أطباء غزة في قلب المعركة

5

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
12 يونيو 2026مـ – 26 ذو الحجة 1447هـ

هاني أحمد علي: تتواصل المطالبات الحقوقية والإنسانية بضرورة حماية الطواقم الطبية داخل قطاع غزة، والإفراج عن الأطباء المعتقلين، ومحاسبة الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحق القطاع الصحي، الذي تحول إلى أحد أبرز ميادين المواجهة والصمود خلال حرب الإبادة المستمرة دون انقطاع.

وفي قلب المأساة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز معركة من نوع آخر يقودها فرسان المآزر البيضاء، الذين تحولوا بفعل آلة القتل الصهيونية من مسعفين ومداوين إلى شهداء وأسرى ومستهدفين، ومع استشهاد أكثر من 1700 كادر طبي واعتقال المئات، غدا الاستهداف استراتيجية ممنهجة لكسر إرادة الصمود الشعبي، وعزل الفلسطيني عن حقه في الحياة فوق أرضه.

تطرقت حلقة خاصة من غزة بثتها قناة “المسيرة”، إلى تضحيات الطواقم الطبية وصمودها في وجه العدوان المستمر على القطاع، مستندة إلى شهادات حية ميدانية من عمق المعاناة الإنسانية والسياسية في غزة، وسلطت الحلقة الضوء على “حرب الإبادة البيضاء”، وهي الجريمة المنظمة والمنهجية الموجهة لاستئصال المنظومة الصحية، باعتبارها الركيزة الأساسية التي منحت الشعب الفلسطيني مقومات الثبات فوق أرضه.

منذ الأيام الأولى للعدوان، وضع العدو الصهيوني المستشفيات ضمن بنك أهدافه المباشرة، مستهدفاً المنشآت الصحية بالقصف والحصار والاقتحام، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الطواقم الطبية أثناء النزاعات المسلحة.

ورغم حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمستشفيات والمراكز الصحية، واصل الأطباء عملهم في ظروف بالغة الصعوبة، متنقلين بين المستشفيات التي كانت تخرج تِباعاً عن الخدمة نتيجة القصف أو الحصار، حفاظاً على استمرار تقديم الرعاية الصحية للمرضى والجرحى، وشهدت مستشفيات الشفاء، والإندونيسي، وكمال عدوان، والعودة، وناصر، وغيرها من المرافق الصحية نماذج استثنائية من الصمود؛ حيث رفض العديد من الأطباء مغادرة مواقع عملهم رغم التهديدات المباشرة والاستهداف المتكرر.

ومن بين أبرز الأسماء التي تحولت إلى رموز وطنية وإنسانية خلال الحرب، الشهيد الطبيب عدنان البرش، رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، والذي تعرض للاعتقال خلال عمله الطبي قبل أن يستشهد داخل سجون الاحتلال بعد أشهر من التعذيب والانتهاكات، كما ارتقى الطبيب مروان السلطان، مدير المستشفى الإندونيسي، إثر استهداف مباشر طال مكان وجوده مع أفراد من عائلته، بعد مسيرة طويلة من العمل المتواصل لخدمة المرضى والجرحى خلال الحرب.

وتؤكد شهادات ذوي الشهداء أن هؤلاء الأطباء بقوا في مواقعهم حتى اللحظات الأخيرة، رافضين التخلي عن مسؤولياتهم الإنسانية، ومعتبرين أن علاج الجرحى والمرضى واجب وطني وأخلاقي لا يمكن التخلي عنه مهما بلغت التضحيات.

إلى جانب القتل المباشر، تعرض عشرات الأطباء للاعتقال من داخل المستشفيات وأماكن عملهم، حيث تحدثت شهادات موثقة عن تعرضهم لأساليب قاسية من التعذيب والإهمال الطبي وسوء المعاملة داخل السجون. ويقبع عدد من كبار الأطباء والاستشاريين في معتقلات الاحتلال، وسط تحذيرات من تدهور أوضاعهم الصحية نتيجة الحرمان من العلاج والطعام والرعاية الأساسية، وتشير إفادات الأسرى المحررين إلى أن سلطات الاحتلال تعمدت استهداف الكوادر الطبية باعتبارها أحد أهم عناصر الصمود المجتمعي في قطاع غزة، في محاولة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإضعاف قدرته على البقاء.

ولم تتوقف معاناة الطواقم الطبية عند حدود القصف والاستهداف، بل امتدت إلى مواجهة ظروف إنسانية قاسية فرضتها المجاعة ونقص الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية. وخلال فترات الحصار المشدد، اضطر الأطباء إلى إجراء عمليات جراحية بإمكانات محدودة للغاية، بينما عمل بعضهم لساعات طويلة ومتواصلة دون راحة، وسط نقص حاد في المعدات والأدوية وأدوات التخدير، كما واصل العديد من الأطباء عملهم وهم يعانون من الجوع والإصابات الشخصية وفقدان أفراد من أسرهم، في مشهد جسد حجم المسؤولية التي حملها الكادر الطبي الفلسطيني خلال العدوان.

وبحسب تصريحات العاملين في القطاع الصحي، فقد تحول الأطباء خلال العدوان إلى رمز من رموز الصمود الوطني، بعدما لعبوا دوراً محورياً في تثبيت السكان داخل مناطقهم رغم الظروف القاسية التي فرضها الاحتلال، فبقاء المستشفيات عاملة ولو بالحد الأدنى من الإمكانات منح الأهالي شعوراً بالأمان وساهم في تعزيز صمودهم، في وقت كان العدو يسعى فيه إلى فرض التهجير القسري وتفريغ مناطق واسعة من سكانها، كما شكلت تضحيات الأطباء والكوادر الصحية نموذجاً ملهماً للشعب الفلسطيني، ورسخت صورة العامل الصحي بوصفه شريكاً أساسياً في معركة الصمود والبقاء.

ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع الصحي، يؤكد ذوو الشهداء والأطباء العاملون أن هذه الجرائم لن تنجح في كسر إرادة الفلسطينيين أو دفعهم للتخلي عن رسالتهم الإنسانية، فالأطباء الذين ارتقوا أو اعتقلوا أو أصيبوا تركوا وراءهم إرثاً من التضحية والعطاء، سيبقى شاهداً على واحدة من أكثر صفحات الصمود إشراقاً في تاريخ الشعب الفلسطيني.

لقد شهد القطاع الصحي مجزرة بشرية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، تمثلت باستشهاد أكثر من 1700 كادر طبي، واختطاف ما يزيد عن 360 آخرين من خيرة العقول الطبية والجراحية، ناهيك عن رحلة العذاب التي خاضها الأطباء في سجون العدو، وتحديداً في معتقلات “سيدي تيمان”، وعسقلان، وعوفر، حيث تمارس الفاشية الصهيونية أبشع أنواع التنكيل الجسدي والنفسي بحقهم.

إن اختطاف البروفيسور عدنان البرش، رئيس قسم العظام بمستشفى الشفاء وأحد أشهر جراحي العظام في العالم العربي، كان قرار اغتيال مع وقف التنفيذ، إذ اختطفه العدو من مستشفى العودة بشمال القطاع وهو على رأس عمله، وأخضعه لرحلة تعذيب دامت أربعة أشهر، تنقل خلالها بين زنازين معتمة، وجرى إطلاق الكلاب البوليسية لنهش جسده، وتوجيه ضربات قاتلة لجمجمته وخاصرته، حتى ارتقى شهيداً بدم بارد، ولا يزال جثمانه الطاهر محتجزاً لدى الاحتلال رفقة زميله الدكتور إياد الرنتيسي.

وتؤكد الشهادات القانونية والحقوقية أن الأطباء المعتمَدين والموقوفين في زنازين الكيان يعيشون مجاعة حقيقية، حيث انخفضت أوزان القامات الطبية بمعدل يتراوح بين 30 إلى 40 كيلوغراماً. ويتعمد السجانون الصهاينة منع العلاج عن الأطباء المصابين بأمراض جلدية فتاكة تفشت داخل السجون كالجرب والجدري، فضلاً عن كسر عظامهم أثناء جولات التحقيق العبثية التي تتركز حول تهمة واحدة: “لماذا ترفضون إخلاء المستشفيات وتصرون على معالجة أبناء شعبكم؟”.

ووثق ملف “من غزة” على قناة “المسيرة”، نماذج من الصمود الأسطوري للطواقم الطبية التي أدارت الأزمة بأقل الإمكانيات المتاحة، محققة معجزات طبية حقيقية منها الجراحة بلا تخدير وعمليات الرصيف، حيث اضطر الجراحون لبتر أطراف الأطفال والنساء على الأرض مباشرة، أو على عربات النقل الخشبية، بل وعلى كراسي أطباء الأسنان، لعدم توفر غرف عمليات صالحة أو مواد تخديرية.

وتعمد العدو تدمير التكامل الصحي، فلا يوجد مستشفى واحد يقدم خدمة كاملة، ما اضطر الأطباء لتوزيع الخدمات، فالأطفال في كمال عدوان، والجراحة الباطنية في الإندونيسي، الأمر الذي أجبر الجرحى على التنقل بين المستشفيات تحت القصف المباشر.

وفي ذروة المجاعة بشمال القطاع وخلال شهر رمضان المبارك، دشن الأطباء برنامج “البورد الفلسطيني” للتدريب تحت النار، وكان الكادر الطبي يعمل طوال النهار في غرف العمليات وهو صائم، ليفطر في المساء على “ربع منقوشة زعتر” جرى إعدادها بعد شراء كيس دقيق واحد بمبلغ خيالي وصل إلى 1500 دولار، واستمر هذا الحال لأسبوعين كاملين دون أن يغادر طبيب واحد ثغره الطوعي.

لقد تجاوز الحقد الصهيوني الطبيب بصفته المهنية، ليتتبع عائلته وأطفاله بهدف الضغط النفسي عليه لكسر عزيمته وإرادته، فالدكتور مروان السلطان، مدير المستشفى الإندونيسي، أعلى قامة علمية طبية في القطاع، رفض الانصياع لأوامر الإخلاء وظل مرابطاً طالما هنالك جريح واحد، وبعد خروج مستشفاه عن الخدمة بفعل الدبابات، واصل عمله في النقاط الميدانية، ودفع الدكتور مروان ضريبة الدم كاملة عندما قصف طيران العدو الشقة السكنية التي نزحت إليها عائلته في منطقة غرب غزة “التي زعم العدو أنها آمنة”، مما أسفر عن استشهاد 30 شخصاً من أسرته، بينهم والده ووالدته وشقيقته وأبناء عمومته في محرقة صهيونية واحدة.

لقد أسقطت دماء شهداء المآزر البيضاء آخر الأقنعة الزائفة عن القوانين الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، ومؤسسات “أطباء بلا حدود” التي وقفت عاجزة أمام غطرسة الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا والكيان الصهيوني.

إن صمود القطاع الصحي في غزة كان جهاداً مقدساً وأمانة دينية ووطنية بذل الأطباء في سبيلها الأرواح والعائلات، كما تبقى المنظومة الطبية هي خط الدفاع الأول عن وجود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه رغم أنف الاحتلال.