كسر الحصار الجوي وفرض معادلة السيادة بالقوة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
6 يوليو 2026مـ – 21 محرم 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
في مؤشر واضح على تراجع القدرة على الردع أمام المعادلات الجديدة، لم يجرؤ سلاح الجو السعودي على استهداف الطائرة الإيرانية، أو اعتراض مسارها بشكل مباشر وهي تتجه صوب مطار صنعاء الدولي، كما لم تضطر الطائرة المدنية إلى القيام بأي مناورات جوية قد تُفسر على أنها تراجع أو خوف من الإرهاب الجوي والتهديد العسكري السعودي.
هبطت الطائرة وأقلعت بسلام، فيما اضطرت الطائرات الحربية السعودية لمغادرة الأجواء اليمنية إثر ضربات الدفاع الجوي للقوات المسلحة. هذا الثبات الميداني يعكس ثقة عالية في مظلة الحماية والردع التي فرضها محور المقاومة، ويثبت أن التهديدات والتهويلات العسكرية التي طالما استُخدمت لترهيب المنطقة بقوة السلاح وحداثيته قد تكسرت أمام إرادة المواجهة وفرض السيادة كأمر واقع لا يقبل المساومة.
عواقب عرقلة المسار السيادي
في محاولة لتغطية هذا الانكسار الميداني والسياسي للسعودية وأمريكا، سارع أتباع التحالف ومبررو سياساته إلى الادعاء بأن الطائرة المدنية حظيت بـ”الامتناع” السعودي عن استهدافها لدواعٍ إنسانية أو لكونها غير عسكرية. غير أن هؤلاء تناسوا عمداً أن الحديث هنا يدور في الأصل عن مطارات مدنية ومنشآت حيوية فرضت عليها السعودية والولايات المتحدة حصاراً خانقاً منذ سنوات، متسببة في معاناة إنسانية شديدة لمئات الآلاف من اليمنيين، لا سيما المرضى والمسافرين. كما تناست تلك الأبواق أن تحالف العدوان لم يتردد سابقاً في الإعلان عن حتمية استهداف أي طائرة تتجه إلى المطارات اليمنية أو تقلع منها إلا بإذن من الرياض. كما أن التحالف استهدف -مرارا- مطار صنعاء الدولي نفسه ودمّر بنيته التحتية المدنية، وجعل أي حركة جوية تحاول كسر هذه العزلة المفروضة هدفاً مباشراً لصواريخه، ما يجعل التبرير الحالي مجرد محاولة بائسة لمداراة العجز عن مواجهة معادلة الردع الجديدة التي فرضها المحور بالقوة.
التفسير المنطقي والوحيد لعدم استهداف الطائرة الإيرانية يكمن في القناعة التامة والاضطرارية بما رسخه محور الجهاد والمقاومة من معادلات ردع ثابتة؛ فقد انتهى زمن استباحة الأجواء والمياه اليمنية دون ثمن، وبات الاتكاء على الحماية والشيطان الأمريكي بمثابة مقامرة غير مضمونة العواقب. كما تدرك قيادة دول تحالف العدوان جيداً أن ارتكاب أي حماقة أو عمل عسكري لعرقلة هذا المسار السيادي الجديد سيؤدي حتماً إلى تفجير الموقف برُمته، وإشعال حرب إقليمية واسعة لن تخمد نيرانها إلا بتداعيات قاسية ومزلزلة على عواصم واقتصادات دول العدوان. وهو ما أعلن عنه صراحة متحدث القوات المسلحة اليمنية بقوله “نحذر العدو السعودي بأن تكرار أي محاولة لخرق الأجواء أو عدوان يستهدف بلدنا سيقابل برد شامل باستهداف مطاراته ومصالحه الحيوية في البر والبحر”.
مبادرة إنسانية ومواقف إيمانية
الحدث الشجاع -الذي حضرت فيه قوة الإيمان وقوة التسليم لله سبحانه- مثّل بداية قوية وعملية لإنهاء الحصار غير القانوني وغير الإنساني. وفي السياق، أكد نائب وزير الخارجية اليمني أن هذا الثبات والاقتدار العسكري يدشن مرحلة جديدة من انتزاع الحقوق وكسر يد المعتدي، مثمناً “المبادرة الإنسانية والمواقف الإيمانية للجمهورية الإسلامية في كسر الحصار”.
وتضع هذه المعادلة الصارمة المنطقةَ أمام منعطف حساس، قد يقود إلى أحداث عاصفة ومواجهات أشد ضراوة إذا ما تجرأت القيادة السعودية على تجاوز هذه الحقيقة المستجدة. وهو ما استند إليه المراقبون للتأكيد بأن التسويف السعودي الأمريكي عن إنهاء حالة الوصاية على مطار صنعاء فضلا عن حصار الشعب اليمني أمرٌ لم يكن له أن يستمر إلى ما لا نهاية.
ترابط المحور في مواجهة التهديد
لا شك بأن ظهور محور المقاومة وتنامي قوته واقتداره على هذا النحو المتسارع وتثبيت معادلة وحدة الساحات شكّل صدمة استراتيجية غيرت مجرى الأحداث، وعطلت مفاعيل تلك المخططات. إذ تمكن المحور من كسر تأثير كل مفاهيم الخضوع والاستسلام التي رُوج لها طويلاً، وقطَع الطريق أمام الغرب الاستعماري لمنعه من السير في مشاريعه التدميرية، الأمر الذي أعاد حسابات القوى الاستكبارية إلى مربع البداية. كما لم يعد تأثير المحور مقتصرًا على عرقلة المشاريع الغربية والصهيونية فحسب، بل باتت الأوساط السياسية والعسكرية الدولية تخشى بجدية من أن يفرض هذا الصعود واقعاً جيوسياسياً جديداً، يتلاشى فيه تماماً أي تأثير أو نفوذ لتلك القوى، وينتقل فيه زمام المبادرة بالكامل إلى أيدي الشعوب الحرة.
وفي هذا السياق المتسارع جاءت قراءة “حدث الجمعة” باعتباره ترجمة عملية وميدانية لهذا الواقع الجيوسياسي الجديد الذي يتشكل في المنطقة. حيث نجحت الجمهورية الإسلامية في فرض معادلة ردع معقدة فرضت شروطها على الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وشلّت فاعلية الخزائن الخليجية التي طالما استُخدمت لتمويل المشاريع التدميرية. كما بات اليمن في موقع القوة الفاعلة والمؤثرة في المنطقة، وهو الذي لم يدخل في أي حسابات قط، بقدرته على المواجهة وإدارتها، وتدمير سمعة قوى عاثت طويلا وتصدرت قوائم القوة والنفوذ والهيمنة (أمريكا و”إسرائيل”).
وأمام هذا التحول التاريخي حُصر أرباب المشاريع التدميرية في زاوية العجز، ولم يعد بمقدورهم -في نقاشات غرفهم المغلقة- صياغة أي رؤية أو استراتيجية تضمن لهم البقاء كلاعبين مؤثرين، أو تمنحهم أي مستوى من المشاركة في تحديد معالم مصير المنطقة الذي بات يُكتب بأيدي شعوبها الحرة.
ارتباك الأعداء بسبب التحول الجديد
الاختراق الاستراتيجي لحالة الجمود التي تعمّدها التحالف السعودي الأمريكي أحدث زلزالاً خلف كواليس واشنطن والرياض وكيان الاحتلال. الزلزال أفقد ردود الأفعالِ الاتزانَ فجاءت بكثير من الوقاحة، ففي أمريكا كان مثيرا أن يأتي في تصريحات وزارة الخارجية والبنتاجون أن “الرحلة تقوض جهود التسوية السياسية في اليمن”، وهو ما رأى فيه مراقبون استخفافاً بالمجتمع العالمي الذي أيقن مبكرا بأن أمريكا والسعودية تمارسان ضد اليمنيين عملية ترويض لإجباره على التعايش مع المعاناة الناتجة عن الحصار، دون أن يكون هناك أي أفق لإنهائها.
كما لم يغب عن واشنطن توظيف الحدث للحفاظ على “الفزاعة الإيرانية”، في محاولة للإبقاء على ما زرعته في نفوس العالم ضد الجمهورية الإسلامية، وبالتالي الحفاظ على حالة الولاء للبيت الأبيض، فاعتبرت واشنطن أن تسيير هذه الرحلات إلى صنعاء “يُكرس من سيطرة إيران على المنافذ الجوية في جنوب شبه الجزيرة العربية”.
مراكز الدراسات الأمريكية رأت الحدث من زاوية أخرى، فخلصت في قراءتها إلى كشفِ عجزِ واشنطن والتحالف البحري “حارس الإزدهار” عن حماية حلفائهم، ما يعمّق فجوة الثقة الآخذة في الاتساع بين الإدارة الأمريكية وعواصم الخليج التي باتت تبحث عن معادلات أمنية بديلة ومستقلة. إذ غابت الطلعات الجوية للطائرات الأمريكية المنتشرة في المنطقة والمياه الدولية.
في الكيان الإسرائيلي نقل الإعلام العبري عن محللين صهاينة مخاوفهم من دلالات الحدث، محذرين من “أن كسر الحصار الجوي وربط صنعاء بطهران يكمل بناء الحزام الجوي والبحري الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب”. النخبة الصهيونية داخل الكيان لم تجد حرجا من محورة العالم حول كيانهم غير الشرعي، بتأكيدهم على أن تطور الحدث “يمثل تهديداً وجودياً مباشراً ومتقدماً” لأمن كيانهم انطلاقاً من الجبهة الجنوبية.
التأسيس لمرحلة تاريخية جديدة
يرى مراقبون بأن هذا الحدث الاستثنائي نُفّذ بأعلى درجات الذكاء السياسي والشجاعة الميدانية من قبل اليمن والجمهورية الإسلامية، مترافقاً مع جهوزية تامة واستعداد حاسم لمواجهة كافة الاحتمالات وردود الفعل المحتملة. وعلى ذلك، لا يعكس المشهد الحالي مجرد الانكسار للحصار الجوي المفروض على الشعب اليمني فحسب، بل يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة تبدو حبلى بأحداث وتطورات متسارعة ستفرض -بلا شك- واقعاً جيوسياسياً مستجداً يُثبّت الصياغة الجديدة لموازين القوى في المنطقة برمتها، وصعود إرادة شعوب محور المقاومة الحرة في تقرير مصيرها وحماية سيادتها.
