مجلة فورين بوليسي: هزيمة أمريكا أمام إيران أكثر كارثية من هزيمتها في فيتنام

6

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

18 يونيو 2026مـ – 4 محرم 1448هـ

أكّدت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن هزيمة الولايات المتحدة أمام إيران هي أكثر كارثية بكثير من هزيمتها في فيتنام، وفي إطار استمرار التحليلات التي تجريها وسائل الإعلام الأمريكية حول نتائج الحرب ضد إيران والاتفاق الذي تم إبرامه بين طهران وواشنطن، تناولت المجلة في مقالٍ بعنوان “هزيمة أمريكا أمام إيران أقسى من فيتنام” أبعاد الهزيمة الأمريكية في هذه الحرب.

وتناول الكاتب والأكاديمي “بول موسغريف” في بداية حديثة، مسار السياسة الخارجية الأمريكية التي أدى في الحرب ضد إيران إلى هزيمة استراتيجية كبيرة لواشنطن، وستكون تداعياتها أوسع بكثير من تداعيات حرب فيتنام، تلك الحرب التي ظلت لعقود رمزاً للهزيمة العسكرية والسياسية الأمريكية.

دخلت إدارة ترامب، رئيس الولايات المتحدة، هذه الحرب مراهنة على إخضاع إيران وتغيير ميزان القوى في المنطقة. غير أن النتائج كانت عكس الأهداف المعلنة، إذ برزت طهران أكثر تأثيراً، بينما تعرضت مصداقية الولايات المتحدة ومكانتها القيادية في النظام الدولي لأضرار عميقة قد تستمر لسنوات.

كان قرار ترامب بشن حملة ضد إيران قد شجعه آخرون في الواقع، لكنه كان قراره الشخصي، وأدى إلى تغيير في المسار يشير إلى كارثة استراتيجية تتجاوز بكثير هزيمة الولايات المتحدة في حرب فيتنام.

كانت تجربة الهزيمة في فيتنام مريرة إلى حد أن جيلاً كاملاً شعر بالإحباط عندما كان الأمريكيون يسمعون كلمة فيتنام. وبالنسبة للعديد من الأمريكيين العاديين، كانت هذه الكلمة تمثل حزناً شخصياً. وبالنسبة لبعض النخب، كانت فيتنام قصة تحذيرية حول غطرسة القوة؛ وبالنسبة لآخرين، كانت خطأً عطل الحسابات الاستراتيجية الصحيحة في الوقت الحاضر. ومع ذلك، كان هناك إجماع وطني على أن فيتنام كانت بقعة عار على النسيج الوطني.

أظهر استطلاع للرأي أجراه مجلس شؤون العالم في شيكاغو عام 2014 أن 58% من الأمريكيين وصفوا الهزيمة في فيتنام بأنها لحظة مظلمة. ولكن ربما كان أسوأ جوانب هذه الحرب هو أن العديد من الأمريكيين لا يدركون لماذا بدأت حرب فيتنام التي لم تكن لها ضرورة، ولماذا شنت الولايات المتحدة مثل هذه الحرب الوحشية التي راح ضحيتها ملايين البشر، وانتهت بهزيمة مخزية لأمريكا.

ومنذ أوائل عام 1964، شككت النقاشات الداخلية في إدارة الولايات المتحدة في “نظرية الدومينو” – أي فكرة أنه إذا تحولت دولة ما إلى الشيوعية، فستحذو حذوها جيرانها – والتي ارتبطت على نطاق واسع بحرب الولايات المتحدة في فيتنام.

ومع ذلك، كانت العواقب طويلة المدى لهزيمة أمريكا في فيتنام طفيفة نسبياً ومحلية في الغالب، وخرجت الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة الأوسع، ومن المفارقات أن فيتنام أصبحت الآن دولة صديقة لأمريكا.

العواقب الوخيمة والطويلة الأمد لهزيمة أمريكا أمام إيران

وبالتالي، فإن وضع هزيمة أميركا في فيتنام يختلف كثيراً عن عواقب الحرب التي شنها ترامب ضد إيران؛ حيث تجد الولايات المتحدة نفسها الآن بعد الحرب مع إيران في وضع أضعف بكثير مقارنة بوضعها بعد حرب فيتنام، ولم تتحقق الأهداف الاستراتيجية الرئيسية لواشنطن تجاه إيران.

في الحرب مع إيران، طغى ضعف الترسانة الأميركية على التفوق التقني لأسلحتها، وأثار تساؤلات حول استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أي عدو أقوى من جمهورية إيران الإسلامية. وستكون الصورة الأكثر صدمة في هذه الحرب هي أكياس الدم لطالبات إيرانيات قضين نحبهن في “خطأ” (في إشارة إلى الجريمة الوحشية الأمريكية بقصف مدرسة “الشجرة الطيبة” في ميناب والتي أدت إلى استشهاد طلابها الصغار).

كشف هشاشة وضعف العسكري الأمريكي في الحرب مع إيران

على الرغم من فعالية الأنظمة الدفاعية الأمريكية ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية الإيرانية، إلا أن إيران تمكنت من اختراق هذه الأنظمة بنجاح ملحوظ، مما يثير تساؤلات حول فعاليتها ضد عدو أكثر تركيزاً أو في صراع طويل الأمد.

من الناحية الاستراتيجية، كانت نتائج الحرب مع إيران مخيبة للآمال للغاية بالنسبة لأمريكا؛ لأن أمريكا كانت تريد في الواقع الإطاحة بالنظام الإيراني وتثبيت نظام موافق لها في البلاد، لكن هذه الحرب، بدلاً من تحويل طهران إلى حليف مطيع لأمريكا، جعلت النظام الإسلامي الإيراني أكثر صلابة.

من ناحية أخرى، على الرغم من فعالية القوة التسليحية الأمريكية والإسرائيلية في الأيام الأولى للحرب، إلا أن حدود الحلول العسكرية في هذه الحرب انكشفت تدريجياً لصالح إيران، وقاوم برنامجها النووي الهجمات الشديدة الأمريكية والإسرائيلية. لذلك، يبدو من غير المرجح أن تتمكن أميركا في أي حرب جديدة من تحقيق أهدافها والحصول على نتائج أفضل من الحرب الأخيرة.

سيطرة إيران على مضيق هرمز والفضيحة الدولية لأمريكا

علاوة على ذلك، كان تأثير هذه الحرب على موقع القيادة الأمريكية في النظام العالمي عميقاً جداً. واضطر الحلفاء الإقليميون لأمريكا الذين وعدتهم الولايات المتحدة بحمايتهم إلى تحمل تكاليف الحرب، والأهم من ذلك، أن إيران أدركت أن قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز تمنحها ورقة ضغط اقتصادية عالمية.

كانت حرية الملاحة هدفاً استراتيجياً أساسياً للولايات المتحدة لأكثر من قرنين من الزمان، ولكن اليوم، فإن احتمال إنهاء حرية الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يشير إلى تسيير طرق التجارة، مما قد يلحق أضراراً كبيرة ومستدامة بالتجارة العالمية.

يجب أن نلاحظ أن كيفية انتهاء الحرب لا تقل أهمية عن كيفية بدئها. بعد هذه الحرب، قد تدير أمريكا ظهرها إلى حد كبير لفيتنام وجيرانها، وتركز بدلاً من ذلك على مناطق ذات أهمية استراتيجية أكبر. كما أن احتمال قيام المسؤولين الأمريكيين بدراسة خيار الانسحاب من منطقة الخليج الفارسي لا يبدو مستبعداً.

بعد تداعيات هذه الحرب، أي حكومة ستتولى السلطة في أمريكا ستضطر إلى التعامل مع نقاط ضعف داخلية وخارجية متعددة، وبعد هذه المرحلة، سيكون الشعب الأمريكي أقل استعداداً لتحمل تكاليف الحروب، وخاصة الحروب التي ليست حروبه.

وبالتالي، ستكون عواقب الهزيمة في الحرب مع إيران أكثر شدة واستدامة من عواقب الهزيمة في فيتنام. لكن هناك شيء واحد سيظل ثابتاً في هاتين الهزيمتين: أنه بعد عقود، سيسأل الطلاب الأمريكيون الذين ينظرون إلى الماضي نفس الأسئلة التي طرحها الجيل السابق من الأمريكيين حول سبب الحرب مع فيتنام، حول سبب الحرب غير الضرورية مع إيران، وقد تُعطى إجابات متعددة لهذا السؤال، لكن لن يكون أي منها مرضياً.