لبنان يفرض معادلة الردع الجيوسياسي.. انكسار أوهام التسلل الصهيوني الميداني و”السياسي”
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
13 يونيو 2026مـ – 27 ذو الحجة 1447هـ
في الوقت الذي يواصل فيه العدو الصهيوني عدوانه على لبنان ومحاولاته استخدام التهدئة لمواصلة الاستباحة، تتكشف يوماً بعد آخر حدود القدرة العسكرية للعدو وعجزه عن ترجمة تفوقه الناري إلى إنجازات استراتيجية ثابتة؛ حيث تحولت المعركة إلى صراع إرادات ومعادلات جديدة تفرضها المقاومة في الميدان وتنعكس على المشهد السياسي والإقليمي بأسره.
ومع تسارع التحولات الإقليمية وتقدم مسارات التفاوض المرتبطة بالحرب في المنطقة، يجد الكيان الصهيوني نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل الضغوط العسكرية مع المتغيرات السياسية، وتتراجع قدرة الاحتلال على فرض شروطه بعدما أخفق في تحقيق أهدافه المعلنة رغم أشهر طويلة من العدوان والتدمير.
وفي قلب هذه التطورات، يبرز لبنان بوصفه إحدى الساحات الرئيسية للردع، حيث تؤكد المعطيات الميدانية أن المقاومة ما زالت تحتفظ بقدرتها على المبادرة والمواجهة، فيما تتزايد المؤشرات على أن أي تسوية مقبلة لن تستطيع تجاوز معادلات القوة التي فرضتها التضحيات والصمود في الميدان.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور علي حمية أن أي اتفاق إيراني أمريكي ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان، سواء قبلت السلطة اللبنانية بذلك أم لم تقبل، معتبراً أن السلطة تماهت مع الجولات التفاوضية الاستسلامية إلى حدٍ بدا وكأنها تتناغم مع الموقف الإسرائيلي وتتحدث باسمه.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يؤكد حمية أن هذه السلطة فقدت الثقة والشعبية، وأن المتضرر الأكبر من أي اتفاق محتمل هو الأولوية الإسرائيلية والمتصهينون في الداخل اللبناني، في حين أن الولايات المتحدة باتت تضع أولوياتها الخاصة بعد أن خسرت كثيراً من مصالحها في المنطقة نتيجة دعمها للعدو الإسرائيلي.
ويضيف أن السلطة اللبنانية سقطت في نظر الشعب بغض النظر عن مآلات المفاوضات، معتبراً أنها لا تمتلك سلطة فعلية على الأرض أو في الجو أو حتى داخل مؤسساتها، وأن قرارها مرتبط بما تمليه التحركات الأمريكية.
ويشدد على أن السلطة جرّدت نفسها من عناصر القوة التي كانت تمتلكها عبر الشعب والمقاومة والجيش اللبناني، لافتاً إلى أن الجيش اللبناني أظهر عملياً وقوفه إلى جانب المقاومة رغم تعرضه للاستهداف الإسرائيلي وسقوط شهداء في صفوفه.
ويعتبر حمية أن ما يُسمى “المنطقة الصفراء” ستكون سبباً في هزيمة العدو الإسرائيلي، متحدثاً عن تحولات كبرى مقبلة في المنطقة، ورأى أن استمرار الحرب لأشهر إضافية سيدفع الاحتلال نفسه إلى المطالبة بوقف إطلاق النار بعدما بات المستوطنون يطالبون بذلك.
ويوضح أن لبنان أصبح ساحة تنافس نفوذ دولي وإقليمي، وأن الصراع الدائر فيه يتمحور حول من يمتلك القدرة على كسب النفوذ داخل البلاد، مؤكداً أن هناك قوى عدة ستواجه النفوذ الأمريكي المباشر، وأن نفوذ محور المقاومة سيستمر بأشكال مختلفة سياسية وميدانية.
ويشدد في ختام مداخلته على أن المنطقة تشهد ولادة شرق أوسط جديد لن يكون خاضعاً بالكامل للرؤية الأمريكية، بل سيكون لمحور المقاومة دور ونفوذ أساسي فيه، معتبراً أن كسب لبنان يعني كسر المشروع الإسرائيلي وإسقاط أحلام “إسرائيل الكبرى”.
من جانبه، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد علي أبي رعد أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول منذ أكثر من اثنتين وسبعين ساعة تحقيق أي إنجاز ميداني قبل تثبيت أي تفاهمات أو اتفاقات سياسية، مستفيداً من معلومات كانت تشير إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق إيراني أمريكي بعد الضغوط التي تعرضت لها الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يبيّن العميد أبي رعد أن الاحتلال ركز جهوده في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، ولا سيما في مناطق الخيام، ويحمر الشقيف، وزوطر الشرقية، بهدف تجاوز قلعة الشقيف والوصول إلى تلة “علي الطاهر” ذات الأهمية العسكرية والاستراتيجية؛ لأنها تمنحه إشرافاً نارياً وبصرياً واسعاً وتمكنه من التأثير على مدينة النبطية.
وينوّه إلى أن الاحتلال ما زال عاجزاً عن تثبيت أي موقع أو خط دفاعي ثابت رغم الضربات الجوية المكثفة، وأن المقاومة تواصل إحباط محاولاته ومنعه من تحقيق أي تقدم حقيقي.
ويلفت إلى أن العدو يركز أيضاً على القطاع الغربي، ولا سيما منطقة مجدل زون، بهدف حماية قواته المنتشرة في محيط بنت جبيل والخيام، إلا أن الطبيعة الجغرافية الصعبة والوديان العميقة تعيق قدرته على السيطرة الكاملة على المنطقة.
وينوّه أبي رعد إلى أن الاحتلال نفذ خلال الساعات الأخيرة أكثر من سبع محاولات تسلل نحو مجدل زون، بينها محاولة عبر كتيبة دبابات مدرعة انتهت بالفشل بعد تصدي المقاومة لها وتدمير أربع دبابات وجرافتي “D9”.
ويضيف أن الاحتلال يسعى إلى تثبيت خطوطه الحالية استعداداً لأي جولة تفاوضية مقبلة، مشيراً إلى أن ما رشح عن المفاوضات يؤكد أن البند الأول فيها يتمثل في وقف الحرب، وأن لبنان مشمول بهذا البند.
ويشهد على أن المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة تمنح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق مقاومته، مؤكداً أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الأراضي اللبنانية يمنح المقاومة كامل الحق في مواصلة التصدي له.
ويرى أن الرهان الأساسي يتمثل في قدرة الولايات المتحدة على كبح الاحتلال الإسرائيلي، لافتاً إلى أن المجرم نتنياهو ما زال يكرر خطاباته القديمة بشأن الملف النووي الإيراني رغم المتغيرات التي فرضتها الوقائع الأخيرة.
ويلفت إلى أن الولايات المتحدة اضطرت إلى إبداء مرونة أكبر بعد التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب وما نتج عنها من تداعيات استراتيجية وعسكرية وسياسية، مشيراً إلى أن الاحتلال يدرك حجم التأثير الذي قد يترتب على أي إغلاق لهذين الممرين الحيويين.
ويجزم بأن حزب الله لن يقبل بالعودة إلى ما قبل الثاني من مارس أو القبول باستمرار الاعتداءات والاغتيالات وقضم الأراضي اللبنانية كما كان يحصل سابقاً، مؤكداً أن المقاومة أثبتت قدرتها على الاستمرار في المواجهة لفترات طويلة.
ويختم أبي رعد مداخلته بالإشارة إلى إسقاط طائرة استطلاع إسرائيلية من طراز “هيرون 1” في منطقة البقاع، معتبراً أن ذلك يكشف امتلاك المقاومة أسلحة وقدرات جديدة يتم الإعلان عنها تدريجياً وفق متطلبات المعركة، وهو ما يثير قلق الاحتلال ويؤكد استمرار تطور إمكانات المقاومة.
