخطي منظومات الرصد والدفاع الجوي، إضافة إلى الصواريخ الفرط صوتية.
مصفاة جازان
تُعتبر مصفاة جازان أحدث مصافي النفط في السعودية، بطاقة 400 ألف برميل يومياً، وصُممت لتكون جزءاً من مدينة جازان الاقتصادية، بهدف دعم التنمية في جنوب المملكة وتوفير منتجات طاقية عالية القيمة، وتشكل أحد أبرز المشروعات الصناعية في المملكة ونموذجاً فريداً لمفهوم التكامل بين التكرير والطاقة والاستدامة، وتنتج مجموعة متنوعة من المشتقات، تشمل البنزين والديزل منخفضَي الكبريت، والبارازيلين، فضلاً عن تزويد محطة الكهرباء المتكاملة باللقيم اللازم للتغويز. والمحطة هي الكبرى من نوعها عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 3.8 غيغاواط، ما يمكّنها من تلبية احتياجات المصفاة والصناعات المجاورة، وتغذية ملايين المنازل بالكهرباء.
وتعتمد المصفاة على منظومة ذكية لإدارة الطاقة والموارد، إذ تُحوّل المقطرات الثقيلة إلى غازات صناعية وهيدروجين نقي بنسبة 99.9%، يُستعمل لإنتاج وقود أكثر نظافة، وترتكز رؤيتها على مبادئ الاقتصاد الدائري، إذ تُعالج رماد السناج الناتج عن العمليات الصناعية لاستخلاص معادن نادرة مثل النيكل والفاناديوم، بكمية تصل إلى 7,200 طن سنوياً، تُستعمل في صناعات إستراتيجية.
وتُقدر المسافة الجوية بين مصفاة جازان الواقعة في مدينة جيزان الاقتصادية جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وأقرب نقطة حدودية في الأراضي اليمنية بنحو 60 إلى 80 كيلومتراً فقط، بينما تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة جوية تتراوح بين 350 إلى 400 كيلومتر، مما يجعلها في متناول المدى القريب والمتوسط للقدرات العسكرية اليمنية بشكل مباشر ومكشوف.
وبفعل القرب الجغرافي الشديد وموقعها الساحلي المباشر، تستطيع القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر التابع لصنعاء استهداف مصفاة جازان ومنشآتها الحيوية عبر منظومة واسعة ومتنوعة من الأسلحة الدقيقة، ومنها الطائرات المسيرة الانتحارية مثل طراز “قاصف” بمختلف فئاتها و”صماد”؛ نظراً لقصر المسافة، إذ تمتلك الطائرات المسيرة قدرة فائقة على الوصول السريع إلى المصفاة وتنفيذ هجمات دقيقة ومتكررة دون عناء المسافات الطويلة، إضافة إلى التمويه على الرادارات والدفاعات الجوية ومنظوماتها المختلفة.
بالإضافة إلى الصواريخ البالستية قصيرة ومتوسطة المدى، وصواريخ أرض-أرض تكتيكية ومطورة قادرة على تغطية قطاع جيزان بالكامل بدقة تدميرية عالية وزمن وصول قياسي، والصواريخ المجنحة، وكروز الجوالة القادرة على المناورة وتخطي أي عوائق جغرافية أو دفاعات جوية قريبة لضرب أهدافها داخل المجمع النفطي بدقة متناهية.
مصفاة الجبيل (ساسرف)
مصفاة الجبيل هي واحدة من أكبر مصافي النفط التابعة لشركة مصفاة أرامكو السعودية الجبيل “ساسرف”، تقع في مدينة الجبيل الصناعية على ساحل الخليج العربي في المنطقة الشرقية، وتبلغ طاقة تكريرها 305 آلاف برميل يومياً، وتنتج مشتقات منخفضة الكبريت وفق المعايير البيئية الأوروبية. بدأت أعمال إنشائها عام 1982، وفي عام 1984 اكتملت المصفاة وبدأت أولى وحداتها الإنتاج، وفي سبتمبر/أيلول 2019 استحوذت أرامكو السعودية على حصة شل كاملة في ساسرف، لتصبح المالك والمشغّل الوحيد.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وُقِّعت اتفاقية إطارية بين أرامكو السعودية و”رونغشنغ للبتروكيمياويات” الصينية لمشروع توسعتها، بإنشاء وحدتين لتكسير البخار ودمج مشتقات التكرير والكيمياويات المرتبطة بها في مجمع ساسرف الحالي، ما يعزز قدرته على تلبية الطلب المتزايد على المنتجات البتروكيمياوية عالية الجودة.
وتُقدر المسافة الجوية بين مصفاة ساسرف (SASREF) الواقعة في مدينة الجبيل الصناعية على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية وأقرب نقطة حدودية في الأراضي اليمنية بنحو 1,150 إلى 1,250 كيلومتراً تقريباً، بينما تتراوح المسافة الجوية بينها وبين العاصمة اليمنية صنعاء بين 1,350 إلى 1,450 كيلومتراً في خط مستقيم، مما يضعها في عمق المدى الاستراتيجي البعيد.
ونظراً لوقوع المصفاة في أقصى شرق المملكة على الخليج العربي، فإن استهدافها يتطلب استخدام منظومات بعيدة المدى قادرة على قطع مسافات شاسعة، وهي متوفرة في ترسانة القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر التابع لصنعاء، وفي مقدمتها طائرات “صماد-3” المسيرة التي يبلغ مداها التشغيلي بين 1,500 إلى 1,700 كيلومتر، مما يتيح لها الوصول إلى منشآت المنطقة الشرقية الصناعية والجبيل بدقة، والصواريخ البالستية بعيدة المدى مثل طراز “ذو الفقار”، وهي صواريخ أرض-أرض مطورة استراتيجياً يصل مداها إلى أكثر من 1,600 كيلومتر، صُممت خصيصاً لتغطية الأهداف الحيوية البعيدة في العمق السعودي.
وكذلك الصواريخ المجنحة طراز “قدس” بفئاتها المختلفة، وصواريخ كروز والفرط صوتية ومتعددة الرؤوس القادرة على المناورة لتجاوز منظومات الرصد والدفاع الجوي والوصول إلى أهدافها في مجمعات الجبيل البتروكيماوية بدقة.
مصفاة ينبع
تمثل مصفاة ينبع إحدى أبرز مصافي النفط في السعودية، وبدأت عملياتها عام 1983 على ساحل البحر الأحمر بطاقة إنتاجية تبلغ 220 ألف برميل يومياً لتلبية احتياجات السوق المحلية، قبل أن ترتبط عام 2020 بشركة “ياسرف” لإنتاج البنزين والديزل النظيف.
وتعد نموذجاً متقدماً للثورة الصناعية الرابعة بعد إطلاق أرامكو خطة للتحول الرقمي فيها عام 2018 دمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتحليلات المتقدمة؛ ما أدى إلى رفع الطاقة الإنتاجية بنسبة 18%، وزيادة الأرباح بنحو 35%، فضلاً عن خفض انبعاثات الغازات بنسبة 14% واستخدام الروبوتات والطائرات المسيّرة للفحص وتحسين السلامة.
وتكللت هذه الإنجازات بإدراج المنتدى الاقتصادي العالمي للمصفاة نهاية عام 2023 ضمن شبكة “المنارات الصناعية العالمية” كرابع منشأة تابعة لأرامكو تنضم للشبكة، إلى جانب نيلها تقدير 6 نجوم من المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة والعديد من الجوائز العالمية.
وتكتسب المصفاة موقعاً استراتيجياً على الساحل الغربي تبعد عن أقرب نقطة حدودية يمنية نحو 800 إلى 900 كيلومتر، وعن العاصمة صنعاء نحو 900 إلى 1,000 كيلومتر، مما جعلها ضمن المدى الاستراتيجي لترسانة القوات المسلحة اليمنية من الطائرات المسيرة الانتحارية (مثل صماد-2 وصماد-3) والصواريخ البالستية والمجنحة (طراز قدس)، والتي استهدفت منشآت أرامكو في ينبع يوم السبت 25 يوليو 2026م، بعدد من الصواريخ البالستية والطيران المسير.
مصفاة الرياض
تأتي مصفاة الرياض، المملوكة بالكامل لأرامكو، في أخر قائمة مصافي النفط في السعودية من ناحية الطاقة التكريرية.
وبحسب بيانات قطاع التكرير السعودي لدى منصة الطاقة، تبلغ سعة تكرير مصفاة الرياض 126 ألف برميل يومياً، وتنتج الديزل، وبنزين السيارات بنوعيه 91 و95، والكيروسين، وغاز النفط المسال، والأسفلت.
وتُقدر المسافة الجوية بين مصفاة الرياض الواقعة في العاصمة السعودية الرياض، وبين أقرب نقطة حدودية في الأراضي اليمنية بنحو 850 إلى 950 كيلومتراً تقريباً في خط مستقيم، بينما تتراوح المسافة الجوية بينها وبين العاصمة اليمنية صنعاء بين 1,100 إلى 1,200 كيلومتر تقريباً، مما يجعلها واقعة ضمن المدى الاستراتيجي العميق للقدرات العسكرية اليمنية.
وتعتمد القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر التابع لصنعاء في الوصول إلى الأهداف الحيوية والاستراتيجية في العاصمة الرياض ومنشآتها النفطية على منظومات متطورة، مثل طائرات “صماد-3″، والصواريخ البالستية بعيدة المدى، وصواريخ أرض-أرض استراتيجية يصل مداها إلى أكثر من 1,600 كيلومتر صُممت خصيصاً لتغطية الأهداف الحساسة والبعيدة في العمق السعودي، والصواريخ المجنحة طراز “قدس” بفئاتها المختلفة، وصواريخ كروز، والانشطارية متعددة الرؤوس والفرط صوتية، وما تمتلكه من خصائص المناورة والسرعة الفائقة وإفشال منظومات الدفاعات الجوية والقوة التدميرية العالية.
تداعيات وانعكاسات تعطيل مصافي السعودية
شهدت سنوات العدوان السعودي الأمريكي على اليمن عمليات يمنية استهدفت منشآت نفطية حيوية تابعة لأرامكو مثل منشآت بقيق وخريص ومصافي رأس تنورة وينبع وجازان، وتركت هذه الضربات آثاراً فاعلة؛ وتسببت الضربات -مثل هجوم بقيق الشهير- في توقف مؤقت لنحو نصف إنتاج النفط السعودي واختفاء ملايين البراميل، مما أدى إلى قفزات حادة وفورية في أسعار النفط العالمية، ورفع تكاليف التأمين الوهمية، وتراجع ثقة المستثمرين والعملاء بالنظام السعودي وقدرته على الوفاء بالتزاماته الطاقية، واضطراب الأسواق المالية العالمية حيال أمن الإمدادات، وانعكس ذلك سلباً على تقييمات المخاطر المرتبطة بأدوات الدين وأسهم أرامكو في فترات التصعيد.
يعتبر سيناريو التعطيل الشامل والمتزامن لمختلف مصافي التكرير التسع في المملكة “السيناريو الأسوأ” لقطاع الطاقة العالمي، وستكون تداعياته خطيرة على المستويين الداخلي والإقليمي والدولي:
فعلى المستوى الداخلي، عندما تتوقف المصافي عن تزويد السوق المحلية بالبنزين والديزل وقود الطائرات والغاز المسال، سيؤدي هذا إلى شلل شبه تام في قطاعات النقل البري والجوي، وتوقف محطات توليد الكهرباء التي تعتمد على المشتقات، وتعطل سلاسل الإمداد الغذائي والدوائي داخل المدن، وأزمة طاقة خانقة والعودة إلى الاستيراد وارتفاع الأسعار في مختلف الاحتياجات، ويليها شلل القطاع الصناعي والبتروكيماوي؛ حيث تعتمد المدن الصناعية الكبرى مثل الجبيل وينبع على مُدخلات المصافي لتغذية صناعات البتروكيماويات الكبرى، وبالتالي فإن تعطيلها سيقود إلى إغلاق مجمعات بتروكيماوية وتكبيد الاقتصاد السعودي خسائر يومية، فضلاً عن تضرر الموازنة العامة واضطرار الدولة لتخصيص موارد مالية بشكل عاجل لإصلاح البنى التحتية المدمرة وسط انخفاض حاد في العوائد نتيجة توقف عمليات التصدير للمنتجات المكررة ذات القيمة المضافة.
أما على المستوى الخارجي، بما أن السعودية هي أحد أكبر مصدري المنتجات المكررة في العالم إلى أوروبا وآسيا، فإن تبخر ملايين البراميل المكررة من السوق سيحدث عجزاً لا تستطيع أي دولة أخرى تعويضه على المدى القصير، مما قد يدفع أسعار النفط الخام والمنتجات -خاصة الديزل والبنزين- إلى مستويات غير مسبوقة، ويخلق حالة من الركود الاقتصادي إثر الارتفاع في أسعار الطاقة وأزمة إمدادات للدول المستوردة التي ستتضرر بشدة، خاصة الدول التي تعتمد اعتماداً رئيسياً على واردات الوقود والمشتقات السعودية، مما يخلق أزمات طاقة ويجبرها على تفعيل مخزونها الاستراتيجي الطارئ.
وفي السياق توقعت وزارة المالية السعودية في سبتمبر/أيلول الماضي ، من العام 2025 م، عجزا في الميزانية بنسبة 2.3% من الناتج المحلي، في العام 2025 واستمرار العجز حتى العام 2027، وهذا التوقع، جاء بعد العمليات اليمنية التي استهدفت بقيق وخريص في العام 2019م، والتي خفظت الإنتاج السعودي إلى 50% ، وأعلنت وزارة المالية السعودية قبل أكثر من عام أن عجز الميزانية في الربع الثاني من 2025 بلغ 34.5 مليار ريال (9.2 مليارات دولار)، بتراجع 41.1% عن العجز في الربع الأول البالغ 58.7 مليار ريال (15.6 مليار دولار)، وهو ما أرجعته إلى “نمو الإيرادات النفطية في الربع الثاني”.
بدورها توقعت شركة “جدوى” للاستثمار -ومقرها الرياض- مطلع يوليو/تموز الماضي أن يتضاعف عجز الموازنة السعودية، بالتوازي مع المستجدات رفعت شركات التأمين البحري التأمين البحري على السفن الذاهبة للمملكة العربية السعودية، ومنع عدد من الدول شركاتها من التعامل مع الموانئ السعودية ، والتعاطي بإيجابية مع التحذيرات اليمنية.
وفي الصدد أكد الخبير الاقتصادي رشيد الحداد، أن العمليات العسكرية المشروعة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية في العمق السعودي واستهدافها لمواقع ومناطق نفطية حساسة في ينبع وجيزان أفرزت تداعيات واسعة، أبرزها اهتزاز ثقة العملاء الدوليين لشركة أرامكو وبمدى مصداقيتها في إيصال الحمولات واستقرار الوضع، إلى جانب انسحاب عدد كبير من طلبات الشراء على النفط من شرق آسيا والصين ودول أخرى.
وأوضح الحداد في حديثه اليوم، لقناة “المسيرة” أن استهداف ميناء ينبع الاستراتيجي -الذي يضم مصافي كبيرة ويُعد مصدراً مهماً بعد إغلاق موانئ التصدير على الخليج وتحويل الإمدادات عبر أنبوب شرق-غرب لتصدير 4.8 مليون برميل في أواخر يونيو بنسبة تساوي 4.8% من الاحتياجات العالمية- تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة وتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، مشيراً إلى أن هذه الآثار غير المباشرة تأتي موازية للآثار المباشرة المتمثلة في خسائر الميزانية العامة السعودية التي تعتمد بأكثر من 90% من إيراداتها على مبيعات النفط وإيرادات الموانئ، فضلاً عن تكاليف التأمين البحري التي ارتفعت بنسب متراكمة تصل إلى 3% من قيمة السفينة، مما دفع شركات الملاحة الدولية للتوقف في موانئ بعيدة عن مناطق الخطر في آسيا.
وأشار الحداد إلى أن محاولات نقل ناقلات النفط عبر مسارات بديلة مثل رأس الرجاء الصالح تتطلب ارتفاعاً في أجور النقل بأكثر من مليوني دولار للرحلة الواحدة بسبب ارتفاع أسعار وقود السفن، مؤكداً عدم وجود بدائل حقيقية تضاهي أمن المسار السابق عبر باب المندب الذي كانت تحميه القوات المسلحة اليمنية لسفن العالم، ومشدداً على أن الحل الأقل كلفة هو تنفيذ مطالب الشعب اليمني وتقديم التعويضات الكاملة عما تعرض له من عدوان وحصار، وأن القرار الحالي قد يدفع السعودية لدفع عشرات مليارات الدولارات كودائع تأمينية لاستعادة ثقة الملاحة الدولية في حال التوصل لاتفاق.
وأمام التعنت السعودي واستمرار الحصار على الشعب اليمني، فإن استهداف معقل الزيت ومخزنه في جيزان وينبع يمثل نقطة بداية السطر ونموذجاً قابلاً للتكرار على بقية المصافي النفطية التابعة لأرامكو، وكشف فشل الدفاعات الجوية والحماية الأمريكية وعجز النظام عن إخماد الحرائق أو طمس الفضائح التي وثقتها أقمار ناسا وأدلة الفضاء، لترسل صنعاء رسائل واضحة بأن ما جرى في جيزان وينبع يمكن تكراره على امتداد الأراضي التي تمتد فيها أرامكو لتصبح حقل ألغام يعيد تشكيل المملكة بخطوط نار عرضية وأدخنة عمودية ما لم ينزل السعودي من شجرته ويتوقف عن احتلال وحصار الشعب اليمني والتدخل في شؤونه الداخلية.
