استدراج وسحق القوات المتوغلة والمنقذة.. حزب الله يرد على الخروقات بضربات قاتلة والعدو يعترف بسقوط العشرات
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 يونيو 2026مـ – 4 محرم 1448هـ
في واحدة من أعقد المعارك التي واجهها العدو الصهيوني منذ بداية تصعيده الأخير على لبنان، تكشف التطورات الميدانية المتلاحقة عند مرتفع علي الطاهر وكفرتبنيت عن مشهد عسكري متكامل؛ بدأت فصوله بمحاولة توغل صهيونية وانتهت بسلسلة خسائر بشرية وميدانية متراكمة طالت قوات النخبة والدبابات ووحدات الإنقاذ، في معركة أعدت المقاومة كل تفاصيلها مسبقاً وأدارتها خطوة بخطوة.
وقد شكلت هذه المواجهة سلسلة متصلة من الكمائن والضربات المتعاقبة التي استهدفت القوة المهاجمة أولاً، ثم أطبقت على القوة التي حاولت إنقاذها ثانياً، وصولاً إلى استنزاف متدرج كشف حجم المأزق الذي وقعت فيه القوات الصهيونية داخل منطقة ظنّ العدو أنه قادر على التقدم فيها مع تصاعد الخروقات والاعتداءات التي أسفرت خلال الساعات الماضية عن ارتقاء 144 شهيداً وجريحاً وتدمير عشرات المنازل والمحال والبنى المدنية.
وبحسب ما أعلنته المقاومة الإسلامية في لبنان، فقد افتُتحت العملية بنجاح استخباراتي وميداني تمثل في استدراج قوة إسرائيلية مدرعة وأخرى من المشاة إلى كمين محكم شمال مرتفع علي الطاهر، فيما تكشف دلالة تعبير “الاستدراج” عن إمساك المقاومة بزمام المبادرة والتخطيط؛ فالقوة الإسرائيلية تحركت مباشرة نحو “منطقة قتل” معدة مسبقاً، حيث كانت النيران والوسائط القتالية بانتظارها بناءً على رصد دقيق وتكتيك مدروس.
وجاءت الضربة الأولى صاعقة ومباشرة باستهداف الدروع الإسرائيلية، حيث أعلنت المقاومة تدمير ثلاث دبابات “ميركافا” بصواريخ موجهة واشتعال النيران فيها خلال محاولة التسلل، لتتجاوز هذه الخسارة مجرد إعطاب آليات عسكرية، كون الميركافا تمثل رأس القوة البرية الإسرائيلية ورمز التفوق المدرع الذي طالما اعتمد عليه الجيش الإسرائيلي في اقتحام المناطق الحدودية وفرض السيطرة النارية؛ لذا فإن احتراق ثلاث دبابات دفعة واحدة جرّد القوة المهاجمة من غطائها الحمائي الأساسي في اللحظات الأولى من العملية، محولاً جنود المشاة الذين كانوا يتحركون خلفها إلى أهداف مكشوفة تماماً.
وفور تحييد الدروع، انتقلت المقاومة إلى مرحلة التطويق الناري الكامل، فأطبقت على القوة المتسللة بصليات صاروخية ومدفعية مكثفة مع استمرار الاشتباكات المباشرة، لِتجد القوة الإسرائيلية نفسها داخل دائرة نارية مغلقة؛ احترقت دروعها، وأصبح تقدمها مستحيلاً، وتحول انسحابها تحت القصف المباشر إلى مهمة شبه انتحارية.
ومع تصاعد الخسائر، دفع الجيش الإسرائيلي بقوة ثانية لمحاولة سحب القتلى والجرحى تحت غطاء دخاني كثيف وقنابل مضيئة لإخفاء تحركاتها وتأمين عملية الإخلاء، إلا أن جهوزية المقاومة كانت بالمرصاد لهذه الخطوة المتوقعة، فاستهدفت قوة الإنقاذ بصلية صاروخية وقذائف هاون حققت إصابات مباشرة ومؤكدة في صفوفها، ليتسع كمين “علي الطاهر” إلى استنزاف متتابع يطال وحدات الإخلاء نفسها، وهو أحد أكثر السيناريوهات إيلاماً.
وبهذه العملية التي طالت القوات ووحدات الإنقاذ، يوصل حزب الله رسالته بالنار، فجرائم العدو التي تطال المدنيين قبل أن تعاود استهداف المسعفين ومنتسبي الدفاع المدني، قوبلت بالردع من جنس العمل، غير أن فارق الأخلاق ووفرة الخيارات لدى المقاومة، وبين الإفلاس الأخلاقي والعسكري لدى الاحتلال، يؤكد أن المقاومة تؤدب العدو في الميدان، لا في المنازل والبنى المدنية.
وبالعودة إلى الميدان، فإن هذا الواقع الميداني الصعب انعكس سريعاً داخل الإعلام الإسرائيلي الذي تحدث عن “حدث أمني قاسٍ” في جنوب لبنان ونقلِ جرحى من ساحة المعركة، قبل أن تكشف البيانات العسكرية الرسمية حجم الفاتورة بإقرار الجيش بمقتل أربعة عسكريين بينهم قائد الكتيبة 52 التابعة لـ لواء النخبة “غفعاتي” إثر استهداف دبابة ميركافا، إلى جانب إصابة 17 جندياً في العملية ذاتها.
ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، إذ أعلنت هيئة البث الإسرائيلية إصابة ضابط كبير من الفرقة 36 خلال معارك الليلة الماضية، وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة خمسة جنود من قوات النخبة في استهداف بمسيرة انقضاضية قرب كفرتبنيت.
وفي تطور يضيف بُعداً جديداً للمعركة، أقرت أطراف عسكرية إسرائيلية باستهداف دبابة أخرى تابعة للكتيبة 52 بـ “جسم مشبوه” وانفجار عبوة ناسفة بها، فتحت على إثرها تحقيقاً في ملابسات الحادث؛ مما يؤكد أن قوات الاحتلال كانت تتحرك في بيئة ميدانية مفخخة بالمفاجآت والتهديدات الكامنة التي تتجاوز الصواريخ الموجهة والقصف المدفعي التقليدي.
وفي خضم هذه المعركة، جاء الموقف العسكري والسياسي لحزب الله حاسماً بالتأكيد على أن منطقة كفرتبنيت ستبقى عصية على التوغل، وأن المقاتلين يسطرون فيها ملاحم دفاعية لحماية أرضهم وشعبهم، متزامناً مع التطورات التي أظهرت فشل كل محاولات التقدم الإسرائيلية ونهايتها بخسائر جديدة.
وفي تعليقه على خلفية المواجهة، أوضح الحزب أن هذا التصدي يأتي رداً على استمرار الخروقات الإسرائيلية ومحاولات السيطرة على قرى عجز الاحتلال عن دخولها قبل اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن لجوء العدو لاستهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية هو محاولة للتعويض عن عجز الميدان.
واختتم حزب الله بيانه بالتأكيد على ثبات موقفه بمعادلة تحدٍّ مقتضبة تلخص واقع الحال: “بيننا وبين العدو الأيام والليالي والميدان”.
وبهذه المعطيات، تكشف أحداث علي الطاهر وكفرتبنيت في محصلتها عن نموذج ميداني مركّب وناجح؛ بدأ باستدراج القوة المهاجمة، ومرّ بتدمير دروعها، وانتهى بضرب وحدات إنقاذها، ليفرض معادلة ثابتة بأن أي محاولة إسرائيلية لتحقيق مكاسب جديدة في جنوب لبنان ستواجه ميداناً حاضراً، قادراً على المفاجأة والاشتباك وإيقاع الخسائر في أية لحظة.
