باحثون وسياسيون: الاتفاق الإيراني الأمريكي يعيد رسم موازين القوى ويثبّت محور المقاومة في المنطقة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
21 يونيو 2026مـ – 6 محرم 1448هـ
يشكّل الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير نقطة تحول لافتة في المشهد الإقليمي؛ إذ فتح الباب أمام قراءات سياسية واستراتيجية متباينة حول الرابحين والخاسرين من مخرجاته، وفي الوقت الذي اعتبره خبراء وسياسيون تكريساً لمكانة إيران الإقليمية والدولية، برزت مؤشرات على حالة قلق متزايدة داخل كيان العدو الإسرائيلي، بالتزامن مع تعثر رهاناته العسكرية والسياسية في المنطقة.
ويعتبر رئيس مركز “بروغن” للدراسات، الباحث السياسي رضوان قاسم، أن وثيقة التفاهم أو الاتفاقية المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران تصب في مجملها لصالح طهران؛ مؤكداً أن القراءة الاستراتيجية الدقيقة لبنودها تكشف أن نحو 90% منها تشكل مكاسب واضحة لإيران، وهو ما يفسر حالة “الغضب والثوران” التي بدت على المجرم نتنياهو وحكومته تجاه الإدارة الأمريكية.
ويوضح قاسم، في حديثة للمسيرة، وفقًا لقراءة تحليلية لأبعاد الاتفاق، أن ردة فعل العدو الإسرائيلي الغاضبة تمثل المؤشر الحقيقي لقراءة ميزان الربح والخسارة في هذه الورقة، مستعرضاً أبرز المكاسب الاستراتيجية التي حققتها طهران في أربعة محاور أساسية: تتمثل في الحضور الدولي المتعاظم لإيران التي أثبتت حضورها في عالم متعدد الأقطاب إلى جانب روسيا والصين، لافتاً إلى أن طهران تمكنت من مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المشتركة وتجاوزها بنجاح.
وكذلك أن بند “إيقاف الحرب على كل الجبهات” يعد تثبيتاً رسمياً واعترافاً أمريكياً واقعياً بمحور المقاومة في المنطقة، مشدداً على أنه لا يمكن بعد اليوم استثناء أي جبهة، وبخاصة المقاومة في لبنان (حزب الله) التي تمثل ركيزة أساسية، وصولاً إلى صنعاء.
بالإضافة إلى السيادة على مضيق هرمز، حيث فرض الاتفاق واقعاً جديداً يقر بالسيادة الإيرانية بالتنسيق مع سلطنة عُمان على حركة ناقلات النفط خروجاً ودخولاً عبر المضيق، وهو ما لم يكن متاحاً بالصيغة ذاتها في السابق، وكذلك صناعة القرار الإقليمي، حيث غدت إيران رقماً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، بل أصبح لرأيها أبعاد استراتيجية تؤثر في أي حدث تشهده المنطقة.
نهاية ما يسمى (إسرائيل الكبرى) إلى غير رجعة
وينوّه رئيس مركز “بروغن”، بأن الحصيلة الاستراتيجية بعيدة المدى لهذه المكاسب تتلخص في “إنهاء ما كان يسمى بمشروع (إسرائيل الكبرى) إلى غير رجعة”، وسقوط أطروحات “المشروع الإبراهيمي” ومساعي التطبيع في المنطقة، مما يجعل من إيران الفائز الأكبر في هذه المعادلة.
وفي قراءته للمكاسب التي يحاول الجرم ترامب تسويقها للداخل الأمريكي ولحليفه العدو الإسرائيلي، يوضح قاسم أن حديث ترامب عن فتح الباب أمام الشركات الخاصة للاستثمار في إيران يحمل بعداً اقتصادياً استثمارياً يبحث عنه ترامب وحلفاؤه في قطاع الأعمال.
أما بشأن الملف النووي، فيشير إلى أن ترامب يحاول تبرير الاتفاق والتغطية على غضب العدو الإسرائيلي عبر رفع شعار “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”، بالرغم من أن طهران موقعة أصلاً على معاهدة حظر الانتشار النووي وأكدت مراراً عدم رغبتها في ذلك، ولو كانت تريد صنع السلاح لفعلت ذلك عندما رفعت نسب تخصيب اليورانيوم فوق الـ 60%.
ويشير إلى “مكسب خفي” غاية في الأهمية، وهو نجاح إيران في تحييد ترسانتها الصاروخية ومداها وقوتها عن طاولة المفاوضات والاتفاق، مما يثبت بالدليل القاطع تحوّل المكاسب السياسية، العسكرية، والاقتصادية بالكامل لصالح طهران.
معادلات استراتيجية جديدة
وحول الفشل العسكري الميداني للاحتلال في لبنان، والعجز الأمريكي الإسرائيلي المشترك في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران، يؤكد الخبير في شؤون العدو الإسرائيلي حيدر، أن ذلك الفشل قد فرض معادلات استراتيجية جديدة على الأرض، تمثلت إرهاصاتها الأولى في فرض وقف إطلاق النار الحالي، تمهيداً لدحر الاحتلال من الأراضي اللبنانية كافة.
ويبين، في قراءة تحليلية للمشهدين السياسي والعسكري، أن هذا التراجع يقوّض بالكامل “النظرية الأمنية الجديدة” التي حاول كيان العدو بلورتها بعد عملية طوفان الأقصى، محذراً من أن انهيار هذه المنظومة سيترتب عليه تداعيات سياسية وردعية كبرى داخل الكيان.
ويشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية إلى أن المجرم نتنياهو يدرك استحالة الاحتفاظ بكامل “المنطقة الأمنية” التي طمح إليها في جنوب لبنان، لذا يحاول حالياً المناورة للاحتفاظ بقدر معين من “التلال الحاكمة” بهدف تسويقها للداخل الإسرائيلي كصورة انتصار موهوم.
ويشدد على أن الساحة اللبنانية باتت تشكل “المسمار الأخير في نعش المجرم نتنياهو السياسي”، مؤكداً أن منظومته الأمنية التي روج لها طوال عقود تتهاوى وتتصدع بفعل العمليات العسكرية المتتالية في غزة، ولبنان، وإيران.
وفي سياق متصل، يلفت حيدر إلى أن كيان العدو الإسرائيلي يمر بمرحلة انتقالية برزخية على أبواب انتخابات عامة حاسمة ستحدد مستقبل المجرم نتنياهو وتياره السياسي، موضحًا أن وسائل إعلام العدو الإسرائيلي وخصوم المجرم نتنياهو في الداخل يواجهونه بالحقائق الميدانية التي تكذب دعايته.
ويبين حيدر أن تساؤلات الداخل الإسرائيلي باتت تفضح زيف “سردية الانتصار”، حيث يواجه المجرم نتنياهو بأسئلة فاصلة: “هل منعت هذه السرديات استمرار الخسائر البشرية المتصاعدة في صفوف الجنود على أرض لبنان؟ وهل شكلت حاجزاً أمام مسيرات المقاومة التي تلاحق قوات الاحتلال؟”، مؤكدًا أن فشل الدعاية الرسمية يعمق المأزق الإستراتيجي والسياسي الداخلي لحكومة العدو الإسرائيلي.
قاعدة متقدمة للاستكبار
وتطرق علي حيدر إلى خلفيات الدعم المالي والعسكري الغربي لكيان العدو، معلقاً على التقارير التي تكشف تحول شركات ألمانية وأمريكية إلى كبار الممولين للاحتلال، معتبراً أن هذا الدعم المادي والتكنولوجي الهائل هو الذي يمكّن اقتصاد العدو الإسرائيلي من الصمود في حروب استنزافية كلفة عشرات المليارات من الدولارات.
واستحضر حيدر البعد التاريخي لهذا الدعم، مشيراً إلى أن إلزام ألمانيا بدفع ما يسمى “تعويضات الهولوكوست” منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى عام 1966م، شكل البنية التحتية والمالية الأساسية التي سمحت للكيان بإقامة مصانعه وتطوير بنيته التحتية في طور النشوء.
ويوضح أن ما تكشفه التقارير المتتالية عن تدفق المساعدات والشركات الغربية لرفد كيان العدو، يترجم حقيقة استراتيجية ثابتة، بأن العدو الإسرائيلي ليس سوى قاعدة عسكرية متقدمة لمعسكر الاستكبار الغربي، ووظيفتها الأساسية هي العمل كشرطي لحماية الهيمنة الأمريكية والغربية في المنطقة”، مستشهداً بالهبة الجماعية لرؤساء الدول الغربية وبوارجهم وحاملات طائراتهم فور انطلاق عملية طوفان الأقصى.
