معادلة الردع اليمنية تدخل مرحلة الحسم وتفرض على النظام السعودي كلفة الحصار

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
24 يوليو 2026مـ – 10 صفر 1448هـ

تحوّل الحصار الذي يفرضه النظام السعودي على الشعب اليمني إلى معركة مفتوحة تستهدف حياة ملايين اليمنيين، بعد سنوات طويلة من إغلاق المطارات والموانئ، وتعطيل الملفات الإنسانية، ومنع وصول الاحتياجات الأساسية، في ظل صمت دولي وأممي منح الرياض مساحة واسعة لمواصلة سياساتها العدوانية دون مساءلة.

مع استمرار المراوغة السعودية والتنصل من استحقاقات السلام، دخل اليمن مرحلة جديدة تفرض الكلفة على العدو السعودي، بعدما انتقلت القوات المسلحة اليمنية من موقع الصبر الاستراتيجي إلى تفعيل أدوات الردع التي تجعل استمرار الحصار مكلفاً على من يفرضه، وتضع المصالح الحيوية السعودية أمام معادلة غير مسبوقة.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن معادلة “الحصار بالحصار” أصبحت واقعاً ميدانياً فرض نفسه على خطوط الملاحة والموانئ والمنشآت الاقتصادية السعودية، سيما بعد ضرب الناقلتين السعوديتين “إنسيليا” و”ليلا” وإحراقهما، في رسالة تؤكد أن الشعب اليمني لن يقبل باستمرار معاناته، وأن أي إصرار على العدوان سيقابله تصعيد متدرج يفرض على الرياض إعادة حساباتها.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد عبدالغني الزبيدي أن النظام السعودي لم يكن يتوقع وصول الموقف اليمني إلى هذا المستوى من الحسم، وكان يعتقد أن الضغوط الاقتصادية والإنسانية ستدفع اليمن إلى التراجع أو تقديم التنازلات، إلا أن الضربة الأخيرة حملت رسائل تتجاوز قضية الحصار لتؤكد الجاهزية الكاملة والقدرات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية.

ويوضح في مداخلة على قناة المسيرة، أن الرياض كانت تراهن، بعد العدوان الأمريكي والإسرائيلي على اليمن، على أن القوات المسلحة اليمنية فقدت قدرتها على استهداف السفن بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وأن تقديراتها الاستخباراتية والإعلامية كانت خاطئة، الأمر الذي جعل الضربة الأخيرة تصيبها بحالة من الذهول والصدمة على المستويات العسكرية والسياسية والإرادية، وتربك حساباتها بشأن كيفية الرد.

ويشير إلى أن هذا الارتباك دفع السعودية إلى الاستنجاد بالمواقف والبيانات الصادرة عن بعض الدول الخليجية، رغم أن تلك الدول كانت شريكة في معاناة اليمنيين، لافتاً إلى أن مطاراتها ما تزال حتى اليوم تمتنع عن تشغيل رحلات إلى اليمن، رغم توقف مشاركتها العسكرية المباشرة خلال سنوات العدوان والحصار.

ويشدّد الزبيدي على أن ما جرى ينبغي أن يدفع السعودية إلى توقع ضربات أكثر إيلاماً إذا استمرت في سياساتها الحالية، مشيراً إلى أن التصعيد قد يطال الموانئ، وأنابيب النفط، والمشروعات الاقتصادية الكبرى، والبنى التحتية الحيوية، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لسياساتها بدلاً من الاستمرار في العدوان.

ويضيف أن من يصدرون بيانات الدعم للسعودية عليهم أن يسألوها أولاً عن الأسباب التي دفعت اليمن إلى استهدافها، موضحاً أن الرياض هي التي بدأت التصعيد عندما حاولت استهداف طائرة مدنية تقل ركاباً، ثم استهدفت مطار صنعاء، في جريمة تستوجب المحاسبة وفق القوانين الدولية التي تحظر استهداف المطارات والطائرات المدنية.

ويلفت إلى أن السعودية هي التي بدأت هذه المغامرة، وعليها أن تتحمل تبعاتها، مؤكداً أن الثمن لن يقتصر على استهداف السفن، بل سيمتد إلى مكانتها وهيبتها التي حاولت ترسيخها باعتبارها قادرة على فرض الحصار والعدوان دون أن تواجه رداً.

ويعتبر أن العملية العسكرية الأخيرة عكست مستوى عالياً من الاحترافية، مبيناً أن استهداف السفينتين تم قبالة السواحل السعودية، في مناطق يفترض أنها تخضع لحماية البحرية السعودية، وهو ما يؤكد عجزها عن اعتراض الصواريخ والطائرات اليمنية.

ويتطرق إلى أن اختيار السفينتين وتحديد موقعيهما بدقة يعكس امتلاك القوات المسلحة اليمنية معلومات استخباراتية دقيقة، كما أن استهداف مقدمة السفينتين دون غيرها حمل رسالة إنسانية وأخلاقية، إذ راعت القوات المسلحة سلامة الطواقم المدنية الأجنبية التي تدير تلك السفن، مؤكداً أن الرسالة كانت واضحة بأن الاستهداف موجه للسعودية ومصالحها، وليس للمدنيين.

وينوّه إلى أن هذه التطورات دفعت كثيراً من الدول إلى إدراك حقيقة الموقف اليمني، باستثناء من لا يروق لهم أن يمتلك اليمن هذه القوة أو يطالب بحقوقه في الحياة الكريمة والتنقل والسفر، مذكراً بأن عشرات الملايين من اليمنيين ما يزالون محاصرين، في وقت لا تعمل فيه سوى رحلتين جويتين محدودتين، بينما تمنع بقية الرحلات الدولية من الوصول إلى اليمن.

ويتطرق الزبيدي إلى أن التفويض الشعبي الواسع الذي خرجت به الجماهير اليمنية يمثل رسالة مباشرة إلى السعودية بأن أي مغامرة جديدة ستكون كلفتها باهظة، وأن الشعب اليمني اتخذ قراره بتفويض القيادة لانتزاع الحقوق واستعادتها مهما كانت التضحيات.

ويرى أن السعودية أصبحت عاجزة عن المواجهة، وأن خياراتها العسكرية والاستراتيجية باتت محدودة، ولم تعد تمتلك رؤية للتعامل مع صنعاء، في مقابل ما تتمتع به القيادة والمقاتل اليمني من إرادة وشجاعة وإسناد شعبي غير مسبوق.

وفي ختام مداخلته، يلفت الخبير في الشؤون العسكرية العميد عبدالغني الزبيدي، إلى أن محاولة الرياض استدعاء الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي والمجتمع الدولي تحت ذريعة حماية باب المندب تتناقض مع الموقف اليمني المعلن، إذ إن بيانات القوات المسلحة ووزارة الدفاع ورئيس الوفد الوطني أكدت بوضوح أن الاستهداف يقتصر على السفن والمصالح السعودية، وأن ما قد يتطور لاحقاً من إجراءات سيكون نتيجة استمرار الحصار وقتل اليمنيين بالجوع بعد أن عجز العدوان العسكري عن إخضاعهم.

من جهته، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سند الصيادي أن ما تشهده الساحة اليمنية يمثل محطة تاريخية غير مسبوقة، إذ جرى للمرة الأولى إحالة القضايا المصيرية للشعب اليمني إلى الجماهير بصورة مباشرة، حيث دعت القيادة الثورية الشعب إلى تحديد موقفه، فجاء الرد بخروج عشرات الملايين في العاصمة صنعاء والمحافظات لتفويض القيادة الثورية والسياسية والعسكرية في استعادة الحقوق المشروعة، وهو ما وفر الغطاء الشعبي الكامل للقرار العسكري.

ويقول في مداخلة على قناة المسيرة: إن هذا التلاحم بين الشعب والقيادة والجيش أكد أن اليمن لم يذهب إلى المواجهة عبثاً، وإنما بعد أكثر من اثني عشر عاماً من الحصار والقتل والتدمير والمعاناة، مشيراً إلى أن حجم الجرائم والأضرار التي تعرض لها اليمنيون يفوق الوصف.

ويؤكد أن الموقف السعودي لم يزد الشعب اليمني إلا غضباً وإصراراً، واصفاً النظام السعودي بأنه قدم نفسه منذ اللحظة الأولى للعدوان عدواً مباشراً للشعب اليمني، بعدما ظن أنه سيحسم الحرب سريعاً، قبل أن يصطدم بصمود اليمنيين وثباتهم، لتسقط رهاناته الواحدة تلو الأخرى.

ويشير إلى أن الرياض تحاول اليوم، بعد فشل خياراتها، الاحتماء بتحالفات سياسية وإعلامية، والبحث عن رواية موحدة مع بعض الدول لتخفيف تبعات الصراع الذي تتحمل مسؤوليته كاملة، إلا أنها لن تنجح في التهرب من الاستحقاقات اليمنية أو من الذاكرة الشعبية والسياسية والقانونية التي تحتفظ بكل ما ارتكبته بحق اليمن.

ويوضح أن العقل السياسي والعسكري اليمني أقام الحجة أمام المجتمع الدولي، مبيناً أن الدول التي قد تتبنى الرواية السعودية أو تنحاز إليها ستكون قد وضعت نفسها في موقع العداء للشعب اليمني، لأن المطالب اليمنية، بحسب وصفه، مشروعة ولا يمكن تجاوزها أو المساومة عليها.

كما يوضح أن اليمن صبر أكثر من أربع سنوات خلال فترة التهدئة، بينما استمرت السعودية في المماطلة والالتفاف على التزاماتها، الأمر الذي عزز القناعة بضرورة الانتقال إلى خيارات جديدة لانتزاع الحقوق.

ويشدّد على أن الشارع اليمني بات المحرك الأساسي للقرار الثوري والسياسي والعسكري، وأن الجماهير التي خرجت بالملايين فوضت القيادة في اتخاذ كل الوسائل الكفيلة باستعادة الحقوق، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، والانسحاب الكامل من الأراضي اليمنية، ودفع التعويضات، ورفع الحصار الشامل، وصرف المرتبات، واستعادة الثروات المنهوبة، وتحقيق السيادة الكاملة على الأرض اليمنية.

ويبيّن أن الضغوط العسكرية الحالية تهدف إلى دفع السعودية لإعادة حساباتها وموازنة الكلفة والعائد، بعدما واصلت سياسات الإضرار بالشعب اليمني دون أن تحقق أي مكاسب، مؤكداً أن اثني عشر عاماً من الحصار لم تنتج سوى تنامي القدرات اليمنية، وتعاظم الغضب الشعبي، واتساع الالتفاف حول القيادة.

ويضيف أن النظام السعودي، لو كان يمتلك قراره، لكان قد مضى في طريق التسوية الذي بدأ مع سنوات التهدئة، لكنه عاد إلى الموقف الأمريكي بمجرد تعرضه للضغوط، وهو ما لا يعفيه من مسؤوليته الكاملة عن الجرائم التي ارتكبها بحق اليمنيين.

ويؤكد أن السعودية تتحمل اليوم تبعات سياساتها، وأن الضغوط العسكرية الراهنة تهدف إلى دفعها لمراجعة خياراتها قبل أن تتسع دائرة الاستهداف، مشيراً إلى أن الشعب اليمني لا يتمنى تدمير المصالح السعودية أو توسع الحرب، لكنه في المقابل لن يقبل باستمرار الحصار والعدوان.

ويتطرق الصيادي إلى أن أولى المؤشرات الصادرة عن الرياض بعد العمليات اليمنية تمثلت في الإنكار والاستفزاز، ومحاولة تصوير نفسها ضحية، إضافة إلى السعي لحشد التحالفات الدولية تحت ذريعة حماية الملاحة في باب المندب، مؤكداً أن هذه الرواية فقدت فاعليتها، تماماً كما فشلت الرواية الأمريكية خلال معركة إسناد غزة في حشد تحالفات دولية ضد اليمن.

ويجزم بأن السياسة اليمنية نجحت في تقديم نفسها للعالم عبر عرض الأسباب الحقيقية التي قادت إلى التصعيد، وفي مقدمتها استمرار الحصار والعدوان، معتبراً أن أي بيانات إدانة أو مواقف سياسية لن تغير من حقيقة المشهد أو من قدرة اليمن على فرض معادلاته الجديدة.

وفي ختام حديثه، يؤكد المحلل السياسي سند الصيادي، أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك خيارات تصعيد متعددة، وأن البيانات العسكرية أوضحت بجلاء أن معادلة “التصعيد بالتصعيد” أصبحت هي الإطار الحاكم للمرحلة المقبلة، في رسالة تؤكد أن استمرار الحصار سيقابله تصعيد متصاعد حتى انتزاع الحقوق اليمنية المشروعة.