العابد: مشروعُ الإمام الخميني إرثٌ قياديٌّ يتجذر في وعي ووجدان الشعب الإيراني

12

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

7 يوليو 2026مـ – 22 محرم 1448هـ

شكلت الحشود المليونية التي شاركت في مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي محطة مفصلية كشفت حجم الالتفاف الشعبي حول القيادة والثورة الإسلامية، ورسخت معادلة جديدة تؤكد أن الضغوط العسكرية والحصار والحرب النفسية لم تفلح في إضعاف تماسك الشعب الإيراني أو التأثير في خياراته الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي، محمد العابد، إن المشهد المهيب الذي شهدته شوارع طهران مثل رسالة سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة والعدو الصهيوني وكل الأطراف التي راهنت على حدوث انقسام داخلي عقب استشهاد القائد، مشيراً إلى أن الجماهير خرجت لتجدد العهد بالمضي على النهج ذاته، ولتؤكد أن المشروع الذي أسسه الإمام الخميني واستمر بقيادة الإمام الشهيد أصبح متجذراً في وجدان الشعب الإيراني.

وأوضح العابد في لقاء خاص مع قناة المسيرة اليوم الثلاثاء، أن الإمام الشهيد قاد الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، استطاع خلالها تحويل إيران إلى قوة إقليمية تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً وشعبياً واسعاً، الأمر الذي انعكس بوضوح في حجم المشاركة الشعبية غير المسبوقة في مراسم التشييع.

وأضاف أن الحشود الجماهيرية نسفت بصورة عملية كل التصورات الأمريكية التي روجت لانهيار الجبهة الداخلية الإيرانية، مبيناً أن الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت تراهن على أن يؤدي استهداف القيادة إلى إحداث حالة من الفوضى والانقسام، إلا أن المشهد جاء معاكساً تماماً، حيث ظهر الشعب الإيراني أكثر تماسكاً والتفافاً حول قيادته ونهجه.

وأشار إلى أن هذه المشاهد أعادت إلى الأذهان محطات مشابهة عاشتها شعوب محور المقاومة، مستشهداً بالتجربة اليمنية التي أثبتت أن استشهاد القادة يزيد الشعوب تمسكاً بالمشروع الذي حملوه، ويمنحها زخماً أكبر لمواصلة طريق المواجهة، وهو ما ظهر في مختلف المناسبات الجماهيرية التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية.

ولفت إلى أن سر هذه الصلابة يكمن في المرجعية القرآنية والثقافة الإيمانية التي تربط الشعوب بقضاياها الكبرى، موضحاً أن العلاقة بين القيادة والجماهير في إيران لم تُبن على المصالح الآنية أو الحسابات السياسية الضيقة، وإنما على قناعة راسخة بمشروع الاستقلال والسيادة ومواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية.

وبيّن الكاتب والمحلل السياسي أن الجمهورية الإسلامية نجحت، منذ انتصار الثورة الإسلامية، في بناء مشروع حضاري متكامل تجاوز حدودها الجغرافية، وأسهم في تأسيس محور المقاومة الذي أصبح رقماً صعباً في معادلات المنطقة، مؤكداً أن الإنجازات التي تحققت على امتداد العقود الماضية جاءت نتيجة رؤية استراتيجية طويلة المدى، عززت من مكانة إيران ومحور المقاومة في مواجهة المشاريع الأمريكية.

وذكر أن الولايات المتحدة أخطأت في قراءة طبيعة المجتمع الإيراني، كما أخطأت سابقاً في تقدير مواقف شعوب المنطقة، موضحاً أن أدوات الحرب الإعلامية والدعاية السياسية لم تستطع تغيير قناعات الشعوب التي اختارت الوقوف إلى جانب قضاياها المصيرية، وهو ما تجسد بوضوح في المشاركة الشعبية الواسعة خلال مراسم التشييع.

وأفاد أن وسائل الإعلام الغربية نفسها اضطرت إلى الاعتراف بحجم المشاركة الجماهيرية، الأمر الذي وضع الرواية الأمريكية في موقف حرج، بعدما ظلت لسنوات تروج لوجود فجوة بين الشعب الإيراني وقيادته، بينما جاءت الوقائع الميدانية لتؤكد عكس ذلك تماماً.

ورأى أن التشييع المليوني يحمل أبعاداً تتجاوز حدود إيران، إذ يعكس حالة التماسك داخل محور المقاومة بأكمله، ويوجه رسالة بأن سياسة الاغتيالات واستهداف القيادات لن تحقق الأهداف التي يسعى إليها الأعداء، بل ستزيد من حضور المشروع الذي حمله هؤلاء القادة، ومن التفاف الجماهير حوله، مشيراً إلى أن استشهاد القادة التاريخيين غالباً ما يتحول إلى عامل تعبئة شعبية وسياسية، ويمنح الأجيال الجديدة دافعاً إضافياً للاستمرار في مسيرة المواجهة، وهو ما أثبتته تجارب اليمن ولبنان والعراق وفلسطين، حيث تحولت دماء الشهداء إلى مصدر قوة عزز من صمود شعوب المنطقة وثباتها.

ونوه العابد إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الحضور الإيراني على المستويات السياسية والإقليمية والدولية، مستنداً إلى الزخم الشعبي الكبير الذي أظهرته مراسم التشييع، وإلى القناعة المتزايدة لدى شعوب المنطقة بأن مشروع المقاومة أصبح أكثر رسوخاً وقدرة على مواجهة التحديات، مبيناً أن الرسالة الأبرز التي حملتها الحشود المليونية تتمثل في أن إرادة الشعوب لا يمكن كسرها بالقوة، وأن محاولات فرض الهيمنة أو تغيير قناعات الأمم عبر الحروب والضغوط مصيرها الفشل، بينما يبقى الالتفاف الشعبي حول المبادئ والقيم عاملاً حاسماً في صناعة الثبات وتحقيق الانتصارات.