الإمام زيد بن علي.. حين يصبح الدم الطاهر راية للحق ومواجهة الظلم

4

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
11 يوليو 2026مـ – 26 محرم 1448هـ

بقلم// أحلام الصوفي

في ذاكرة الأمة رجال لا تنتهي حكايتهم بانتهاء حياتهم، لأنهم لم يكونوا مجرد أفراد عاشوا في زمن مضى، بل كانوا أصحاب مشروع وموقف حملوا همّ الإصلاح، ووقفوا في وجه الاستبداد حين كان الصمت هو الخيار الأسهل. ومن بين هؤلاء يبرز الإمام زيد بن علي بن الحسين، الذي جسد في سيرته معنى العالم المجاهد، وصاحب الموقف الذي اختار طريق التضحية دفاعا عن قيم العدل والكرامة.

لم تكن ثورة الإمام زيد حدثا عابرا في التاريخ الإسلامي، بل كانت امتدادا لرؤية تقوم على أن الأمة لا تنهض إلا بالوعي، وأن الظلم مهما امتلك من قوة لا يستطيع إلغاء صوت الحق. فقد نشأ الإمام زيد في بيت النبوة والعلم، ونهل من معين المعرفة، فجمع بين العلم والبصيرة، وبين الفقه والإحساس العميق بمسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه.

لقد أدرك الإمام زيد أن أخطر ما يواجه الأمم ليس فقط وجود الظلم، بل الاعتياد عليه وقبول استمراره، ولذلك حمل مشروع الإصلاح، ودعا إلى مواجهة الانحراف عن قيم الإسلام، مؤكدا أن العالم لا يكون حقيقيا إذا ابتعد عن قضايا الناس، وأن الكلمة الصادقة قد تكون بداية لتحول كبير في مسار التاريخ.

عندما خرج الإمام زيد في الكوفة سنة 122هـ، لم يكن يبحث عن مكسب شخصي أو سلطة دنيوية، وإنما كان يحمل قضية رأى أنها تستحق التضحية. واجه واقعا مليئا بالتحديات، لكنه أثبت أن أصحاب المبادئ لا ينتظرون توفر الظروف المثالية للدفاع عن الحق، بل يصنعون من مواقفهم صفحات خالدة مهما كانت التضحيات.

لقد حاولت قوى الظلم آنذاك إخماد صوت الإمام زيد، فاستشهد بعد مواجهة غير متكافئة، لكن استشهاده كشف حقيقة تاريخية مهمة: أن قمع أصحاب المبادئ لا يلغي أفكارهم، وأن الدماء التي تُبذل من أجل القضايا العادلة تتحول إلى مصدر إلهام للأجيال.

ومن هنا بقي الإمام زيد حاضرا في الوجدان الإسلامي، لا باعتباره شخصية من الماضي فقط، بل باعتباره رمزا متجددا لكل من يرفض الاستسلام للظلم، ويتمسك بالعدل والكرامة. فقد أصبحت سيرته مدرسة في الصبر والثبات، تؤكد أن الإنسان قد يغيب جسده، لكن مواقفه تبقى حاضرة ما دام هناك من يحمل قيم الحق.

وفي اليمن، ارتبط اسم الإمام زيد بتاريخ طويل من العلم والمعرفة، وأصبح جزءا من الذاكرة الثقافية والدينية، لما تمثله سيرته من معانٍ تتعلق بالحرية والعدل ونصرة المظلوم. فقد ترك إرثا فكريا وروحيا تجاوز حدود المرحلة التي عاشها، وأصبح مرجعا تستلهم منه الأجيال معاني الثبات والمسؤولية.

إن إحياء ذكرى استشهاد الإمام زيد هو استحضار لقيمة الموقف في زمن تكثر فيه محاولات تزييف الحقائق، وهو تذكير بأن الأمم لا تُبنى فقط بالقدرات المادية، بل أيضا برجال يحملون الوعي والشجاعة والاستعداد للتضحية من أجل المبادئ.

لقد أثبت الإمام زيد بن علي أن صوت الحق قد يُحاصر، لكنه لا يموت، وأن أصحاب الرسالات الكبرى قد يسقطون في ميادين المواجهة، لكن أفكارهم تبقى حية تتناقلها الأجيال.

فالإمام زيد لم يكن مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل كان موقفا ممتدا، وصرخة حق ما زالت تحمل رسالة واضحة: أن العدل قيمة لا تُهزم، وأن الكرامة لا تُمنح، بل تُصان بالمواقف الصادقة.