ناقلتان مشتعلتان.. وتأمين يقفز وأسعار تشتعل: ثمن تحدي الحظر اليمني

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 يوليو 2026مـ – 9 صفر 1448هـ

من عمق اليمن، ذلك البلد الذي ظنّ الغزاة أنه قد أوشك على الانكسار بعد اثني عشر عاماً من الحصار والعدوان، انبثق فجرٌ مختلف، فجرٌ لا يُعلن عن نفسه بالبيانات الدبلوماسية المنمّقة ولا بموائد المفاوضات العقيمة، بل بهدير الصواريخ والنيران المشتعلة في سفن النفط السعودية و ورسائل البريد الإلكتروني التي تصل إلى قباطنة الناقلات العملاقة، آمرةً إياهم بتغيير مساراتهم أو مواجهة المجهول. إنه فجر “الحصار بالحصار”، المعادلةُ التي قلبت الموازين رأساً على عقب، وجعلت من الشعب المظلوم سيداً على أخطر الممرات المائية في العالم.

لم يكن إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض الحظر البحري على الملاحة السعودية حدثاً عسكرياً عابراً يُضاف إلى سجل الأحداث، بل كان زلزالاً جيوسياسياً أعاد خلط الأوراق في منطقة تموج بالصراعات، وكشف عن حقيقةٍ طالما حاولت قوى الهيمنة إخفاءها، وهي أن الإرادة الصلبة حين تقترن بالإيمان والصبر، وحين تنطلق من قضية عادلة، قادرةٌ على أن تزلزل عروش ممالك النفط وأساطيلها، وأن تُربك حسابات أقوى جيوش الأرض وأعتاها.

إحراق سفينتين سعوديتين
لم تنتظر القوات المسلحة اليمنية طويلاً لتثبت أن تهديداتها ليست حبراً على ورق. فخلال أقل من ثمان وأربعين ساعة من إعلان الحظر، تمكنت القوات المسلحة من استهداف سفينتين نفطيتين سعوديتين لتقلب بذلك حركة الملاحة في البحر الأحمر رأساً على عقب. في يوم الثلاثاء وحده، عادت ست سفن أدراجها، لتلحق بها أربع سفن أخرى يوم الأربعاء لتنخفض عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب من 36 إلى 27 سفينة في يوم الخميس.

مساء الأربعاء نفذت القوات المسلحة عملية عسكرية نوعيةً استهدفتْ سفينتينِ نفطيتينِ سعوديتينِ خالفتْ قرارَ الحظرِ في البحرِ الأحمرِ إحداهما تحملُ اسمَ “ENCELIA” والأخرى “LAYLA” وذلكَ بعددٍ من الصواريخِ البالستيةِ والمجنحةِ والطائراتِ المسيرةِ وكانتِ الإصابةُ دقيقةً بفضلِ اللهِ وعونهِ وتسببتْ في نشوبِ حريقٍ كبيرٍ فيهما بفضلِ اللهِ.

وأظهرت بيانات ملاحية أن ناقلتي النفط السعوديتين “إنسيليا” (ENCELIA) و”ليلى” (LAYLA) كانتا تحملان معا نحو 2.85 مليون برميل من النفط السعودي، وتبحران قبالة سواحل جازان قبل إعلان استهدافهما . ونقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) عن مصدر مسؤول في الهيئة العامة للنقل أن سفينة “إنسيليا”، التابعة لإحدى الشركات السعودية، تعرضت للاستهداف أثناء إبحارها في البحر الأحمر، مما أدى إلى اندلاع حريق في مقدمتها.

وتُظهر بيانات منصة “كبلر” أن “إنسيليا”، التي ترفع العلم السعودي وتديرها شركة سعودية، كانت تحمل أكثر من 732 ألف برميل من النفط السعودي وقت تعرضها للاستهداف.

وبحسب البيانات الملاحية، فإن الناقلة غادرت ميناء ينبع السعودي في 20 يوليو الجاري، من دون أن تعلن وجهتها. واستنادا إلى التحليل الجغرافي فقد وقع الحادث على بُعد نحو 54 ميلا بحريا (100 كيلومتر) قبالة سواحل مدينة الشقيق السعودية.

 

أما الناقلة “ليلى” فتُظهر بيانات منصة “كبلر” أنها ترفع العلم السعودي وتديرها شركة سعودية، وكانت محملة بأكثر من مليونين و120 ألف برميل من النفط السعودي. وغادرت “ليلى” ميناء ينبع السعودي في 13 يوليو متجهة إلى ميناء جازان، مع موعد وصول متوقع في 25 من الشهر نفسه.

وبحسب آخر إشارة ملاحية للناقلة قبل 6 أيام، كانت “ليلى” على بُعد نحو 90 ميلا بحريا (166 كيلومترا) قبالة سواحل مدينة جازان السعودية.

 

إجبار عشر سفن على العودة
كما أعلنت القوات المسلحة في بيانها أنها تمكنت من إجبار عشر سفن على التراجع والعودة. وتفاصيل ما جرى للسفن العائدة ترويها بيانات التتبع التي رصدتها وكالة رويترز وشركات المراقبة البحرية. ناقلة النفط العملاقة “شين لونغ يانغ”، التي أنهت لتوها تحميل مليوني برميل من الخام السعودي من ميناء ينبع متجهةً إلى الصين، تلقت تحذيرات مباشرة، فغيرت مسارها فجأة نحو قناة السويس بدلاً من باب المندب. لحقت بها ناقلة “رودوس” المحملة بنحو 700 ألف برميل إلى الهند، ثم أتت “نيو برايم” التي كانت في طريقها إلى ينبع لتحميل شحنة جديدة، لكنها عادت أدراجها قبالة سواحل عُمان بعد أن أيقنت أن الاقتراب من المياه السعودية بات مخاطرةً غير محسوبة.

التحذيرات لم تقتصر على الناقلات النفطية. ناقلة السيارات التابعة لشركة “كوسكو” الصينية تلقت بريداً إلكترونياً من مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء يأمرها بالتوقف الفوري عن التوجه نحو الموانئ السعودية، فامتثلت وغيرت وجهتها في خليج عدن. وأكدت شركة “إي أو إس ريسك غروب” البريطانية على لسان كبير مستشاريها مارتن كيلي أن “ما لا يقل عن أربع سفن، وربما أكثر، من بينها ثلاث ناقلات نفط عملاقة صينية، ألغت عبورها عبر المضيق”. والأهم في كلامه كان الإشارة إلى أن “الانتماء إلى الصين لا يوفر حصانة واضحة للسفن التي تستوفي معايير اليمنيين”، في اعترافٍ ضمني بأن قواعد الاشتباك الجديدة لا تستثني أحداً.

سلسلة الاضطراب: من التأمين إلى أسواق الطاقة
إذا كان تراجع السفن هو الوجه المرئي للأزمة، فإن الوجه الآخر كان أعمق وأكثر إيلاماً للاقتصاد السعودي والعالمي معاً، حيث قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة للبحر الأحمر من حوالي 0.3% من قيمة السفينة إلى 0.75% خلال أيام معدودة. هذا الارتفاع الذي قد يبدو طفيفاً في النسب المئوية، يعني في الواقع إضافة مئات آلاف الدولارات على كل رحلة تستغرق سبعة أيام، ويجعل من الملاحة التجارية نحو الموانئ السعودية مغامرةً ماليةً تدفع شركات الشحن الكبرى إلى إعادة حساباتها بالكامل.

وكانت شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري من أوائل من أطلق جرس الإنذار، مؤكدةً أن السفن التي ترفع العلم السعودي أو تملكها أو تشغلها جهات سعودية “تعتبر ذات صلة وثيقة بأهداف اليمنيين، وبالتالي تواجه خطراً متزايداً”، وأن موانئ البحر الأحمر السعودية نفسها “تواجه مخاطر كبيرة بسبب احتمال تعرضها لهجوم يمني”. أما شركة “ماريسكس” المتخصصة في إدارة المخاطر البحرية، فكانت أكثر وضوحاً حين طالبت بالتعامل مع الإعلان اليمني “كتصعيد جدي، وليس مجرد كلام روتيني”.

وبالتوازي مع قفزة التأمين، اشتعلت أسواق النفط. فبحسب “رويترز” ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في نحو ستة أسابيع، مع تجاوز خام برنت 100 دولارًا للبرميل، مضيفة أن المخاطر المتزايدة في مضيقي هرمز وباب المندب أدت إلى اتساع فروق الأسعار وتعزيز مخاوف نقص الإمدادات، فيما بدأت ناقلات النفط السعودية تغيير مساراتها وتجنب السواحل اليمنية، ما دفع شركات التكرير الآسيوية للبحث عن طرق بديلة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على الصادرات السعودية والسوق العالمية.

تأتي هذه القفزة وسط توقعات بمزيد من الصعود. ريتشارد برونز من شركة “إنرجي أسبكتس” الاستشارية لخّص الوضع بقوله: “بعد ارتفاع الأسعار بسبب تباطؤ حركة المرور عبر مضيق هرمز، من المؤكد أن استئناف اليمنيين هجماتهم وإغلاقهم مضيق باب المندب فعلياً سيشكلان عاملاً محفزاً للأسعار”، مشيراً إلى أن “أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط الخام السعودي التي تُشحن حالياً عبر البحر الأحمر إلى آسيا قد يتعين عليها أن تسلك مسارات أطول بكثير”.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى: ناقلات النفط العملاقة المحملة بالكامل لا يمكنها عبور قناة السويس نظراً لقيود الغاطس، وسعة خط أنابيب سوميد المصري محدودة، مما يعني أن الخيار الوحيد المتبقي هو الدوران حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضاعف مسافة الرحلة وتكاليفها ويستهلك أسابيع إضافية. مات سميث من شركة “كبلر” حذر من أن مصافي التكرير الآسيوية “قد تواجه تأخيرات تصل إلى شهر كامل”، وأن “التأثير سيكون هائلاً في الشهر الأول، وسيكون التأثير الأكبر على تدفقات النفط السعودي”.

لكن التحذير الأكثر إثارة للقلق جاء من جون بايسي، رئيس شركة “ستراتاس أدفايزرز” الاستشارية، الذي رأى أن التأثير “سيمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أسواق النفط”، محذراً من أن “إيقاف مرور تلك البراميل عبر البحر الأحمر أو إعاقته بشدة سيكون له تأثير على أسعار النفط والمنتجات المكررة… هذا يقوض الاقتصاد العالمي برمته، وقد نشهد ركوداً عالمياً في مرحلة ما”. وقدر بايسي أن أسعار النفط قد تعود للارتفاع إلى ما يزيد عن 115-120 دولاراً للبرميل، بينما سترتفع تكاليف الشحن والتأمين مع اتخاذ السفن مسارات أطول. وأكدت شركة “أويل بروكريج” أنه إذا تم تحويل تدفقات ينبع بالكامل حول أفريقيا، فإن ذلك سيزيد الطلب على ناقلات النفط العملاقة وناقلات سويز ماكس بنسبة 14%، مما يتطلب 70 ناقلة نفط عملاقة إضافية و75 ناقلة سويزماكس.

اعتراف أمريكي: جيش منهك بين جبهتين
إذا كانت الأسواق قد ارتجفت، فإن أروقة البنتاغون لم تكن أقل اضطراباً. في اعترافٍ نادر يعكس عمق المأزق، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين قولهم إن التهديد اليمني بفرض حصار بحري على السعودية “يفرض ضغوطاً إضافية على الجيش الأمريكي الذي يركز بالفعل على التصدي للهجمات الإيرانية”، وإن أي مواجهة جديدة مع اليمن “ستعني توزيع الموارد العسكرية الأمريكية التي تتركز حالياً على الحرب مع إيران”.

التفاصيل التي أوردها التقرير كانت كاشفة بشكل لافت. جيسون كامبل، المسؤول السابق في البنتاغون، أوضح أن “التهديد اليمني يجعل القوات الأمريكية تقوم عملياً بتقسيم مواردها العسكرية بين جبهتين نشطتين في الوقت نفسه”، مضيفاً أن التعامل مع تهديدات البحر الأحمر “قد يستلزم نقل سفن حربية أمريكية من الخليج باتجاه السواحل اليمنية”، مما يخلق عبئاً لوجستياً وعملياتياً هائلاً. أما مايكل مولروي، مساعد وزير الدفاع السابق، فكان أكثر صراحة حين قال: “أثبت اليمنيون مراراً في الماضي أنهم يمتلكون القدرة والإرادة لعرقلة حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب”.

التقرير كشف أيضاً أن الحملة الأمريكية السابقة التي استمرت شهرين العام الماضي تطلبت قدرات عسكرية ضخمة شملت حاملتي طائرات وعدداً من السفن الحربية وطائرات مقاتلة وقاذفات استراتيجية من طراز B-2، ومع ذلك “لم ينجح أي من الحملتين في إنهاء قدرة اليمنيين على تهديد الملاحة”. والأخطر من ذلك، أن استمرار عمليات الانتشار يرهق أفراد القوات المسلحة الأمريكية، حيث بقيت بعض السفن في البحر لفترات أطول من المعتاد، بينما تحتاج السفن إلى صيانة دورية. ويوجد حالياً في “الشرق الأوسط” أكثر من 20 سفينة حربية أمريكية ومئات الطائرات العسكرية، ومع ذلك فإن فتح جبهة ثانية في البحر الأحمر – كما قال مارك كانسيان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – “سيشكل ضغطاً إضافياً على القوات البحرية الأمريكية”، في وقتٍ اعترف فيه بأن “الحصار الأمريكي ليس فعالاً بنسبة 100%”.

أما التحذير من استنزاف مخزونات الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي، فكان بمثابة جرس إنذار إضافي لمؤسسة عسكرية تجد نفسها مضطرة للتعامل مع تهديدات متزامنة من طهران وصنعاء، في وقتٍ يثبت فيه الطرفان قدرةً متزايدة على الصمود والمناورة.

 

مراكز الأبحاث تصف المشهد: ينبع تحت المجهر
في خضم هذه التطورات، خرجت مراكز الأبحاث الغربية الكبرى بتقييمات تؤكد أن ما يجري ليس مجرد مناوشات بحرية، بل تهديد وجودي لشريان الاقتصاد السعودي. تقرير المجلس الأطلسي الأمريكي كان من أبرز هذه التحليلات، حيث أكد أن “السيناريو الأكثر خطورة لا يقتصر على استهداف الملاحة البحرية، بل يكمن في احتمال تطور الأوضاع نحو توجيه ضربات مباشرة إلى مدينة ينبع، المركز الرئيسي لتصدير النفط السعودي على البحر الأحمر”. وأوضح التقرير أن السعودية تصدر حالياً نحو أربعة ملايين برميل يومياً عبر ينبع، بارتفاع كبير مقارنة بمستويات ما قبل الحرب مع إيران، مما يجعل من البحر الأحمر “بديلاً استراتيجياً حيوياً” أصبح اليوم مهدداً هو الآخر.

 

موقع “ديفينس سيكوريتي آسيا” المتخصص في الشؤون العسكرية وصف الوضع بأنه “سيناريو نقطة الاختناق المزدوجة”، حيث بات مضيقا هرمز وباب المندب “تحت السيطرة والمشاطرة النارية في وقت واحد، مما ألغى كلياً قدرة الرياض على تحويل صادراتها نحو الغرب وأسقط خياراتها البديلة”. وأشار الموقع إلى أن “اعتماد الرياض على ممر بديل واحد كشف عن نقطة ضعف قاتلة في تخطيط الطاقة لدى النظام السعودي”، وهو ما جعل ما يقرب من خمسة ملايين برميل يومياً من صادرات النفط السعودي في مرمى التهديد اليمني.

أما موقع “سي تريد ماريتايم نيوز” البحري المتخصص، فكان واضحاً في توصيفه لتداعيات القرار، مؤكداً أن “القوات المسلحة اليمنية أثبتت كفاءة واقتداراً عالياً في التحكم بمسارات التجارة العالمية، مجبرةً كبرى شركات الشحن على الفرار من البحر الأحمر وسلوك طريق رأس الرجاء الصالح”. وأضاف أن “محاولات الرياض الفرار بنفطها عبر خط الأنابيب الممتد إلى ميناء ينبع أصبحت بلا جدوى، إذ تبقى تلك الناقلات مضطرة للمرور عبر مضيق باب المندب، الساقط نارياً وتحت المدى المباشر لضربات القوات المسلحة اليمنية”. والأرقام التي أوردها الموقع كانت صادمة: نحو 75% من صادرات الخام والمكثفات السعودية تم تحويلها قسراً عبر ينبع خلال النصف الأول من يوليو، لتصبح كامل هذه الصادرات اليوم “تحت خط التهديد والسيطرة الميدانية لصنعاء”.

 

الإعلام الدولي يرصد التحول: سبعة بالمائة من النفط العالمي في خطر
لم تكن الصحافة العالمية أقل اهتماماً بما يجري. وكالة بلومبرغ الأمريكية أكدت أن “إعلان اليمن فرض حصار بحري على السعودية يعرض ملايين البراميل التي تصدرها المملكة عبر البحر الأحمر للخطر”. شبكة إن بي سي نيوز قدرت أن “الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب من شأنه أن يخفض إمدادات النفط العالمية بنسبة 7%”. وكالة أسوشيتد برس أشارت إلى أن “القرار قد يفرض ضغوطاً جديدة على السعودية، إذ تستخدم المملكة خط أنابيب الشرق-الغرب في محاولة لإخراج النفط من البلاد، في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز خاضعاً لقبضة إيران”. أما موقع “إنشورنس جورنال” المتخصص في التأمين، فعلّق بأن الحظر “يُضاف إلى سلسلة المخاطر التي تواجه إمدادات النفط من الشرق الأوسط، التي ما زالت شبه متوقفة بسبب إغلاق مضيق هرمز، ومن شأن أي انقطاع في الإمدادات عبر البحر الأحمر أن يفاقم تأثير الحرب على تجارة النفط العالمية”.

صحيفة “واشنطن تايمز” ذهبت إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت أن “مجرد وجود تهديد للسفن المرتبطة بالسعودية في مضيق باب المندب كافٍ لإرباك الحركة الملاحية، حتى في غياب هجمات مباشرة”. وهذا تحديداً ما أثبتته الأيام الأولى للحظر، حيث أدى ارتفاع مستوى المخاطر وحده إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية دون الحاجة إلى إطلاق صاروخ واحد على هدف سعودي.

رسالة اليمن: الحصار بالحصار
لكل هذه المعطيات، يمكن القول إن ما أعلنته القوات المسلحة اليمنية كان تتويجاً لعقيدة راسخة عبّر عنها محمد الفرح بقوله: “شعبنا قرر أن يستعيد حقوقه، ولا توجد أي قوة في هذا العالم تستطيع أن تسلبه هذه الحقوق، أو تصادر كرامته وحريته وسيادته واستقلاله”. فبعد اثني عشر عاماً من الحصار الجوي والبري والبحري الذي فرضه تحالف العدوان بقيادة السعودية على اليمن، وبعد أن أغلقت المطارات والموانئ اليمنية في وجه الغذاء والدواء، وجاء بيان مجلس الوزراء السعودي لينكر كل ذلك ويصف معاناة الملايين بـ”الأكاذيب”، لم يعد هناك من خيار سوى نقل المعركة إلى عمق المصدر.

المعادلة التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية مدمرة في نتائجها: “الحصار بالحصار”. السعودية التي شاركت في خنق اليمن طوال هذه السنوات، مدعومةً بغطاء أمريكي وغربي، تجد نفسها اليوم وقد أغلقت منافذها البحرية في الشمال والجنوب معاً. مضيق هرمز بيد طهران، وباب المندب بيد صنعاء، وبينهما مملكة كانت قبل أشهر فقط تحاول تصدير 75% من نفطها عبر ينبع، تظن أن البحر الأحمر سيكون ملاذها الآمن. لكن الحسابات اليمنية كانت أسرع وأذكى، فضربت في التوقيت الذي رفعت فيه الرياض تحميل النفط من ينبع إلى مستويات قياسية، لتجد حركة الشحن النفطي السعودية نفسها محاصرة بالكامل.

الردع الذي أربك العالم
في المحصلة النهائية، لم يعد خافياً على أحد أن الموقف اليمني تجاوز بكثير حدود الصراع المحلي أو حتى الإقليمي. ما حدث في البحر الأحمر خلال الأيام الماضية كشف هشاشةَ أنظمة الأمن البحري التي طالما تباهى بها الغرب، وأظهر أن قوةً تملك إيمانا راسخا يمكنها أن تتحكم بممرات التجارة العالمية، وترفع أسعار النفط، وتربك أسواق التأمين، وتدفع بكبرى شركات الشحن إلى تغيير مساراتها حول قارة بأكملها، وتستنزف قدرات أقوى جيش في العالم.

إنه ردعٌ من نوع جديد، لا يقوم على توازن القوى التقليدية، بل على الروحية الجهادية والجرأة والقدرة على المناورة والاستفادة من نقاط الضعف القاتلة لدى الخصم. والرسالة الأهم التي وجهتها صنعاء للرياض وواشنطن معاً هي أن زمن الإملاءات قد ولى، وأن الشعب الذي صمد تحت القصف والجوع لن يركع تحت التهديد.

أما الطريق الوحيد المتبقي للخروج من هذا المأزق، فقد حددته الكلمات اليمنية بوضوحٍ لا لبس فيه: فك الحصار، احترام السيادة، الانسحاب من المناطق المحتلة، التعويض عن الخسائر، وإطلاق الأسرى ودفع المرتبات المنهوبة. ما دون ذلك، سيبقى البحر الأحمر ساحةَ حربٍ مفتوحة، وسنابل النفط السعودي تحت رحمة رياح قادمة من جبال اليمن.