اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي : مشروع إذعان جديد يستهدف السيادة والمقاومة في لبنان

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
29 يونيو 2026مـ – 14 محرم 1448هـ

شكّل ما سُمّي بـ”اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي” تحولاً خطيراً يهدف إلى إعادة إنتاج الوصاية الأمريكية – الإسرائيلية على لبنان، وإخضاع قراره السيادي لمعادلات جديدة عجزت “إسرائيل” عن فرضها بالقوة العسكرية، فبعد أشهر من الحرب والعدوان والدمار، وبعدما فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه الاستراتيجية في الميدان، عاد المشروع الأمريكي – الإسرائيلي ليتقدم من بوابة السياسة والتفاوض، محاولاً انتزاع ما عجزت عنه الدبابات والطائرات والصواريخ.

منذ انطلاق العدوان على لبنان، كان الهدف الإسرائيلي المعلن إنهاء المقاومة وتجريدها من عناصر قوتها وإعادة رسم البيئة السياسية والأمنية في البلاد، لكن صمود المقاومة وثبات بيئتها الشعبية حال دون تحقيق هذه الأهداف، فقد فشل العدو الإسرائيلي في فرض وقائع جديدة على الأرض، وتعثر في إحداث انهيار عسكري أو سياسي للمقاومة، الأمر الذي دفع واشنطن و”تل أبيب” إلى الانتقال نحو مسار آخر يقوم على توظيف السلطة السياسية اللبنانية لتحقيق الأهداف نفسها تحت عناوين “الاستقرار” و”تطبيق القرارات الدولية” و”بسط سلطة الدولة”، ومن هنا فإن اتفاق الإطار يعتبر استكمالاً للحرب بوسائل سياسية ودبلوماسية.

مذكرة التفاهم الإيرانية–الأمريكية والفرصة الضائعة
لفهم الأبعاد الحقيقية لاتفاق الإطار لا بد من العودة إلى محطة حاسمة سبقته بأيام، وهي مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين إيران والولايات المتحدة في يونيو 2026 ضمن مسار محادثات باكستان (إسلام آباد). فقد نصّت هذه المذكرة -بشكل لا لبس فيه- على وقف الحرب على لبنان بوصفه البند الأول والرئيس، وربطت الانسحاب الإسرائيلي الكامل بجدول زمني صارم لا يتجاوز ستين يوماً، من دون أي قيد أو شرط داخلي يتعلق بسلاح المقاومة أو بتركيبتها الأمنية. كما تضمّنت ضمانة صريحة لسلامة أراضي لبنان وسيادته الكاملة، وهو ما كان يضع الحكومة اللبنانية في موقع القوة لو أرادت استثمار هذا الإنجاز الدبلوماسي لفرض انسحاب غير مشروط وإعادة تأكيد السيادة الوطنية.

إلا أن السلطة اللبنانية، ممثلة بثنائي القرار جوزف عون ونواف سلام، اختارت عكس ذلك تماماً. فبدلاً من التمسك بالمذكرة كورقة ضغط إقليمية ودولية، رفضت توظيفها، وذهبت طواعية إلى مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني تحت إملاءات أمريكية صريحة، تولّى هندستها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. الهدف الاستراتيجي من هذا الانعطاف -بحسب ما تكشفه المواقف والتصريحات- كان تقويض مفاعيل مسار إسلام آباد، ومنع أي تقارب دولي يصب في مصلحة لبنان ومقاومته وشعبه، وفتح المجال أمام ترتيبات تكرّس الوجود الإسرائيلي وتمنح الكيان الصهيوني ما عجز عن تحقيقه في الميدان العسكري.

مضمون الاتفاق المعلن والوجه الحقيقي
يُظهر التدقيق التحليلي المعمق في بنود “اتفاق الإطار الثلاثي” الذي نشرته الخارجية الأمريكية أن الحديث الرسمي عن بسط سلطة الدولة والجيش اللبناني على كامل الأراضي وتطبيق القرار 1701 ومندرجات اتفاق الطائف ليس سوى غطاء شرعي وسياسي لتمرير أجندة إسرائيلية متكاملة، ففي صلب الاتفاق مادتان رئيستان ترهنان أي انسحاب إسرائيلي بـ”التحقق الفعلي” من نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية بالكامل، وبإنشاء “مناطق تجريبية” يتولى فيها الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية، ولكن تحت عين الرقابة الإسرائيلية اللصيقة وبإشراف مباشر من “فريق تنسيق عسكري مشترك” بمشاركة أمريكية فاعلة.

هذا الترتيب يعني -بالمكشوف- إعطاء العدو الصهيوني سلطة منح أو حجب “شهادة حسن سلوك” للدولة اللبنانية وجيشها. وهي الشهادة التي سيتحكم من خلالها العدو بتوقيت الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وبمدى التزام لبنان بتعهداته، ويتطابق هذا المضمون تماماً مع ما أعلنه مجرم الحرب “بنيامين نتنياهو” متباهياً بـ”إنجاز كبير لإسرائيل”، حين أكد أن الاتفاق يمثل “ضربة كبيرة لإيران التي حاولت فرض انسحاب علينا من جنوب لبنان”، مشدداً على أن “أهم ما في الاتفاق هو أننا سنبقى في المنطقة الأمنية الواقعة تحت سيطرتنا”. ولم يكتفِ بذلك، بل رسم السقف الاحتلالي بوضوح تام: “سنبقى في جنوب لبنان طالما لم ينزع سلاح حزب الله، ولن نسمح له ولأهل الجنوب بالدخول إلى المنطقة الأمنية”، وأضاف بنبرة الوصي: “سنسمح للجيش اللبناني بالانتشار والسيطرة على مناطق معينة في الجنوب، ونؤكد عدم وجود أي دور لإيران وحزب الله في لبنان”.

وهكذا، يتحول الاتفاق في جوهره إلى صك إذعان يمنح العدو الإسرائيلي حق الرقابة والوصاية الأمنية على لبنان، ويفرض واقعاً يسمح ببقاء الاحتلال سنوات طويلة، فيما يتحوّل المواطنون المهجّرون إلى أوراق ضغط وابتزاز مستمرة، وقد عزّز مجرم الحرب نتنياهو هذا التوجه بتأكيده الصريح أنه “سيحافظ على حرية العمل العسكري داخل الشريط الأمني في لبنان”.

تنازل مجاني عن عناصر القوة اللبنانية
تعتبر المقاومة أن أخطر ما ارتكبته السلطة اللبنانية هو تخليها عن أوراق القوة التي كانت بين يديها، وعلى رأسها التفاهمات الإيرانية الأمريكية التي تضمنت انسحاباً إسرائيلياً غير مشروط من الأراضي اللبنانية، مع الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي اللبنانية وإبعاد شؤونها الداخلية عن التدخلات الخارجية، لكن القيادة السياسية في لبنان سعت إلى نقل لبنان من موقع يمتلك فيه أوراق ضغط سياسية وميدانية إلى موقع المتلقي للإملاءات والشروط الإسرائيلية، دون أن يحصل في المقابل على أي ضمانات حقيقية تحفظ سيادته أو تؤمن انسحاباً كاملاً للاحتلال.

ويكمن جوهر الاعتراض على الاتفاق في ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة بشكل كامل، فهذا الشرط يعني عملياً أن العدو الإسرائيلي هو من يحدد توقيت انسحابه، وهو من يقرر ما إذا كانت الشروط المطلوبة قد تحققت أم لا، وبذلك يصبح الجنوب اللبناني رهينة للقرار الإسرائيلي، وتتحول الأرض المحتلة إلى ورقة ابتزاز دائمة، وهو ما يؤسس لشرعنة بقاء الاحتلال لسنوات طويلة وربما لعقود، تحت ذرائع أمنية متجددة.

كما أن من أخطر البنود تلك التي تتحدث عن ترتيبات أمنية ولجان تنسيق وآليات رقابة مشتركة، فهذا يعني عملياً أن انتشار الجيش اللبناني ومساره الميداني يصبح خاضعاً لمراقبة إسرائيلية وأمريكية، وأن الانتقال من مرحلة أمنية إلى أخرى يحتاج إلى موافقة ضمنية أو صريحة من العدو الإسرائيلي، وبمعنى آخر فإن الدولة اللبنانية تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من عدوها لكي تمارس سيادتها، ومن هنا فإن الاتفاق مشروع لتقويض السيادة اللبنانية ووضع الجيش اللبناني تحت مظلة رقابة أمنية أمريكية إسرائيلية.

ومن أخطر ما تحذر منه المقاومة أن الاتفاق لا يستهدف فقط سلاحها، بل يسعى أيضاً إلى خلق صدام داخلي لبناني – لبناني فمحاولة وضع الجيش اللبناني في مواجهة المقاومة وحاضنتها الشعبية تمثل وصفة خطيرة لزعزعة الاستقرار وإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، ولهذا تؤكد المقاومة -باستمرارٍ- تمسكها بمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” بوصفها الضمانة الحقيقية لحماية لبنان ومنع انزلاقه إلى الفوضى أو الحرب الأهلية.

كما أن المقاومة لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إجراءً أمنياً محدوداً، بل تعتبره جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة صياغة النظام اللبناني وفق الرؤية الأمريكية – الإسرائيلية، ويشمل ذلك إضعاف قوى المقاومة وإعادة هندسة موازين القوى الداخلية وفرض ترتيبات سياسية جديدة، وتحويل لبنان إلى دولة منزوعة القدرة على الردع وكذلك تكريس تبعية القرار اللبناني للخارج، وبذلك يصبح اتفاق الإطار، مقدمة لمرحلة سياسية جديدة تهدد هوية لبنان وخياراته الاستراتيجية.

اتفاق الإذعان في مرمى الرفض الوطني: قراءة في المواقف
في مواجهة هذا المسار التنازلي، جاءت مواقف قيادة المقاومة لتعبّر عن شرعية وطنية ودستورية لا يمكن تجاهلها، فقد حذّر الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم من أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة من كل لبنان طرحٌ خطير جداً يتجاوز كل الخطوط الحمراء، موضحا أن الاتفاق منعدم الوجود ومعتبراً أن السلطة تشرعن بقاء الاحتلال لسنوات طويلة، وقد تصل إلى ضمّ الأراضي إلى الكيان الصهيوني. وتوقّف الشيخ قاسم أمام المفارقة الكبرى: كيف للسلطة أن ترفض توظيف مذكرة التفاهم الإيرانية–الأمريكية التي كانت تمنحها سقفاً سيادياً عالياً، ثم تذهب إلى واشنطن لتوقّع اتفاقاً يعطي “إسرائيل” ما عجزت عن انتزاعه بالقوة؟، وتساءل باستنكار: “أين أمانة السلطة ومسؤوليتها تجاه شعبها وحماية سيادة لبنان؟”.

أما رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد فذهب إلى وصف بيان الإطار الثلاثي بأنه نعيق بومٍ في لبنان والمنطقة، وكشف أن النص تعمّد قلب الحقائق، وتبنّي وارتكاب المحرّمات والموبقات عن سابق قصدٍ وتصميم، ورأى فيه تعبيراً عن خضوع السلطة اللبنانية الكامل لمنطق الوصاية الأمريكية وتواطؤها مع العدو الصهيوني ضد شعبها. وحذّر من أن جوهر الاتفاق يكمن في “دوره الشيطاني الخبيث” الهادف إلى تغطية بقاء الاحتلال، وتوفير مخرج لأمريكا للتنصّل من التزامها مع إيران بانسحاب إسرائيلي كامل.

هذه المواقف تستند إلى المادة 52 من الدستور اللبناني التي تحظر إلغاء العداء مع الكيان الإسرائيلي أو إبرام اتفاقات تمس بالسيادة الوطنية من دون وفاق وطني جامع. إن السلطة الحالية، بإقدامها على هذا التوقيع في واشنطن، تكون قد تجاوزت الأصول الدستورية والميثاقية، ودخلت في مواجهة مع أكثر من نصف الشعب اللبناني الذي يرى في المقاومة الضمانة الوجودية في وجه الأطماع الصهيونية.

ومن هذا المنطلق، ترى المقاومة أن معركة رفض هذا الاتفاق هي معركة دفاع عن هوية لبنان وسيادته وحقه في أن يكون دولة حرة مستقلة لا تخضع لإملاءات الاحتلال أو الوصاية الأجنبية.