الفكر التكفيري في المحافظات المحتلة.. مشروع الفوضى وأدوات الهيمنة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يونيو 2026مـ – 5 محرم 1448هـ
تقريــر || عباس القاعدي
تحول وجود الجماعات المتطرفة التكفيرية في مدينة عدن والمحافظات المحتلة إلى أمر واقع فرضه الاحتلال الإماراتي السعودي عبر توظيف هذه الجماعات في قيادة الألوية والتشكيلات العسكرية.
واعتمدت الاستخبارات السعودية الإماراتية على نقل سيناريوهات الفوضى وتدوير الجماعات الإرهابية من بلد إلى آخر، كما حدث سابقاً في سوريا، بهدف استنزافطاقات الشعوب، وإغراقها في دوامة من الأزمات الأمنية المتلاحقة بعيداً عن قضايا الأمة الكبرى ومساعي التحرر، ولكي تمهد الطريق لتثبيت أركان الوصاية والسيطرة الأجنبية لعقود طويلة.
وتؤكد الشواهد أن جريمة تصفية الطبيب السوري سامر حسن وزوجته الدكتورة سهام الموسى في عدن لم تكن صدفة، وإنما جاءت تنفيذاً مباشراً لحملة تحريض ممنهجة شنّها مرتزقة الإصلاح عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل الحادثة بثلاثة أيام وتحديداً في الثامن من الشهر الجاري.
وجاء هذا التحريض بذريعة واهية تدعي عملهما السابق في مستشفى تشرين الحكومي باللاذقية وموالاتهما للنظام السوري السابق، وهي تهمة تفضح حجم الإجرام والحقد لدى هذه الجماعات التكفيرية؛ فالمستشفيات الحكومية هي مؤسسات عامة خدمية لكل أبناء الشعب السوري، ولو كان الطبيبان يملكان نفوذاً أو سنداً لما قدما للعمل في ظروف عدن الصعبة ولذهبا لأية دولة أخرى، لكنهما كانا ضيفين مستضعفين بلا حيلة، واستُبيح دمهما بدم بارد على أيدي أدوات التكفير الموالية للعدوان السعودي.
وتسلط هذه التصفية الوحشية الضوء على واقع الجماعات التكفيرية والتشكيلات العقائدية التي باتت تتحكم بالمحافظات المحتلة، وذلك في إطار مخطط وإشراف سعودي أمريكي مشترك.
و تسعى دول العدوان منذ عقد من الزمن إلى استنساخ السيناريو السوري في اليمن عبر تفريخ وتسمية فصائل جديدة بمسميات مختلفة مثل “درع الوطن” أو “العمالقة”، وتعبئتها بفكر متطرف لإنشاء بيئة طائفية ومجتمع ممزق.
ويهدف هذا التمكين الممنهج للفكر التكفيري وأدواته إلى تحقيق غايتين أساسيتين: أولهما إخضاع المجتمع وإرهابه عبر سياسة التصفيات والاغتيالات لكل من يرفع صوته برفض الوصاية والاحتلال، وثانيهما استخدام هذا الفكر كأداة للتحريض وتكفير الأحرار والشرفاء وإلصاق تهم الردة والشرك بالخروج عن “ولي الأمر” بكل من يطالب بحريته، وهي أساليب باتت مكشوفة ويعرفها أبناء تلك المحافظات المحتلة جيداً.
هذا صوت المرتزق التكفيري يحيى الحجوري، وخطابه يُمثّل النهج الذي تسير عليه الجماعات التكفيرية، وهو الشخص الذي اعتمدت عليه السعودية والمخابرات الغربية لنشر الفكر الوهابي والتكفيري في المحافظات الشمالية سابقاً؛ فمن مركز دماج في صعدة، تم نقله لاحقاً إلى منطقة الجوبة في مأرب حيث شيد معهداً كبيراً، وقبل أن تباغته القوات المسلحة (المجاهدين) وتصل إلى معقله، سارعت السعودية وبإشراف استخباراتي أمريكي وبريطاني إلى نقله صوب المحافظات الجنوبية المحتلة، ظناً منهم أن البيئة هناك ستكون أرضاً مستسلمة لتقبّل هذا الفكر الدخيل.
ويحول هذا الدور الوظيفي مثل هذه الشخصيات إلى “فقاسة” لتفريخ العناصر المتطرفة، حيث لا يمكن للمشاريع الاستعمارية (الأمريكية، البريطانية، والإسرائيلية) أن تتوغل في أي بلد بشكل مباشر، بل تحتاج أولاً إلى غطاء تكفيري يمزق النسيج الاجتماعي ويهيئ الأرضية لتسهيل الاحتلال والوصاية.
وترتكز مهمة هذا التيار اليوم في المحافظات المحتلة، على تكميم الأفواه، وحظر الوعي، ومنع الناس من التفاعل مع قضايا الأمة الكبرى؛ حيث يُجَرّم المرتزق الحجوري وجماعته التكفيرية التضامن مع أبناء فلسطين المحتلة، ويحرمون الدعاء لغزة ومساندة حركات المقاومة، كما يمنعون الوقفات الاحتجاجية المنددة بالإساءة للمقدسات الإسلامية كالقرآن الكريم والكعبة المشرفة، بدعوى أنها “بدع ومحرمات”.
وليس هذا الموقف حرصاً على الدين أو السنة، وإنما هو مخطط لتدجين البسطاء وغسل أدمغتهم، بهدف تحويلهم إلى وقود وجماعات تكفيرية تلتحق بالمليشيات المسلحة التي تنضوي تحت مسميات كـ “ألوية درع الوطن” وغيرها، لتكون جاهزة للقتال والدفاع عن الأجندات السعودية والأمريكية والصهيونية في المنطقة، تحت لافتات مضللة وشعارات محاربة “البدع والروافض”، وبتمويل وسخاء مالي سعودي مباشر.
ويتضح جلياً أن هذا الفكر المتطرف لا يستثني أحداً، فهو لا يفرق بين سني أو شيعي، حيث يوجه سهام تكفيره وعدائه نحو كل من يناهض العدو الصهيوني، وتتجلى خطورة هذا الدور في المحاولات المستمرة لتشويه المجاهدين في غزة والطعن في ظهورهم؛ ففي الوقت الذي يفرض فيه الواجب الديني والإنساني على كل مسلم نصرة الشعب الفلسطيني المضطهد ولو بالكلمة، تبرز هذه الشخصيات التي تقدم نفسها كرموز دينية ودعاة يتزعمون مراكز إسلامية في المحافظات الجنوبية المحتلة كحضرموت والمهرة، ليشنوا حملات تحريضية ضد المقاومة.
ويكشف هذا السلوك حجم الاختراق الصهيوني الأمريكي البريطاني للمساجد والمدن والقرى عبر هذه المنابر؛ إذ يمثل المال السعودي المحرك والممول الأساسي لمعاهد المرتزق الحجوري ونشاطاته، وهو دليل كافٍ يوضح لأي عاقل أن الدوائر الصهيونية هي الصانع الحقيقي لهذا المشروع والمستفيد الأكبر منه، بينما تقتصر أدوار الأنظمة الإقليمية على التمويل، وتتحول هذه العناصر إلى مجرد أدوات وظيفية لتنفيذ الأجندة الأجنبية وتدمير حاضنة المقاومة، تماماً كما هو حال أدوات الفوضى والتكفير في الساحات الأخرى كالجولاني في سوريا.
ومع سعي السعودية للدفع بالتكفيرين لتشكيل قوة عسكرية في المهرة، بعد تغلغلهم في المحافظة برعاية سعودية، يجدر الحديث عن الارتباط الخفي بين قيادة هذا التيار والقوات الأجنبية على مدى السنوات الماضية، فقد شهد تيار الحجوري حضوراً أوسع من خلال الدعم السعودي له، وامتدت تلك الأفكار لتصل إلى مدينة تعز عن طريق ما يسمى القيادي العسكري أبو العباس، ومركز الفيوش السلفي في لحج، ووصل الأمر إلى تصفية بعض مشايخ السلفية الذين رفضوا الانخراط في المخطط الأجنبي.
وتزامنًا مع وصول القوات الأجنبية إلى المهرة، تسلل التيار السلفي إلى البوابة الشرقية، وكان على رأس التيار المرتزق يحيى الحجوري، ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة الصدام بين السلفيين وأبناء المهرة، لا سيما مع انتشار فتاوى التحريم والتبديع والتكفير التي استهدفت حياة المجتمع ورموز لجنة الاعتصام السلمي كالشيخ علي سالم الحريزي، نظرا لمواقفهم الرافضة للوجود الأجنبي في المحافظة.
ويبرز نشر الفكر التكفيري وإعادة توظيف المرتزق يحيى الحجوري ورموز التطرف كأحد أخطر المخططات التي تنفذها السعودية خدمةً للمشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة، حيث تُغدق عليهم دعماً مالياً ولوجستياً هائلاً.
وفي الوقت الذي يتجرع فيه أبناء عدن والمحافظات المحتلة مرارة الانهيار الخدمي والمعيشي دون أدنى اهتمام من النظام السعودي بمعاناتهم، تُفتح للمعاهد التكفيرية والمراكز الدينية المتطرفة ميزانيات لا محدودة للاستحواذ على عقول البسطاء واستغلال عوزهم وفقرهم، وصولاً إلى استهداف النساء عبر مراكز دعوية مشبوهة تهدف إلى تدجين الأسرة والمجتمع وصناعة بيئة موبوءة بالتطرف الطائفي، ورغم سياسات القمع والترهيب، فإن وعي أبناء حضرموت والمحافظات الجنوبية يتنامى أمام هذه الأجندات المكشوفة لدول الاحتلال والوصاية.
وتتجلى المفارقة الصارخة والتناقض الفاضح في السياسة السعودية الحالية؛ ففي حين قام نظام المجرم محمد بن سلمان داخلياً بالانقلاب على الفكر الوهابي، واعتقال رموزه، والتوجه نحو الانفتاح والترفيه والتغريب معلناً تجاوز تلك الحقبة، فإنه يعمد في الوقت ذاته إلى تصدير هذا الفكر المتطرف وإعادة إحيائه في المحافظات المحتلة، وهذا الازدواج يؤكد أن ما يرفضه النظام السعودي لنفسه ومجتمعه، يتعمد زرعه وتكريسه في اليمن كأداة تدميرية تضمن تمزيق النسيج الاجتماعي، وإشغال الشعب بالصراعات الداخلية، لإعاقة نهوضه وتسهيل السيطرة على أرضه وثرواته.
وفي السياق تشير المعلومات إلى افتتاح هذا الجماعات التكفيرية مراكز دينية في حضرموت، ولحج، وقبل ذلك في مأرب، ووصلوها إلى محافظة المهرة، والسيطرة على الكثير من المساجد في معظم المديريات، وافتتح الحجوري مراكز تعليم ديني هناك، ولديه إذاعات محلية، وينشر فكرًا متطرفًا تكفيريًا، حيث نشرت السعودية هذا المليشيات على طول حدودها تحت اسم “درع الوطن”، وصدرت نسخة منها إلى محافظة المهرة، بهدف السيطرة على مؤسسات الدولة والمنافذ البرية والبحرية، وتحويلها إلى يد تابعة لها في بوابة اليمن الشرقية.
وتُمثّل اعترافات المجرم محمد بن سلمان لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تحولاً جذرياً يكشف الخلفيات السياسية لنشأة وتصدير الفكر الوهابي المتشدد؛ إذ أقرّ صراحةً بأن نشر السعودية لهذا الفكر لم يكن توجهاً دينياً مجرداً، بل جاء استجابةً لإملاءات ومطالب الحلفاء الغربيين خلال فترة الحرب الباردة، بهدف استخدام الموارد المالية والدينية للسعودية في مواجهة تمدد نفوذ وتغلغل الاتحاد السوفيتي في العالم الإسلامي خلال فترة الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، اعترف المجرم نفسه بأن الحكومات السعودية المتعاقبة “ضلّت الطريق” في تبني هذا النهج، وأن الرياض تدفع اليوم ثمن الاستغلال الغربي لأموالها ومؤسساتها في تصفية الحسابات السياسية الدولية، مؤكدًا أن الوقت قد حان “لإعادة الأمور إلى نصابها”، مشيراً إلى أن التمويل الحالي لهذه الجماعات بات يرتكز بنسبة كبيرة على مؤسسات وجمعيات خاصة داخل المملكة وليس بقرار حكومي رسمي، بعد حوار طويل وشاق خاضته السلطة لإعادة صياغة العلاقة مع المؤسسة الدينية التقليدية.
وتكمن خطورة هذه الاعترافات في تناقضها الصارم مع الأسس العقائدية والفقهية التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة؛ إذ إن تلك الاجتهادات المتشددة التي تفردت بها المدارس الوهابية السعودية —التي أقرّ بن سلمان مؤخرًا بإنتاجها وتصديرها بطلب غربي—كانت هي القشة التي قصمت ظهر العديد من الأوطان الإسلامية، وزجت بها في أتون حروب أهلية وصراعات مذهبية دموية، كالعشرية السوداء في الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي.
واليوم، يعيد هذا التراجع السعودي الرسمي فتح ملفات الصراع الفكري والمذهبي في تلك البلدان، مما يطرح تساؤلات حادة حول ارتدادات هذه الاعترافات على مستقبل التيارات السلفية والوهابية التي تلوثت بها مجتمعات عربية عديدة، لا سيما في ظل استمرار الرياض بتوظيف هذا الفكر التدميري خارج حدودها كما هو الحال في المحافظات المحتلة اليمنية، رغم إعلان التخلي عنه داخلياً.
وتضع اعترافات المجرم محمد بن سلمان بعظمة لسانه النقاط على الحروف؛ فإذا كانت السعودية قد نشرت الفكر الوهابي المتشدد في العقود السابقة خدمةً لأمريكا والغرب في صراعهم مع المعسكر الاشتراكي، فبأي دافع تنشره اليوم مجدداً في حضرموت والمحافظات المحتلة؟ فالإجابة واضحة وتكشفها أفعالهم.
إن النظام السعودي الذي وظّف الدين سابقاً لصالح قوى الهيمنة الدولية، يعيد اليوم كَرّة الأمس بنفس الأدوات ولذات الأهداف؛ حيث يسعى عبر هذا الضخ المالي وتفريخ المراكز التكفيرية إلى تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني، وتدجين المجتمع لتقديمه لقمة سائغة سهلة الهضم والسيطرة أمام المخططات الأمريكية والصهيونية، والهدف الرئيسي إيجاد حاضنة مجزأة يسهل اختراقها لمواجهة الأحرار والشرفاء في مختلف المحافظات المحتلة، وإجهاض أي مشروع تحرري في اليمن بشكل عام يقف ضد الوصاية والاحتلال.
