استهداف مطار أبها رسالة استراتيجية تتجاوز البعد العسكري
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 يوليو 2026مـ – 3 صفر 1448هـ
تقرير|| وديع العبسي
تجاوزت رسالة استهداف مطار أبها -التي جاءت بعد ساعات قليلة من قصف مطار صنعاء الدولي- حدود الرد العسكري المباشر، لتؤسس لمعادلة أكثر اتساعًا في سياق الرد على عدوان التحالف السعودي الأمريكي، مفادها أن سلوك العدو القائم على استهداف الأعيان المدنية -من بينها المنشآت ذات البعد السيادي- لن يمر بلا ثمن وبلا عقاب. فاستهداف السعودية لمنشأة جوية مدنية في اليمن سيقابله استهداف منشأة مماثلة داخل المملكة، بما يعني أن أي محاولة لفرض معادلة أحادية تقوم على حرية الاعتداء دون تكلفة ستواجه بمحاولة لفرض معادلة مضادة تعيد التوازن إلى ميدان الاشتباك. وفي منطق الحروب لا تُقاس الرسائل العسكرية بحجم الدمار الذي تُحدثه فحسب، وإنما بقدرتها على تغيير حسابات الخصم، وإجباره على إعادة تقييم كلفة قراراته العسكرية والسياسية قبل الإقدام عليها.
ما لم يعد قائما
وتزداد أهمية رسالة ضرب مطار أبها، إذا ما وُضعت في سياقها الزمني والسياسي، إذ جاءت عقب استهداف مطار صنعاء الدولي، المرفق المدني الذي يمثل شريانًا حيويًا لليمنيين، ويكتسب بعدًا سياديًا وإنسانيًا يتجاوز كونه مجرد منشأة للنقل الجوي. ومن ثم فإن الرد اليمني لم يكن منفصلًا عن طبيعة الهدف الذي تعرض للقصف، بل جاء ليؤكد أن استهداف البنية التحتية المدنية لن يبقى بمنأى عن الرد، وأن مرحلة التفرد بالقرار العسكري دون حسابات مقابلة لم تعد قائمة كما كانت خلال السنوات الأولى من الحرب.
في المستوى الثاني من التأثير، برزت التداعيات المباشرة على حركة الطيران داخل جنوب المملكة، حيث شهدت مطارات أبها وجيزان ونجران حالة من الاضطراب عقب إعلان السلطات السعودية إغلاق مجالها الجوي مباشرة بعد بيان القوات المسلحة اليمنية مساء الاثنين، والذي حذر شركات الطيران من استمرار العمل في الأجواء السعودية.
ويكشف هذا الإجراء عن أن الرسالة لم تتوقف عند حدود الاستهداف، وإنما امتدت إلى التأثير في مستوى الثقة بالإجراءات الأمنية التي تحيط بالمطارات السعودية. فاستقرار حركة الملاحة الجوية يُعد أحد أبرز المؤشرات على مستوى الأمن والاستقرار داخل أي دولة، وأي اضطراب يطرأ عليه ينعكس بصورة مباشرة على صورة البيئة الأمنية أمام المواطنين والمستثمرين وشركات الطيران على حد سواء. ولا تقتصر انعكاسات هذا المستوى على الجانب الأمني، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي، إذ إن أي اهتزاز في انتظام حركة الطيران المدني يترك أثرًا مباشرًا على بيئة الاستثمار، ويثير تساؤلات حول قدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية واستمرار عملها بصورة طبيعية. ولذلك فإن الرسائل المرتبطة بالمطارات لا تنحصر في بعدها العسكري، وإنما تتداخل مع اعتبارات الاقتصاد والسياحة والنقل والتجارة، وهي قطاعات ترتبط -بصورة وثيقة- بدرجة الاستقرار والأمان. ومن هنا، فإن أي خلل يطال هذه المنظومة يتجاوز بآثاره حدودَ الموقع المستهدف ليصل إلى صورة الدولة ومناخها الاستثماري.
الحق اليمني مسألة ثابتة
غير أن الرسالة الأهم التي حملتها العملية تمثلت في تكريس مبدأ النديّة في التعامل مع الاعتداءات، حيث عززت القوات المسلحة اليمنية -من خلال استهداف مطار أبها- حقيقة أن ظروف العدوان السعودي الأمريكي لم تعد كما كانت، وأن مرحلة حرية الحركة الكاملة لطيران التحالف في تنفيذ الغارات وإطلاق الصواريخ والقنابل على المدن اليمنية وبنيتها التحتية دون رد مماثل قد أصبحت جزءًا من الماضي. ففي السنوات الأولى من العدوان، كانت السعودية تمتلك هامشًا واسعًا في اختيار توقيت الضربات وأهدافها، أما اليوم فقد أفرزت التطورات العسكرية واقعًا مختلفًا أصبحت فيه أي عملية تستهدف منشآت يمنية تُواجَه برد مباشر على منشآت داخل المملكة، وهو تحول يعيد رسم قواعد الاشتباك ويرفع كلفة القرار العسكري بالنسبة للرياض.
وتنسجم هذه المعادلة مع ما أكدته القوات المسلحة اليمنية في أكثر من مناسبة، من أن الاعتداء على المنشآت المدنية لن يبقى دون رد، وأن الرد سيكون دائما من جنس الفعل بما يحقق مبدأ المعاملة بالمثل. كما أن هذا التحول يعزز من حضور معادلة الردع بوصفها أحد العوامل المؤثرة في صناعة القرار العسكري، إذ لم يعد بالإمكان تجاهل احتمالات الرد وتداعياته السياسية والاقتصادية والأمنية عند اتخاذ قرار بتنفيذ أي هجوم جديد على اليمن.
ومن هذا المنطلق، يكتسب الحديث عن الحق اليمني في الدفاع عن السيادة بعدًا يتجاوز الشعارات السياسية، ليصبح مرتبطًا بوقائع ميدانية فرضت نفسها خلال السنوات الماضية، وأكدت أن استعادة هذا الحق لم تعد مسألة قابلة للتراجع أو المساومة، بل أصبحت جزءًا من معادلة الصراع نفسها، بما يدفع الطرف الآخر إلى التفكير بصورة أكثر جدية قبل الإقدام على أي تصعيد جديد ضد الدولة والشعب اليمني.
دلالة التنسيق مع أمريكا
ويرى العديد من الخبراء والمحللين أن السعودية -رغم امتلاكها ترسانة كبيرة من الأسلحة الحديثة والمتطورة- لم تكن يومًا دولة مُقاتلة تعتمد على قدراتها الذاتية في إدارة المواجهات الكبرى، وهو ما يجعلها ترتكز بصورة أساسية على شراكاتها وتحالفاتها الأمنية، وفي مقدمتها العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة. ويستند تقدير الخبراء هذا إلى الاتفاقيات الأمنية الممتدة بين البلدين، فضلًا عن التصريحات المتكررة لرؤساء أمريكيين والتي أكدوا فيها مرارا ارتباط أمن المملكة بالمظلة الأمريكية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما كشفه موقع “أكسيوس”، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين بشأن قيام الرياض بالتنسيق مع واشنطن قبل تنفيذ الضربة التي استهدفت مطار صنعاء الدولي. ولا يقتصر هذا المعطى على تأكيد التورط الأمريكي في القرارات العسكرية المرتبطة باليمن، بل يعكس أيضًا أن الملفات ذات الحساسية العالية لا تزال تُدار ضمن إطار تشاوري وثيق بين الرياض وواشنطن، بما يتوافق مع طبيعة العلاقة الأمنية والاستراتيجية القائمة بين الطرفين. كما أن هذا التنسيق يمنح بعدًا سياسيًا إضافيًا للعملية، إذ يربطها بسياق أوسع من مجرد قرار سعودي منفرد، ويعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة ما تزال اللاعب في إدارة الكثير من الملفات العسكرية المرتبطة بالمنطقة، وهو ما يفسر استمرار الانتقادات التي توجه إلى الدور الأمريكي في الحرب على اليمن.
الرواية التي أضعفت الخطاب السعودي
وفي التوازي أيضا، برزت محاولة النظام السعودي التنصل من المسؤولية المباشرة عن استهداف مطار صنعاء، عبر إسناد العملية إلى ما تُعرف بحكومة الشرعية، التي أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذها. غير أن هذه الرواية واجهت تشكيكًا واسعًا، ليس فقط لأنها تتعارض مع الوقائع العسكرية المعروفة، وإنما أيضًا لأن تلك الحكومة لا تمتلك القدرات العسكرية أو الجوية التي تؤهلها لتنفيذ عملية من هذا النوع. فهي لا تسيطر على قواعد جوية لإطلاق هذه الهجمات، ولا تمتلك سلاحًا جويًا قادرًا على تنفيذ ضربات بهذا المستوى، الأمر الذي جعل الرواية السعودية تبدو بعيدة عن الإقناع أمام الرأي العام والمتابعين. كما أن هذه المحاولة أضعفت الخطاب السعودي الذي يكرر الحديث عن دعم استقرار اليمن وإعادة بنائه، إذ إن استهداف منشأة مدنية حيوية مثل مطار صنعاء يتناقض مع تلك التصريحات، ويعزز الانتقادات التي ترى أن الحرب تجاوزت -منذ وقت مبكر- الأهداف العسكرية إلى استهداف البنية التحتية والخدمات الأساسية. ولذلك، لم تتمكن السعودية من حشد تأييد واسع لروايتها عقب الضربة التي تعرض لها مطار أبها، في ظل اقتناع متزايد بأن ما جرى يأتي ضمن معادلة رد فرضها العدوان بانتهاكه السيادة اليمنية وقصفه مطار صنعاء، وليس حدثًا معزولًا يمكن فصله عن سياقه.
ومنذ الأيام الأولى لعدوان التحالف السعودي الأمريكي على اليمن، كان واضحًا أن العمليات العسكرية اتجهت إلى تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية والمحاذير التي يفرضها القانون الدولي الإنساني، فلم يقتصر الاستهداف على جبهات القتال، بل امتد ليشمل منشآت مدنية وخدمية تمثل أساس الحياة اليومية لليمنيين. وشملت تلك الاستهدافات المطارات والموانئ والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والمياه والمنشآت الصحية والتعليمية، بما أدى إلى مضاعفة الآثار الإنسانية للحرب.
ولم يقتصر الأمر على القتل المباشر للمدنيين، بل اتسعت دائرة المعاناة نتيجة الحصار وتدمير البنية التحتية، وهو ما انعكس على مختلف القطاعات المرتبطة بحياة السكان. وفي هذا الإطار، جاء استهداف مطار صنعاء الدولي امتدادًا لهذا النهج، بكونه منشأة مدنية ترتبط بحركة السفر والعلاج والإغاثة، فضلًا عن كونها تمثل رمزًا من رموز السيادة الوطنية. ومن هذا المنظور، فإن استمرار عمل المطار وقدرته على استقبال وتسيير الرحلات ظل يمثل -بالنسبة للسعودية- مؤشرًا على محدودية الأهداف التي سعى العدوان إلى تحقيقها رغم مرور أكثر من عقد على اندلاعه، وهو ما يفسر المكانة التي احتلها هذا المرفق في سياق التصعيد الأخير وما تبعه من ردود متبادلة أعادت التأكيد على أن معادلات الصراع لم تعد كما كانت في بدايات العدوان.
