السيد القائد يرسخ توازنات ردع جديدة ويرسم ملامح المستقبل ضمن المعادلات الحاسمة
ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
16 يوليو 2026مـ – 2 صفر 1448هـ
قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- خارطة طريق سياسية وعسكرية استراتيجية شاملة، صاغت معادلات اشتباك جديدة، وأعادت تعريف الصراع الدائر باعتباره مواجهة وجودية بين مسار التحرر والانعتاق ومسار الهيمنة الصهيونية-الأمريكية وأدواتها الإقليمية، واضعًا النقاط على الحروف في مرحلةٍ تُوصف بأنها الأكثر حساسية في تاريخ المنطقة الحديث.
وبين دفتي خطاب السيد القائد مساء الخميس، يتجاوز جغرافيا اليمن ليرسم ملامح الجبهة الإقليمية الممتدة، معيدًا مركزية القضية الفلسطينية كبوصلةٍ وحيدة للأمة، وموجهًا إنذارات بالغة الأهمية والدلالة للنظام السعودي الذي ينزلق مجددًا نحو مربع التبعية المطلقة للمشروع الصهيوني-الأمريكي على حساب دماء شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب اليمني الصامد.
السيد القائد استهل خطابه بتأصيل فكري وعقائدي عميق يربط حركة الشعوب المستضعفة بالسنن الإلهية ورسالات الأنبياء وحقائق التاريخ؛ فالمواجهة وفق هذا المنظور ليست ترفًا سياسيًّا أو خيارًا تكتيكيًّا، وإنّما هي “سنة إلهية ثابتة” جعلها الله سبيلاً وحيدًا لكسر شوكة الطغيان ونيل العزة.
ويطرح السيد القائد معادلة عكسية بالغة الأهمية؛ فحينما يتخلى المستضعفون عن مسؤوليتهم في التحرك والمواجهة؛ فإن النتيجة الحتمية هي تفاقم الشر وتعاظم المأساة والاستعباد، وليست السلام، ومن هنا، تنبثق أهمية الانطلاق من المسؤولية الدينية التي تحصن الشعوب وتمنحها الحرية الحقيقية التي تمكن الإنسان من أداء دوره الإيجابي في الحياة دون خنوع أو استرقاق.
ويمثل هذا التأصيل الجدار الاستنادي الصلب الذي يتكئ عليه الموقف اليمني؛ فالسيادة والكرامة والرفض المطلق للوصاية هي جزء لا يتجزأ من عقيدة شعب يرى في التبعية لغير الله خروجًا عن ثوابت الفطرة والإيمان، وليست مطالب خاضعة للمساومة السياسية أو غيرها.
وفي سياق تحليل آليات الاستهداف المعادي للأمة، يغوص السيد القائد مقسمًا إياها إلى مسارين متكاملين، الأول في حربٍ ناعمة مفسدة ومضلة، وهي الخطر الأكثر فتكًا والتي تسعى من خلالها الصهيونية العالمية إلى تفريغ الإنسان المسلم من هويته وقيمه الإنسانية لتسهيل استعباده والسيطرة عليه، وتاليًّا تأتي الحرب الصلبة والإبادة الجماعية، التي تقودها أمريكا والعدو الإسرائيلي بالقتل المباشر، والتهجير القسري، وسحق الشعوب، واحتلال الأوطان لنهب ثرواتها ومقدراتها.
السيد القائد يؤكّد أن المخطط الصهيوني المعلن الرامي إلى “تغيير الشرق الأوسط” وإقامة ما يُسمى (إسرائيل الكبرى)؛ يُشير إلى أن قوى الهيمنة الثلاثية (أمريكا، إسرائيل، وبريطانيا) لا تحترم العهود ولا المواثيق ولا القوانين الدولية، مستحضرًا في هذا السياق “المنطق الترامبي الكافر” المتبجح بتهديد الشعوب بالإبادة واستهداف الحضارات، كدليلٍ قاطع على أن المعايير الدولية والمنظمات الأممية ليست سوى أدوات لتكبيل الضحية ومنعها من الدفاع عن نفسها.
وأفرد مساحة واسعة وتفصيلية لتحليل الأدوار العربية المتواطئة، مسلطاً الضوء بشكّلٍ خاص وبنبرة تحذيرية شديدة على النظام السعودي، يرى فيها أن الرياض باتت تشكّل حجر الزاوية في إجهاض أيّ موقف جماعي حقيقي للأمة لنصرة فلسطين، والعمل كـ”مصد مالي وسياسي وأمني” لحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ويكشف كيف نجح النظام السعودي في تكبيل الأمة سياسيًّا خلال معركة “طوفان الأقصى”، عبر قيادة مؤتمرات قمة تخرج ببيانات مهذبة بسقف هابط جدًا تفتقر لأي أثر عملي، مع السعي النشط لمنع أيّ تحرك إسلامي جاد لمقاطعة كيان العدو الصهيوني اقتصاديًا أو سياسيًا.
وانتقد السيد القائد بحدة غير مسبوقة ما وصفه بـ”التواطؤ الإعلامي” السعودي والموالي له، والذي يصر على شيطنة المقاومة الفلسطينية في غزة ووصف المجاهدين بـ”الإرهابيين” وتبرير المجازر الصهيونية، فضلاً عن امتداد هذا التحريض الممنهج لتشويه مواقف الأحرار في اليمن ولبنان وإيران.
لم يقتصر النقد على الجانب السياسي والإعلامي، فقد تجاوز ذلك إلى كشف تفاصيل أمنية وعسكرية خطيرة؛ حيث أكّد أن السعودية حولت موانئها لممر لوجستي لكسر الحصار البحري الذي فرضه اليمن على موانئ الكيان في فلسطين المحتلة، إلى جانب فتح أجوائها ومطاراتها لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية، وتزويد واشنطن والكيان بإحداثيات استخباراتية لقصف أهداف يمنية، ومنها خلايا متورطة في الجريمة البشعة التي استهدفت مركز إيواء الأفارقة في صعدة.
ومنذ قرابة 12 عامًا، يعاني الشعب اليمني من عدوان وحصار مستمر بتواطؤ دولي وإقليمي، وقد وضع قائد الثورة يده على الجرح الإنساني الغائر في الجسد اليمني، المتمثل بحرمان الشعب من ثروته الوطنية “90 مليون برميل نفط سنويًا تذهب هدرًا ويُحرم منها الموظفون والمرضى”، وإصرار الرياض على إغلاق الموانئ والمطارات وفرض شروط مذلة حتى على الحالات الإنسانية الراغبة في السفر للعلاج.
هُنا يرسل السيد القائد رسالة حاسمة للنظام السعودي، أن زمن الوصاية والاستجداء انتهى؛ إذ يرفض الوجدان اليمني المنطق السعودي الاستعلائي الذي يتعامل بلغة لم تأذن لي “ولم تستأذن مني” لتسيير رحلات علاجية من مطار صنعاء، وصاغ بوضوح لا لبس فيه المعادلة الذهبية الجديدة للتصعيد الشامل: “مطار صنعاء بمطار الرياض.. المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”.
وحذّر الرياض من مغبة التمادي في دفع أمريكي وإسرائيلي لتشديد الحصار لتركيع الشعب اليمني، مؤكّدًا أن “كل المنشآت النفطية والحيوية السعودية هي هدف لصواريخنا وطائراتنا المسيرة إذا ما تورط في العدوان على بلدنا”، وأن التجربة السابقة لثماني سنوات من الحرب، بـ250 ألف غارة جوية، كفيلة بتعليم السعودية أن رهاناتها العسكرية على قهر إرادة اليمنيين رهانات خاسرة وفاشلة.
وفي قراءته للمشهد الإقليمي، ثمن السيد القائد عاليًّا الموقف التاريخي الشجاع للجمهورية الإسلامية في إيران، واصفًا ثباتها الاستراتيجي وفاعليتها العالية في تدمير واستعداء القواعد الأمريكية على مدى 5 أشهر من المواجهة المباشرة بأنه “حصن حصين لشعوب المنطقة” وانتصار للأمة جمعاء.
وشدّد على ثوابت محور الجهاد والمقاومة، والالتزام المطلق بدعم المقاومة الإسلامية في لبنان “حزب الله” وعدم التخلي عنها تحت أيّ ظرف، والتنبيه إلى أن الأطماع الصهيونية لا حدود لها وتستهدف الجميع بما في ذلك سوريا ودول الخليج نفسها التي ستكون لقمة سائغة للابتزاز الصهيوني-الأمريكي لولا صمود محور المقاومة وثباته.
ووجه بدعوة الأنظمة العربية، في حدها الأدنى، إلى التزام الحياد وعدم فتح أراضيها وأجوائها للقواعد الأمريكية والبريطانية للاعتداء على الجمهورية الإسلامية، محذّرًا من أن فتح الأراضي للعدوان يجعل تلك الدول شريكة تتحمل التبعات القانونية والعسكرية للرد الإيراني المشروع.
واختتم السيد القائد خطابه بالتوجه بنداء وجداني وأخلاقي ووطني مهيب إلى الشعب اليمني والقبائل الحرة، مطالبًا إياهم بخروج جماهيري غير مسبوق في العاصمة صنعاء وسائر المحافظات يوم غدٍ الجمعة، في استفتاء شعبي على الحرية والكرامة؛ فليس هناك قبيلة يمنية يمكن أن ترفع عريضة وتوقع عليها بأنها مستعدة أن تكون عبدًا للسعودي؟!” مؤكّدًا أن خيار الاستسلام غير وارد في قاموس يمن الإيمان والحكمة والحرية.
“ما بعد الغد لنا موقف وخيار وقرار يعبّر عن توجه هذا الشعب”؛ بهذه الجملة المكثفة فتح السيد القائد الباب على مصراعيه أمام خيارات عسكرية استراتيجية حاسمة تنهي حالة “اللا حرب واللا سلم”، واضعًا تحالف العدوان وداعميه وأدواته أمام حتمية الاختيار بين إيقاف العدوان ورفع الحصار الشامل والاعتراف بحقوق الشعب اليمني، أو الاستعداد لتلقي عمليات استراتيجية ستغير وجه المنطقة واقتصادها.
وتجلت في ختام خطاب السيد القائد العلاقة الوجدانية الاستثنائية بين هذا القائد وشعبه حين قال بصدق وتفانٍ مطلق: “نفسي فداء لكم يا شعبي العزيز، روحي لله وحياتي لله في خدمتكم، وبألا تظلموا وألا تهانوا وألا تقهروا”، بهذه الروح التي تمزج بين الفداء الإيماني والجرأة العسكرية الفائقة، دخل اليمن مرحلة جديدة من المواجهة؛ مرحلة ترفع راية السيادة الكاملة والتحرير الشامل، مرسخةً حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها: يمنٌ حرٌ، قويٌ، وعصيٌ على الانكسار والتبعية والوصاية.
