اليمن وعاشوراء.. ثورة الحسين عليه السلام حاضرة في وجدان أمة ترفض الانكسار
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 يونيو 2026مـ – 11 محرم 1448هـ
إن ذكرى عاشوراء في اليمن هي حدث يتجدد كل عام ليؤكد أن كربلاء قضية متجددة تتجاوز الحدود لتتحول إلى منهج في مواجهة الظلم، وإلى مدرسة في صناعة الوعي وبناء الإرادة الحرة. في المشهد اليمني هذا العام، بدت ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى، فالمسيرات المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات كانت تعبيراً عميقاً عن حالة شعب اختار أن يقرأ التاريخ من زاوية المسؤولية، وأن يستلهم من ثورة الحسين عليه السلام معاني العزة والكرامة والرفض المطلق للذل والاستسلام.
لقد حملت الجماهير اليمنية، وهي تردد شعار الإمام الحسين الخالد “هيهات منا الذلة”، رسالة واضحة مفادها أن الشعوب الحية لا تموت مهما اشتدت عليها المحن، وأن الإنسان المؤمن بقضيته يستطيع أن يحول التحديات إلى قوة، والحصار إلى صمود، ودافع لمزيد من الثبات.
كربلاء.. صراع الحق والباطل المتجدد
إن جوهر عاشوراء كان مواجهة أخلاقية وحضارية بين مشروعين؛ مشروع أراد أن يحول الأمة إلى أتباع خانعين لا رأي لهم ولا موقف، ومشروع آخر مثله الإمام الحسين عليه السلام، قام على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
ومن هنا يقرأ اليمنيون كربلاء بوصفها نموذجاً متكرراً في التاريخ الإنساني؛ فكل عصر يملك يزيده وطغيانه، وكل مرحلة تحتاج إلى موقف حسيني يرفض الانحراف ويقاوم الظلم ويعيد للأمة بوصلتها الأخلاقية والإنسانية.
ولهذا لم يكن غريباً أن تربط الجماهير اليمنية بين ذكرى عاشوراء وما تشهده الأمة اليوم من مآسٍ وحروب واحتلال وحصار، وأن ترى في فلسطين وغزة ولبنان واليمن ساحات تتجدد فيها معاني كربلاء، حيث يقف المستضعفون في مواجهة قوى تمتلك المال والسلاح لكنها تفتقد شرعية الحق وعدالة القضية.
اليمن.. شعب يقرأ التاريخ بعين الحاضر
لقد أثبت اليمنيون خلال السنوات الماضية أنهم لا يتعاملون مع الأحداث الكبرى باعتبارها صفحات من الماضي، وإنما باعتبارها دروساً حية يجب أن تتحول إلى مواقف عملية؛ ولهذا جاءت مسيرات عاشوراء هذا العام لتؤكد أن الشعب اليمني يرى في الإمام الحسين عليه السلام شخصية رمزاً للإنسان الحر الذي رفض المساومة على المبادئ مهما كانت الكلفة.
إن هذا الحضور الجماهيري الواسع يعكس وعياً مجتمعياً عميقاً بأن الأمم التي تنسى رموزها وقيمها الكبرى تفقد قدرتها على المقاومة، بينما الشعوب التي تحفظ ذاكرتها التاريخية وتستلهم من رموزها معاني التضحية والإباء تستطيع أن تصنع مستقبلها بنفسها.
من كربلاء إلى غزة.. وحدة المظلومية ووحدة الموقف
وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لعدوان وحشي وحصار خانق، يجد اليمنيين في عاشوراء مناسبة لاستحضار المظلومية الإنسانية التي تعرض لها الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه. ففي كربلاء قُتل عظماء الأمة وحوصرت النساء وذبح الأطفال ومنع الماء عن العطاشى، وفي غزة تتكرر صور الحصار والقتل والدمار، بما يجعل عاشوراء بالنسبة لأحرار الأمة حدثاً حياً يذكرهم بأن الظلم وإن اختلفت صوره وأدواته، فإنه يبقى واحداً في جوهره.
ومن هنا جاءت الهتافات المؤكدة على استمرار موقف اليمن في نصرة قضايا الأمة، باعتبار أن الانتصار للمظلومين هو مبدأ أخلاقي وإنساني متجذر في الوعي اليمني.
عاشوراء وصناعة الإنسان الحر
إن أعظم ما قدمته ثورة الإمام الحسين عليه السلام للأمة هو أنها صنعت نموذج الإنسان الذي لا يقايض مبادئه بالمكاسب، ولا يبيع حريته مقابل الأمن الزائف، ولا يقبل أن يعيش ذليلاً تحت سلطة الظالم؛ ولهذا فإن إحياء عاشوراء في اليمن لا يقتصر على استذكار الفاجعة، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ قيم الصبر والتضحية والكرامة والثبات، وتربية الأجيال على أن الحق قد يحتاج إلى تضحيات جسيمة، لكنه يظل الطريق الوحيد الذي يصنع للأمم عزتها وكرامتها.
اليمن وعاشوراء.. هوية لا تنكسر
لقد أظهرت المسيرات المليونية أن اليمن ما يزال يحتفظ بقدرته الفريدة على تحويل المناسبات الدينية إلى محطات للتعبئة المعنوية وتجديد الهوية وتعزيز التلاحم الشعبي ففي الزمن الذي تتعرض فيه كثير من المجتمعات لحالات من التفكك والضياع، يبدو المشهد اليمني وكأنه إعلان متجدد بأن الأمة التي تستحضر رموزها الكبرى وتتمسك بقيمها الحضارية قادرة على الصمود في وجه التحديات.
وعليه، فإن عاشوراء في اليمن أصبحت مشروعاً للوعي ومصدراً للإلهام ومنهجاً في صناعة الموقف، إنها رسالة متجددة تقول إن الدم الذي سُفك في كربلاء لم يكن نهاية قصة، بل بداية مسار طويل من مقاومة الظلم والانتصار للحق.
ولهذا سيبقى صوت الإمام الحسين عليه السلام يتردد في وجدان الأحرار عبر الأجيال: هيهات منا الذلة؛ كعقيدة حياة وموقف أمة اختارت أن تكون حرة مهما بلغت التضحيات.
