بين الهزيمة والحسم المستحيل.. كيف تحولت مواجهة إيران إلى مأزق أمريكي؟

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 يونيو 2026مـ – 29 ذو الحجة 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

ازداد الوضع تأزمًا، وانكشفت محدودية القوة الأمريكية والإسرائيلية إلى حدٍّ كبير. وخلال فوضى العامين الماضيين، المستمرة حتى اليوم، لم تنجحا في حسم أي جبهة بقدر نجاحهما في تثبيت حقيقة استحالة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل عقد من الزمن. حتى ذلك الوقت، كانت حالة الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة على العالم تمنحها هامشًا مريحًا من التحكم بمصائر الدول والمجتمعات.

بدأت حالة التحول إلى الحقيقة الجديدة في المنطقة العربية مع العدوان على اليمن، وتبلغ ذروتها اليوم مع تبلور خريطة دول الجهاد والمقاومة، والمواجهة التي أثبتت فشل الضغوط المفروضة على الجمهورية الإسلامية، حيث نتج عنها تحديات جوهرية واستراتيجية عقّدت أكثر الخطط الصهيونية المرسومة للمنطقة.

ولاستعادة زمام السيطرة على المنطقة وتهميش تأثير دولها، يتجاوز ترامب في سياساته كل الثوابت الدولية، لقناعته بأن ذلك يعني استعادة الهيمنة المطلقة على العالم. إلا أن الأمر ازداد تعقيدًا مع بروز اقتدار جبهات المقاومة والتي بات تأثيرها ملموسا في تبديد الطموحات الرامية إلى فرض السيادة على العالم.

إيقاف العبث الأمريكيً المستمر
من هنا، لم يعد الوضع مواتيًا بالمطلق لتمكين الإدارة الأمريكية من تمرير المخطط الصهيوني، كما يبدو مستحيلًا إعادته إلى الوراء ولو قليلًا. فالسمعة الأمريكية انهارت، وقدراتها حتى على معالجة ما نتج عن مغامرة العدوان على إيران منعدمة، في وقت قررت فيه طهران -أولًا- إيقاف العبث الأمريكيً المستمر ضدها منذ سبعة وأربعين عامًا، وثانيًا إنهاء الوجود الأمريكي غير المبرر في المنطقة، والذي تسبب في صنع عزلة كبيرة بين الأنظمة العربية والقضية الفلسطينية، وثالثًا استعادة حقوقها السيادية في مضيق هرمز وفق رؤيتها ومصالحها الوطنية.

قبل ذلك، كان كل شيء يسير وفق الرغبة الأمريكية، وكان الناتج الاقتصادي للمنطقة والعالم يصب في خدمة الاقتصاد الأمريكي، ولا يقتصر الأمر على إنتاج النفط فقط. ويأتي إصرار ترامب على تحقيق مكاسب استراتيجية في جولة المواجهة الحالية من مخاوف تراجع النفوذ الأمريكي وانسحاب كل هذا من تحت تأثير بلاده، بالتزامن مع انهيار السمعة التي ارتبط بها استمرار هذا التأثير والتحكم.

ما لا يمكن التعايش معه
وبإضافة التعمّد الأمريكي في محاولة ترويض إيران للقبول بالأمر الواقع، وتكرار استهدافها اقتصاديًا وعسكريًا، بات هذا الوضع بالنسبة للجمهورية الإسلامية أمراً مستحيل التعايش معه، وأصبح من الضروري مواجهة هذا المسار غير المتناهي في الانحدار والفوضى الأمنية، فضلًا عن نهب الثروات وتمويل الاحتلال أو توظيف الموارد في تصنيع الأسلحة التي تُستخدم لاحقًا في استهداف شعوب المنطقة.

ويزيد على ذلك التمادي الأمريكيُّ في محاولة فرض إرادة الحركة الصهيونية على شكل النظام في الجمهورية الإسلامية، وحتى على طبيعة التسليح وبرامج التطور العلمي والتقني، فضلًا عن فرض قيود على طموحاتها، ومنعها من تطوير برامجها النووية المدنية. وهي مسألة تمس السيادة الوطنية والاستقلال السياسي، ويأبى الله سبحانه وتعالى للمسلمين الخنوع ومسايرة هؤلاء المتحللين من قيم الدين، أعداء الإنسانية والمبادئ الأخلاقية.

“تعقيد” تنامي الوعي في المنطقة
ومن هذا المنطلق، يصبح الاستسلام للإرادة الأمريكية مخالفة، أولاً لما أراده الله للمسلمين من عزة وكرامة، ما يجعله أمراً عقائديا لا مجال للخوض والنقاش حوله، وثانياً أن أمريكا اعتادت فتح أُفقها في فرض انتهاكاتها على الدول، فإذا ما استسلمت هذه الدول لتوجيه، زادت الدولة المارقة في محو أي مظهر سيادي واستقلالي لها. وأظهرت التجارب السابقة أن الولايات المتحدة اعتادت توسيع مطالبها كلما لقيت استجابة، بما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف مظاهر السيادة والاستقلال للدول.

وإلى جانب ذلك، فإن التعقيد الذي تسبب به ترامب، ومن خلفه الحركة الصهيونية العالمية، أدى إلى بروز حالة وعي متنامية في دول المقاومة، وغرس قناعة لدى قطاعات واسعة في المنطقة بأن الوجود الأمريكي لم يكن أكثر من أداة للتحكم بمسارات الحاضر والمستقبل لشعوب المنطقة، وأن المناطق الاستراتيجية والموارد والسياسات العامة باتت خاضعة لتوجيهات خارجية تتوافق مع المصالح الأمريكية.

وأصبح العرب والمسلمون -وفق هذا الطرح- أكثر إدراكًا لحجم التأثير الخارجي في قضاياهم الداخلية، وأكثر وعيًا بما حرمهم من الاستفادة الكاملة من إمكاناتهم وقدراتهم الاقتصادية والبشرية، الأمر الذي جعل استعادة القرار المستقل وقطع النفوذ الخارجي -واليد الأمريكية تحديدا- عن استمرار فرض الهيمنة مطلبا وهدفًا ملحًا لدى القوى والتيارات الحيّة.

التنمر الوحشي الأمريكي لن يستمر
وبناءً على ما سبق، يتضح أن جولة الصراع الحالية دخلت مأزقًا حرجًا لا يقبل حلول الترضية أو أنصاف الحلول، وإنما يفترض حسماً يعيد رسم موازين القوى وفق معطيات واقع المواجهة مع رؤوس البلطجة (أمريكا و”إسرائيل”)، بعد عقود من الفوضى والصراعات والاستهتار بحياة المجتمعات واستقرارها. وترى هذه القراءة أن الولايات المتحدة باتت بحاجة فعليا إلى صفعات مؤثرة تلزمها ابتلاع شعورها بالعظمة المتفردة وحق التسيُّد وحكم العالم بالقوة، وأن تعيش وفق الحجم الطبيعي الذي يتلاءم معها، والتخلي نهائيا عن منطق القوة والترهيب، والانتقال إلى علاقات أكثر توازنًا مع شعوب العالم. كما حاجتها لإدراك أن حالة التخلخل والتصدع التي بدأت تزحف بشكل متزايد على الاتحاد تُنذر بتفكك ولاياتها كما حدث سابقا مع الاتحاد السوفييتي، خصوصا وأن مظاهر التمرد قد بدأت بالظهور في بعض الولايات، بسبب الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة والقادمة -أصلا- كنتائج موضوعية لسياسة البلطجة التي يتبعها قادة البيت الأبيض في السياسة الخارجية، كما بدأ التخلخل يتسرب إلى الوسط المجتمعي الأمريكي الذي بات يعي بأن نظام البلد يزيد من عزلتهم عن العالم، وأنهم -في تصنيف هذا العالم- ليسوا إلا مجتمعاً في دولة مارقة يقتاتون من دماء المستضعفين حول العالم. وكل ذلك مؤشرات لتحولات عميقة وأكيدة ستؤثر على تماسكها الداخلي خلال العقود المقبلة، ويعزز ذلك تصاعد الانقسامات السياسية وتراجع الثقة بالمؤسسات.

ورغم شدة المأزق وانعدام الخيارات لدى الولايات المتحدة، فإن من تسبب به لا بد أن يتحمل نتائجه، فسنن التاريخ تؤكد أن التحولات الكبرى تأتي نتيجة تراكم الأخطاء والصراعات، وأن استمرار أي قوة في ممارسة الهيمنة المطلقة لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية. فمن المستحيل أن تستمر أمريكا على هذا الوضع من التنمر الوحشي ضد مبادئ التعايش، ولا يمكن أن يستمر شرها في حصد أرواح الأبرياء، ويعيش على معاناة المحاصرين المضطهدين، وهو ما نراه واقعا اليوم بعد أن اضطر ترامب للجلوس على طاولة المفاوضات مع إيران بعد تخليه عن لغة التهديد والوعيد.

تعدد مراكز القوة والتأثير
إن مراجعة المسار التاريخي للولايات المتحدة تكشف -وفق هذه الرؤية- أن النزوع المستمر إلى إنتاج الفوضى في مناطق مختلفة من العالم يعكس محاولة للحفاظ على النفوذ العالمي في ظل تراجع القدرة في الحفاظ على فرض الإرادة السياسية والاقتصادية بصورة منفردة.

ويُنظر إلى شعار “أمريكا أولًا” الذي رفعه ترامب منذ ولايته الأولى بوصفه تعبيرًا عن إدراك داخلي بحجم التحديات التي باتت تواجهها الولايات المتحدة، ومحاولة لاستعادة المكانة الدولية الأمريكية في مواجهة صعود قوى دولية وإقليمية جديدة، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران ودول أخرى. وهي قوى قادرة على إجبارها لأن تضبط سلوكها في التعامل مع الآخرين، وألّا تستمر في لعب دور الحاكم العالمي. إلا أن السياسات القائمة على التصعيد والمواجهة -وفق هذه القراءة- أسهمت في توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة المعاصرة والولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بوصفها القوة الدولية الأولى، ففي حين كانت واشنطن تمتلك آنذاك أدوات ضغط ونفوذ واسعة مكّنتها من قيادة النظام الدولي لعقود طويلة، وفرضت على الإمبراطورية اليابانية وألمانيا العظمى والمملكة المتحدة التي لم تكن تغيب عنها الشمس اتباعَهم لها، ويدفعون لها من أجل مزاعم الحماية، تواجه اليوم واقعًا أكثر تعقيدًا تتعدد فيه مراكز القوة والتأثير، وتتراجع فيه قدرة أي طرف على الانفراد بقيادة العالم.