الثبات على خيار المقاومة وإخفاق رهانات العدو يرسخان المعادلات في لبنان والمنطقة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
26 يونيو 2026مـ – 11 محرم 1448هـ
تشهد الساحة اللبنانية تحولات متسارعة تؤكد تراجع قدرة العدو الصهيوني على فرض مخططاته وإملاءاته، في مقابل تصاعد حضور المقاومة كطرف قادر على فرض معادلات جديدة ميدانياً وسياسياً.
وتتجلى هذه التحولات من خلال استمرار العدو في انتهاك اتفاقات وقف إطلاق النار، في محاولة لتعويض عجزه العسكري عبر الضغوط السياسية والأمنية، بينما تتزايد المؤشرات على فشل هذه المحاولات في انتزاع ما عجز عن تحقيقه في الميدان، وسط تمسك قوى المقاومة بحقها في حماية السيادة ومواجهة أي اعتداء.
كما تفتح التطورات الأخيرة الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بعد أن كشفت المواجهات محدودية فاعلية قواعده العسكرية، وهو ما يكرس واقعاً جديداً تتقدم فيه إرادة شعوب المنطقة على حساب المشاريع الأمريكية والصهيونية.
وفي هذا السياق، يعتبر الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العقيد أكرم كمال سيروي أن الاحتلال الإسرائيلي لم يقبل بوقف إطلاق النار إلا بعدما فرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الولايات المتحدة إلزامه بذلك، مؤكداً أن “الكيان الصهيوني أعرب أكثر من مرة أنه لا يريد هذا الاتفاق، ولم يُستشر قادته فيه، ويحاول بشتى الطرق تقويضه من البوابة اللبنانية”.
ويضيف في مداخلة على قناة المسيرة، أن الاتفاق وُصف في الأوساط الإسرائيلية والأمريكية بأنه “صك استسلام أمريكي لإيران”، لأن بنوده جاءت لمصلحة طهران التي فرضت واقعاً جديداً في المنطقة.
ويوضح أن الكيان الصهيوني يسعى من خلال خروقاته المتواصلة إلى استفزاز المقاومة والضغط على الحكومة اللبنانية، في ظل مفاوضات تثبيت وقف إطلاق النار، بهدف فرض ما يسمى “حرية الحركة الإسرائيلية” داخل الأراضي اللبنانية، بحيث تمنع الدولة اللبنانية المقاومة من الرد، بينما يستمر العدو في استهداف المقاومين والمدنيين، معتبراً أن هذا يعني تحويل لبنان إلى نموذج شبيه بالضفة الغربية.
ويؤكد سيروي أن العدو لا يسعى إلى اتفاق أمني بقدر ما يحاول الالتفاف على القانون الدولي والانتقاص من سيادة لبنان، عبر فرض شروط على الجيش اللبناني، منها دخوله إلى مناطق معينة وتفكيك مواقع للمقاومة مقابل انسحاب صهيوني محدود، واصفاً ما يسمى “المناطق التجريبية” بأنه “فخ” يضع الجيش اللبناني تحت تقييم الاحتلال نفسه، الأمر الذي يشكل إهانة للجيش والسيادة اللبنانية.
ويشير إلى أن العدو يدرك خطورة استمرار المواجهة وبقاء قواته داخل الأراضي اللبنانية، لذلك يركز جهده الأساسي على منع المقاومة من استهداف قواته، مؤكداً أن مستقبل تنفيذ الاتفاق مرتبط بما ستؤول إليه التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وأن أي اتفاق نهائي سيجبر الولايات المتحدة على إلزام الاحتلال بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.
ويلفت إلى أن كثيراً من الأطراف لم تستوعب بعد حجم التحول الذي فرضته إيران، مبيناً أن ما حدث يمثل تنازلاً أمريكياً فرضه الواقع الميداني، وليس خياراً سياسياً طوعياً.
وفي السياق ذاته، يقول العقيد سيروي إن تقارير غربية وصور الأقمار الصناعية كشفت تعرض قاعدة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين لأضرار كبيرة أخرجتها شبه كلياً عن الخدمة، موضحاً أن هذا التطور فتح نقاشاً داخل الولايات المتحدة حول جدوى استمرار القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، بعدما عجزت عن حماية نفسها وأصبحت أهدافاً مكشوفة أمام القدرات الإيرانية.
ويضيف أن استخدام الولايات المتحدة لهذه القواعد في العدوان على إيران، رغم إعلان بعض الدول العربية الحياد، جعلها تتحول إلى عبء استراتيجي على تلك الدول، بعدما أصبحت سبباً في جرها إلى المواجهة، مشيراً إلى أن نجاح إيران في إغلاق مضيق هرمز أدى إلى محاصرة هذه القواعد التي تعتمد على الإمداد البحري، الأمر الذي كشف هشاشتها العسكرية.
وفي ختام مداخلته، يشدّد سيروي على أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في التفاهم مع إيران وإقامة منظومة أمن جماعي في الخليج، وهو المشروع الذي كانت طهران تطرحه منذ سنوات، معتبراً أن الولايات المتحدة لم تعد تملك القدرة على مواصلة المواجهة، وأن إيران خرجت منتصرة وفرضت شروطها على واشنطن.
من جانبه، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ومدير مركز “دال” للدراسات فيصل عبدالساتر أن استهداف الاحتلال للمدنيين واستمراره في خرق وقف إطلاق النار يؤكد طبيعته القائمة على عدم الالتزام بأي اتفاق أو ميثاق، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار لم يتحقق إلا بعدما فرضته إيران على طاولة التفاهم مع الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب المجرم نتنياهو.
ويبيّن في مداخلة على قناة المسيرة، أن نتنياهو يحاول التمرد على نتائج مذكرة التفاهم، مستفيداً من موقف السلطة اللبنانية الساعي إلى الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، بما يسمح للولايات المتحدة بالادعاء أن التفاوض يجري مع الدولة اللبنانية وحدها، في محاولة لسحب هذا الملف من التأثير الإيراني.
ويلفت إلىأن المجرم نتنياهو يسعى إلى إبقاء حالة الحرب قائمة أملاً في تحقيق مكاسب سياسية عجز عن انتزاعها عسكرياً، بعدما فشل في القضاء على حزب الله أو إعادة الأمن إلى مغتصبات شمال فلسطين المحتلة، ولذلك يعمل على تكريس ما يسميه “حرية التحرك” رغم وجود اتفاق وقف إطلاق النار.
ويدعو عبدالساتر الحكومة اللبنانية إلى استخدام ورقة وقف التفاوض المباشر مع الاحتلال باعتبارها وسيلة ضغط سياسية، بالتوازي مع الحفاظ على جاهزية المقاومة، مؤكداً أن هذا المسار، إلى جانب الضغط الإيراني، يمكن أن يشكل عامل ردع يمنع الاحتلال من مواصلة انتهاكاته أو جر لبنان والمنطقة إلى مواجهة جديدة.
وينتقد المواقف العربية الداعمة للحكومة اللبنانية في هذا الملف، معتبراً أنها تقدم خدمات مجانية للاحتلال، في وقت التزمت فيه الصمت تجاه الإبادة في غزة، مضيفاً أن “هذه المواقف تعمق الانقسام الداخلي ولا تنسجم مع حقوق الشعوب ووقائع الميدان”.
وفي ختام مداخلته، يؤكدعبدالساتر على أن الشرعية الحقيقية تستمد من الشعب لا من التفاهم مع الاحتلال، مؤكداً أن الحشود الجماهيرية الكبيرة التي شهدتها بيروت والبقاع والجنوب أثبتت استمرار الالتفاف الشعبي حول المقاومة، ودحضت الادعاءات التي تحدثت عن تراجع بيئتها الشعبية، في حين يلفت إلى أن الجماهير جددت تمسكها بخيار المقاومة ورفعت شعارات تؤكد مواصلة هذا النهج.
