لم يكسرهم العدوان.. صمود اليمنيين يعيد رسم معادلة المنطقة

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 يوليو 2026مـ – 22 محرم 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

أثبتت الهبّة الشعبية القبلية والعمالية والنخبوية وحتى الطلابية التي ملأت الساحات الحرة أن ما يعيشه اليمن اليوم ليس حالة طارئة أو ردّة فعل آنية، بل هو امتداد لمسار طويل من المقاومة والصمود وتراكم الوعي الوطني الرافض لكل أشكال الوصاية والارتهان للخارج.

هو أيضا نتيجة طبيعية لسنوات من التضحيات التي قدّمها الشعب اليمني، والتي أعادت تشكيل الواقع وفرضت معادلة جديدة وغير قابلة للتعديل والنقاش إلا بإرادة اليمنيين أنفسهم وشروطهم الوطنية. إذ أثبت هذا الشعب الأبي -رغم كل ما تعرض له من حرب وحصار وضغوط اقتصادية وإنسانية- أنه يمتلك القدرة على الصمود وحماية قراره والدفاع عن حقه في السيادة والاستقلال.

كما لم تكن هذه الهبّة تعبيرًا عن لحظة انفعال عابرة، وإنما انعكاسًا لحالة وطنية تراكمت عبر سنوات طويلة من المواجهة والمعاناة. فقد تحمل اليمنيون أعباء هائلة، من فقدان الأرواح، وتدمير البنية التحتية، وتدهور الأوضاع المعيشية، والقيود المفروضة على الحركة والاقتصاد، لكنهم حافظوا على تماسكهم الاجتماعي وعلى قدرتهم بالبقاء جبهة واحدة في مواجهة أصعب الظروف.

تماسك ووعي وقدرة على التأثير
خلال هذه السنوات كان الشعب اليمني هو أساس كل هذه التفاعلات الوطنية، وهو الطرف الذي دفع الكلفة الأكبر في مسار الأحداث، فقد استطاع -بصبره وثباته- أن يرسم اتجاهًا مختلفًا عما كان عليه الوضع خلال العقود الماضية، وأن يحوّل سنوات المعاناة إلى حالة من التماسك والوعي والقدرة على التأثير.

لم يقبل اليمنيون أن تتحول مرحلة الانتظار إلى واقع دائم، ولم يسمحوا بأن تصبح الضغوط المفروضة عليهم وسيلة لترويضهم أو دفعهم إلى القبول بالأمر الواقع، بل راكموا عوامل القوة والصمود، وأثبتوا خلال سنوات المواجهة أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير المعادلات مهما كانت الفوارق في الإمكانات.

ومن هنا جاءت التحولات المتتالية التي انطلقت من سلسلة من المفاجآت التي أذهلت العالم، وقادت إلى انتزع اعتراف العدو قبل الصديق بأن الشعب اليمني بات يمتلك مقومات فرض واقع جديد، واقع يقوم على إنهاء القيود واستعادة الحقوق وفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة سياسيًا واقتصاديًا، تقوم على تعزيز الاستقلال في القرار الوطني، وتنمية القدرات الذاتية، والاستفادة من الإمكانات والثروات الوطنية، وبناء حضور فاعل على المستويين الإقليمي والدولي.

سنوات الصبر وتراكم الضغوط
إن انتقال الشعب اليمني اليوم إلى قرار إنهاء العدوان وكسر الحصار يأتي نتيجةً طبيعيةً لمسار من التراكمات السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ثم خلال مرحلة الجمود التي اتسمت بحالة اللاحرب واللاسلم، فمع استمرار القيود المفروضة على حياة اليمنيين وحركتهم ونشاطهم الاقتصادي، تعززت القناعة بأن سياسة الانتظار الطويل لم تكن سوى محاولة لإبقاء اليمن تحت الضغط، وإجباره على القبول بواقع لا ينسجم مع تطلعات شعبه غير أن اليمنيين، الذين واجهوا أصعب الظروف، أثبتوا أن صبرهم لا يعني القبول بالاستمرار في المعاناة، وأن التحمل لا يلغي حقهم في المطالبة بالعدالة والسيادة وإنهاء كل أشكال العدوان.

إثر ذلك تحولت سنوات الصبر إلى مرحلة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الاعتماد على الذات، وأصبح إنهاء الحصار ورفع القيود واستعادة الحقوق الوطنية مطلبًا حتميا لا فصال فيه، يرتبط بكرامة الشعب ومستقبل الدولة، وليس مجرد ملف تفاوضي قابل للتأجيل والتسويف.

اختراق في جدار القيود
وفي هذا السياق، جاءت التطورات المرتبطة بملف الحصار الجوي بكونه واحدًا من أبرز مظاهر القيود التي أثرت بشكل مباشر على حياة اليمنيين فالمطارات والمنافذ ليست مجرد منشآت خدمية، وإنما تمثل حقًا أساسيًا للشعوب في الحركة والتواصل وإدارة مصالحها بعيدًا عن أي تدخلات خارجية.

لهذا اعتبر مراقبون أن وصول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء مؤشر على حدوث اختراق قوي في جدار القيود المفروضة على حركة اليمنيين، وعلى جدية التحرك لتجاوز هذه القيود، فالقضية لا تتعلق بمجرد إجراءات فنية تخص الطيران، وإنما ترتبط بجوهر السيادة الوطنية وحق اليمنيين في إدارة علاقاتهم وشؤونهم بعيدًا عن الإملاءات.

وعلى ذلك يرفض اليمنيون اليوم أي حديث عن إمكانية تحرك التحالف العدواني للتخفيف من القيود المفروضة على المطارات اليمنية فقط، فهي مسألة فشلت السعودية وأمريكا فيها خلال السنوات الماضية وإنما يشدد الشعب اليمني على وقف العدوان إجمالا، ورفع الحصار كاملا، والعمل بما تضمنته خارطة الطريق حرفيا، بما في ذلك دفع التعويضات وإعادة الإعمار، وهذا فقط ما يمكن أن يحقق السلام.

وقد أثبتت التجربة أن سياسة الحصار لم تؤدِ إلى كسر إرادة الشعب اليمني، بل عززت تمسكه بحقوقه، وجعلت إنهاء العدوان ورفع القيود الشاملة أساسًا لأي سلام حقيقي ومستدام.

ما لم يعد قابلًا للتمديد
الصوت اليوم هو صوت الشعب الذي تحمل تبعات سنوات طويلة من الحرب والحصار، وهو الشعب الذي دفع ثمن القرارات والسياسات العدوانية السعودية الأمريكية، وهُم وحدهم من يدفعون اليوم في اتجاه إغلاق كل الملفات، والعمل على واحد من أمرين: إما إنهاء كل مظاهر العدوان والحصار بلا شروط، أو العودة للحرب. فما عاشه اليمنيون ووصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية، لم يعد قابلا للتمديد.

فالحصار فرض واقعا سيئا على كل تفاصيل الحياة عندما امتد ليشمل مختلف المجالات، وأثر في حياة المواطنين، وفي قدرة اليمن على استعادة عافيته الاقتصادية، حيث برزت القيود المرتبطة بالحركة والتنقل، وتدفق السلع، وإدارة الموارد الوطنية، بكونها ملفات مترابطة شكلت -في مجملها- جوهر الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

في هذا المناخ المحاصَر عانى اليمنيون من التداعيات المريرة في مختلف تفاصيل حياتهم؛ من صعوبة التنقل، إلى القيود على دخول السلع، إلى تراجع الخدمات والقدرة الاقتصادية، وهي المعاناة التي وصفتها المنظمات الدولية بأنها من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم لم تعد قابلة للاستمرار أو التمديد.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة أصبحت تفرض الحاجة الملحة لمعالجة جذرية، تقوم على إنهاء كل مظاهر العدوان ورفع الحصار ومعالجة آثار السنوات الماضية، بما يضمن للشعب اليمني حقه في حياة مستقرة وسيادة كاملة على أرضه وقراره.

مؤشر على طبيعة المرحلة القادمة
يؤكد مراقبون بأن سنوات العدوان السعودي الأمريكي على اليمن ولّدت واقعاً معقداً تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتصبح المعركة مرتبطة بقضايا أكثر اتساعاً تمس جوهر الدولة وحياة شعبها وقدرتها على إدارة شؤونها. فالحصار لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجموعة من الإجراءات، بل باعتباره منظومة متكاملة من الانتهاكات الصارخة والفجّة لكل الأعراف والثوابت والقوانين الإنسانية.

وكان إغلاق مطار صنعاء الدولي أحد أبرز مظاهر هذه المعاناة، إذ ارتبط بحياة آلاف اليمنيين الذين احتاجوا إلى السفر للعلاج أو الدراسة أو متابعة أعمالهم ومصالحهم. ولذلك فإن إنهاء هذا الملف يمثل أكثر من مجرد خطوة إجرائية على طريق رفع كامل الحصار، فهو يعكس حجم التحول في المرحلة المقبلة ومدى القدرة على تجاوز آثار سنوات الحرب.

وفي المحصلة، فإن ما يحدد المستقبل اليوم ليس حدثًا منفردًا، بل إرادة شعب صمد طويلًا وقدم تضحيات كبيرة وتمسك بحقه في تقرير مصيره. فالشعب اليمني -الذي تحمل سنوات العدوان والحصار والضغوط الاقتصادية- أثبت أن صبره لم يكن استسلامًا، وأن تضحياته أصبحت عاملًا أساسيًا في صناعة التحولات التي تشهدها البلاد، ورسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار الوطني وبناء مستقبل أكثر استقلالًا.