توطين صناعة الأسمدة والمبيدات المحلية.. توجه واعد لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

23 يونيو 2026مـ – 8 محرم 1448هـ

تقرير || الحسين اليزيدي

يمثل توطين صناعة الأسمدة والمبيدات المحلية أحد التوجهات الوطنية الرامية إلى تحقيق التنمية الزراعية الصناعية المستدامة، وتقليل الاعتماد على المدخلات الزراعية المستوردة، في ظل ما تمتلكه اليمن من موارد طبيعية وتنوع بيئي وكفاءات وطنية قادرة على تطوير صناعات زراعية تلبي احتياجات المزارعين وتواكب متطلبات المرحلة.

ويؤكد مختصون في القطاع الزراعي أن تنامي التجارب الوطنية في إنتاج الأسمدة والمبيدات المحلية يعكس تطورًا ملحوظًا في القدرات التصنيعية، ويسهم في خفض تكاليف الإنتاج الزراعي، والحفاظ على العملة الأجنبية، وخلق فرص استثمارية وتشغيلية، بما يعزز من صمود القطاع الزراعي ويدعم توجهات الدولة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وفي هذا السياق، يشير مدير وحدة خدمات الأسمدة والمبيدات المحلية بالمؤسسة العامة للخدمات الزراعية، محمد القديمي، إلى أن صناعة الأسمدة والمبيدات المحلية تشهد تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، بعد أن انتقلت من مبادرات وتجارب محدودة إلى قطاع إنتاجي واعد يضم عشرات المعامل والمصانع الوطنية التي تقدم منتجات متنوعة تلبي جزءًا متزايدًا من احتياجات القطاع الزراعي.

ويلفت إلى أن المنتج المحلي أصبح يوفر للمزارعين باقة واسعة من المدخلات الزراعية، تشمل الأسمدة العضوية والطبيعية، والأسمدة المركبة بمختلف تراكيبها، والأسمدة السائلة، والأحماض الأمينية، والهيوميك والفولفيك، إلى جانب المحسنات الزراعية ومنتجات تحسين التربة، مثل الزيولايت والجبس الزراعي وخل الخشب.

تطور في إنتاج الأسمدة والمبيدات المحلية
ويبين أن قطاع المبيدات المحلية يشهد بدوره تطورًا ملحوظًا، من خلال إنتاج العديد من البدائل الآمنة، وفي مقدمتها مستخلصات زيت النيم، والصابون الزراعي، والكبريت الميكروني، وعدد من المبيدات الحيوية والعلاجات المستخدمة في مكافحة الآفات الزراعية والنيماتودا، بما يعكس قدرة الصناعة الوطنية على توفير منتجات فعالة وآمنة تدعم التوجه نحو زراعة مستدامة.

ويؤكد القديمي أن جودة المنتجات المحلية وسلامتها تخضع لمنظومة متكاملة تبدأ باختيار المواد الخام وإجراء الفحوصات والتحاليل المخبرية، مرورًا بالتجارب الحقلية للتأكد من كفاءة المنتج، وانتهاءً بإجراءات التقييم والتسجيل وفق المعايير والضوابط الفنية المعتمدة لدى الجهات المختصة.

ويوضح أن سلامة المنتج تمثل أولوية لا تقل أهمية عن كفاءته، إذ يجري التركيز على ضمان مأمونيته على الإنسان والتربة والمياه والبيئة في جميع مراحل التطوير والإنتاج.

ويلفت إلى أن المنتجات المحلية تشهد إقبالًا متزايدًا من قبل المزارعين عامًا بعد آخر، بعد أن أثبتت التجارب الحقلية نجاحها في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل، مبينًا أن الحقول الإيضاحية والبرامج الإرشادية تسهم في تعزيز ثقة المزارعين بالمنتج الوطني وتوسيع قاعدة مستخدميه.

ويشير إلى أن التوسع في التصنيع المحلي يسهم بصورة مباشرة في خفض الاعتماد على الاستيراد، من خلال توفير بدائل وطنية تغطي جزءًا متزايدًا من احتياجات القطاع الزراعي، بما يخفف الضغط على العملة الأجنبية، ويحد من تأثر السوق المحلية بتقلبات الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.

وينوه إلى أن قطاع صناعة الأسمدة والمبيدات المحلية يمتلك فرصًا استثمارية واعدة، في ظل الطلب المتزايد على المدخلات الزراعية، وإمكانية الاستفادة من الموارد الطبيعية والمخلفات الزراعية في إنتاج أسمدة ومحسنات زراعية ذات قيمة اقتصادية عالية.

ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تشجيع المستثمرين على إنشاء مصانع ومعامل جديدة، وتطوير التقنيات وخطوط الإنتاج، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم في رفع الطاقة الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل، ودعم الاقتصاد الوطني.

بدوره، يوضح نائب مدير مؤسسة أثمار بلاس الزراعية، يوسف المحبشي، أن توجه المؤسسة نحو تصنيع الأسمدة والمبيدات محليًا جاء استجابة لاحتياجات المزارعين، بعد ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية المستوردة، وتفاوت كفاءة بعض المنتجات المتداولة في الأسواق.

تطوير تركيبات زراعية محلية

ويشير إلى أن المؤسسة عملت على تطوير تركيبات زراعية محلية مدروسة تتلاءم مع طبيعة البيئة اليمنية، وأسهمت في خفض تكاليف شراء المدخلات الزراعية إلى نحو 50 بالمائة، إلى جانب تحقيق نتائج إيجابية في تحسين نمو المحاصيل ورفع إنتاجيتها.

ويلفت المحبشي إلى أن المؤسسة تنتج عددًا من المبيدات والأسمدة المحلية، من أبرزها “الصابون الزراعي أثمار”، الذي يستخدم كمبيد وقائي وعلاجي لعدد من الآفات والأمراض النباتية، إضافة إلى سماد السائل الغني بالمواد العضوية والعناصر الغذائية، وسماد “فوسفو عالي التركيز، ومنتج “فوسفو” الورقي، وجميعها صُممت بما يتوافق مع طبيعة المناخ والتربة في بلادنا.

مميزات المنتج المحلي

ويؤكد أن المنتج المحلي يمتلك ميزات تنافسية، تتمثل في ملاءمته للظروف البيئية المحلية، ووصوله إلى المزارع مباشرة بعد التصنيع، بما يحافظ على فاعليته وجودته مقارنة ببعض المنتجات المستوردة التي قد تتأثر بعمليات النقل والتخزين.

ويوضح أن التجارب الميدانية أثبتت كفاءة هذه المنتجات في تحسين عمليات التزهير والعقد، وزيادة إنتاجية المحاصيل، ومعالجة بعض مشكلات التربة، ما أسهم في تعزيز ثقة المزارعين بها، وزيادة الإقبال على استخدامها.

مشيرًا، إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه التوسع في هذه الصناعة استمرار الاعتماد على استيراد بعض المواد الخام ومواد التعبئة والتغليف، داعيًا إلى تعزيز دور الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الزراعة والثروة السمكية والمؤسسة العامة للخدمات الزراعية، في حماية المنتج الوطني وتشجيع الاستثمار في الصناعات الزراعية المحلية.

الجمعيات والأسمدة المحلية

من جانبه، يؤكد رئيس جمعية ريدة التعاونية الزراعية متعددة الأغراض بمحافظة عمران، محمد سيلان، أهمية الدور الذي تضطلع به الجمعيات التعاونية في نشر استخدام المدخلات الزراعية المحلية، من خلال توفيرها للمزارعين، وتنفيذ برامج إرشادية تسهم في رفع مستوى الوعي بأهميتها.

ويوضح سيلان أن الجمعية توفر مختلف أنواع الأسمدة العضوية والمغذيات الزراعية والمبيدات المحلية، إلى جانب مستلزمات الإنتاج الزراعي، وتسعى إلى إيصالها إلى المزارعين في مختلف المناطق الزراعية.

ويشير، إلى أن الجمعية تنفذ، بالتنسيق مع المرشدين الزراعيين والجهات المختصة، برامج توعوية ميدانية تشمل توزيع عينات مجانية، وإقامة أيام حقلية وإرشادية للتعريف بطرق استخدام المنتجات المحلية ونتائجها العملية، بما يعزز ثقة المزارعين بالمنتج الوطني.

ويلفت إلى أن الإقبال على الأسمدة والمبيدات المحلية يشهد تزايدًا مستمرًا مع اتساع برامج الإرشاد الزراعي، داعيًا وسائل الإعلام والمؤسسات الإرشادية إلى تكثيف حملات التوعية للتعريف بمزايا هذه المنتجات ودورها في رفع الإنتاج الزراعي وحماية البيئة.

تجربة ناجحة

وفي جانب الصناعات العضوية، برزت تجربة وطنية رائدة في إنتاج سماد “الفيرمي كمبوست”، يقودها مؤسس شركة الفيرمي كمبوست الحديثة، محمد عصام الثور، الذي نجح في تأسيس أول مشروع متخصص في اليمن لإنتاج هذا النوع من الأسمدة العضوية.

ويوضح الثور أن المشروع بدأ عام 2023 بعد دراسة احتياجات السوق المحلية والبحث عن بدائل طبيعية للأسمدة الكيميائية، مبينًا أن تقنية الفيرمي كمبوست تعتمد على استخدام يرقات “الريد ويجلر” الحمراء في تحويل المخلفات الزراعية والحيوانية إلى سماد عضوي عالي الجودة.

ويشير إلى أنه تم استيراد 40 ألف يرقة عند انطلاق المشروع، قبل أن تتوسع التجربة ويصل عدد اليرقات حاليًا إلى أكثر من عشرة ملايين يرقة، تستخدم في إنتاج السماد العضوي الصلب والسائل.

ويوضح أن المشروع يعتمد على إعادة تدوير المخلفات الزراعية والحيوانية وتحويلها إلى منتجات زراعية ذات قيمة مضافة، تتميز باحتوائها على العناصر الغذائية الأساسية والبكتيريا النافعة والإنزيمات والأحماض العضوية، فضلًا عن قدرتها على تحسين خصوبة التربة وزيادة احتفاظها بالمياه وتعزيز مقاومة النباتات للأمراض.

ويؤكد الثور أن نجاح المشروع أسهم في تأسيس أول شركة يمنية متخصصة في إنتاج الفيرمي كمبوست، بما يمثل خطوة مهمة نحو بناء صناعة وطنية للأسمدة العضوية، وخفض فاتورة الاستيراد، وتوفير فرص عمل، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الزراعية.