ترتيل العشق في محراب الولي
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
8 يوليو 2026مـ – 23 محرم 1448هـ
بقلم// خديجة طه النعمي
حين تشتبكُ الخطوب، وتتلاطمُ أمواجُ الفتن في ليلِ العالم الموحش، تفتقرُ الروح إلى مرافئ الطمأنينة، وتبحثُ العيون المتعبة عن منارةِ هدىً تَشق حُجُب الظلام، هناك… حيثُ تمتزجُ دماءُ الشهداءِ بآهاتِ المستضعفين، وحيثُ تغدو المقاومةُ صلاةً، والجهادُ عشقاً وجودياً، يقفُ رجلٌ اختصرَ في خطوط جبهته وتفاصيل عباءته حكاية أمةٍ بأكملها.
ليست الكتابة عنه ترفاً فكرياً أو رصفاً لكلماتٍ باردة، بل هو محاولةٌ لترجمةِ نبضِ القلوب الحرّى، وسكبِ دمعةِ الولاء في مِحرابِ الوعيِ والصبر، من نبض كربلاء وشعلة التضحية العظيمة فيها…
هو ليس قائدٍ يُشار إليه بالبنان، بل هو سرُّ دمعةٍ تهطل في جوف الليل من عيون المجاهدين، وأملٌ يلوح كالفجر في جفون المتعبين والمستضعفين..
من مشهد الوجع والألم، ومن ذرى الصبر الذي تنحني له الجبال… يلوح وجهك سيدي أبا مجتبى كقنديلٍ دافئ في ليل الأمة الطويل، وجهٌ حفرت فيه السنون والخطوب حكاية أمةٍ بأكملها، حكاية جراحها، وآمالها، وعشقها الذي لا يموت.
أيُّ سرٍّ يحمله قلبك الشاسع يا بن فاطمة؟
ذلك القلب الذي يتسع لآهات أطفال غزة، وصرخات الثكالى في لبنان، ودعاء الشرفاء في يمن الصمود، وعزم الأحرار في عراق الحسين ونبطية الأباة…
يا حسينيَّ الهوى والنهج، يا من تفيض من عينيك سكينةٌ تزلزل عروش الطغاة والملأ الاستكباري الصهيوني الإبستيني، في غمرة الفقد وتوالي القوافل، حيث يغادر الأقمارُ سماءنا واحداً تلو الآخر.. نلتفتُ إليك، فنجد في ثباتك عزاءنا، وفي طهر عباءتك ملاذنا.
أنت الذي بكيتَ رفاق دربك، سكَبتَ من روائع وعاطفة قلبك الأبوي على جثامينهم الطاهرة، فكنتَ الأب الحنون لكل شهيد، والسند الروحي لكل مجاهدٍ يقبض على زناده في خنادق العز.
يظن الحاقدون، واهمين، أن العصبية الجاهلية يمكن أن تفصل بين العين وأختها، أو أن تباعد بين قلوبٍ تعاهدت تحت راية القرآن، لكنك بوعيك الأقدس، وعاطفتك العروبية الإسلامية الأصيلة، كنت دائماً الجسر الإلهي الذي يربط القلوب، فلا فُرسٌ ولا عرب في حضرة العشق والشهادة، بل هي أمةٌ واحدة، نبضٌ واحد، ودمٌ واحد يسيل ليغسل أدران هذا العالم المادي الموحش.
كم هو دافئٌ ذلك المحراب الذي تقف فيه مناجياً، وكم هي صادقةٌ تلك اليد الوحيدة المرفوعة نحو السماء، تعوض عن الأخرى التي قُدمت قرباناً على مذبح الحرية والكرامة! تلك اليد التي تمسح على رؤوس الأيتام، هي نفسها التي ترسم بوعيها خطوط الفتح والنصر الحتمي.
أنتَ لست مجرد تاريخٍ يُكتب، بل أنت الشريان الحي الذي يغذي عروق الجهاد بالصبر واليقين، حين تبتسم في وجه العواصف، يورق الأمل في قلوبنا، وحين تشتد الخطوب، نلوذ بفيض حنانك الأبوي الممتد من منبتك العَلوي النقي.
يا رفيق سليماني وشقيق روحه، ويا من بكت عيناه لرحيل سماحة العشق نصر الله و القادة السنوار وهنية.. ها أنت تقف كالطود الشامخ، تحرس الحلم، وتقود الموكب بقلبٍ يقطر وجداً وعشقاً، وعينٍ ترنو إلى كربلاء، وأخرى تشق حجب الغيب نحو القدس الشريف.
وهكذا.. في لحظةٍ تزلزلت فيها الأرض وخشعت الأرواح، ترجلتَ أيها الفارس الحُسيني عن صهوة الصبر، لتلتحق بموكب العشق الأسمى، وتطوي سجلاً حافلاً بالجهاد والدموع.
آهٍ.. كيف للقلوب أن تحتمل رحيلك، وأنت الذي كنت تمسح على قلوبنا كلما داهمنا الفقد؟
وكيف للعيون أن تجف، وهي تراك تسير بخطىً مطمئنة نحو معراجك الأبدي، تاركاً خلفك عباءةً تملؤها عطور الشهداء، ويداً جريحاً ارتفعت طويلاً في محراب الصمود حتى عانقت عنان السماء؟
لقد مضيتَ يا سيدي… مضيتَ إلى حيث تشتاق وتطير روحك الطاهرة، إلى رحابِ جدك المصطفى، إلى كنفِ عليٍّ والزهراء، وإلى عناقٍ طال انتظاره مع شقيق روحك سليماني، ورفيق دربك نصر الله، وأقمارك الذين سبقوك مستبشرين، ها أنت تتبوأ مقعدك في ضيافة الله الأبدية، شهيداً، ولياً، ومنارةً لن تطفئ العواصف نورها.
نم قرير العين يا بن فاطمة… فالراية التي حملتَها بنبض عروقك وجمر سنينك لن تسقط، والقبضات التي ربيتها على عينك ستبقى شاخصةً نحو القدس، تكمل المسير من أبي جبريل إلى مجتبى ونعيم، حتى يُقطع دابر الطغيان.
وداعاً يا قنديل الروح… وداعاً يا أبا الأحرار وملاذ المستضعفين…
نسأل الله أن يلحقنا بركبك، وأن يسقي قلوبنا الصابرة بمُزون اليقين..
فسلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم جاهدت، ويوم عرجت شهيداً حياً في قلوبنا إلى يوم الدين..
سلاااااااامٌ لروحك الطاهرة… سلام.
