ما بعد قلعة شقيف: معركة فرض الإرادة وجنوب لبنان الجديد
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
6 يونيو 2026مـ – 20 ذو الحجة 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
قبل أيام، تصدّر مشهد “قلعة شقيف” واجهة الحرب الدائرة في جنوب لبنان، إثر إعلان ما يسمى وزير جيش العدو الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” ما أسماه “احتلال القلعة”، في محاولة لتحويل عملية تسلل محدودة إلى إنجاز يُسوق داخلياً وخارجياً. لكن المشهد الآن بات أكثر وضوحاً: ما يجري ليس معركة على تلة، بقدر ماهي حرب متعددة الجبهات عنوانها الأكبر “فرض الإرادة”، تمتد من صخور شقيف أرنون إلى مصير جنوب لبنان برمته، وتتصل بخيوط إقليمية ممتدة إلى دمشق وطهران والجولان السوري المحتل، ومحاولات الالتفاف على المقاومة باستحداث مسار المفاوضات الخياني لفرض أهداف العدو التي عجز عن انتزاعها في الميدان وإدخال لبنان في جوقة التطبيع العربي وقطار التطويع الصهيوني المتسارع.
هذا التقرير يحاول تفكيك الطبقات الأعمق للمشهد، بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي يصنعه قادة العدو، والوقوف على المسارات الحقيقية للمواجهة كما ترسمها المعطيات الميدانية والمستجدات الأخيرة.
ما وراء الشقيف.. حرب الأرض المحروقة
عندما أعلن وزير جيش العدو أن قواته “ستبقى في القلعة ولن تنسحب منها”، وهدد بهدم “آلاف المنازل” في جنوب لبنان، كان يلخص سياسة ممنهجة تنفذها قوات العدو على امتداد الجنوب اللبناني. ما يرصده إعلام المقاومة هو عملية تطهير جغرافي وديموغرافي تتجاوز فكرة “الحزام الأمني” التقليدي إلى خلق “مناطق ميتة” على طول الشريط الحدودي. من العديسة شرقاً إلى ميس الجبل والناقورة غرباً، تواصل قوات العدو عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية والمباني السكنية تحت غطاء “الضرورة العسكرية”. عشرات القرى الحدودية إما سويت بالأرض أو أصبحت غير قابلة للسكن، هذه ليست حرباً تقليدية، بقدر ماهو عقاب جماعي يُمارس ضد بيئة المقاومة بهدف معلن هو جعل العودة إليها مستحيلة، وخلق واقع جغرافي جديد يُسهل على العدو السيطرة، ويمنع المقاومة من التمركز قرب الحدود.
في هذا السياق، تبرز قلعة شقيف كإنجاز رمزي يحاول العدو تسويقه إعلامياً، غير أن مراقبين يشيرون إلى أن القلعة -رغم قيمتها التاريخية والمعنوية- ليست سوى نقطة في محيط أوس. ووفق محللين عسكريين، فإن الموقع الأكثر أهمية هو تلة علي الطاهر التي تتيح السيطرة على جزء كبير من مدينة النبطية، في إشارة إلى أن العدو لا يزال عاجزاً عن التقدم نحو المدينة، ما يجعل احتلال القلعة مجرد محاولة لتحقيق نصر إعلامي.
استراتيجية الاستنزاف.. عندما يصبح التقدم فخاً
في الجانب الآخر، تواصل المقاومة اللبنانية تطبيق استراتيجية مختلفة عن منطق الجيوش النظامية: استراتيجية “الاستنزاف المنظم” التي لا تهدف إلى التمسك بكل متر من الأرض، بل إلى جعل كل متر يتقدم فيه العدو فخاً مميتاً، وكل موقع يحتله سجناً مفتوحاً لقواته. خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت وتيرة هذا الاستنزاف بفضل الاستخدام المكثف للمسيّرات الموجهة عبر الألياف الضوئية. كشف تقرير مطول لصحيفة أجنبية أن هذه المسيّرات “أحدثت صدمة في المؤسستين العسكرية والسياسية الإسرائيلية”، بعد أن نجحت في استهداف دبابات ميركافا وناقلات جند ومنظومات دفاع جوي. ووفق التقرير، فإن أجهزة استخبارات العدو كانت على علم مسبق بهذا التهديد منذ عام 2024، لكن المؤسسة العسكرية لم تتعامل معه بالجدية المطلوبة.
المفارقة أن العدو لم يبادر إلى نصب شبكات واقية فوق المواقع والآليات (وهو إجراء بسيط اعتمدته جهات أخرى في صراعات سابقة)، وهو ما أثار انتقادات واسعة في الداخل، وأجبر رئيس حكومة العدو على الإعلان عن تشكيل فريق طوارئ لإيجاد حلول، مؤكداً أن الميزانية المخصصة لذلك “مفتوحة بغض النظر عن التكاليف”. ما يعنيه هذا عملياً هو أن كل موقع يحتله العدو، سواء قلعة الشقيف أو غيرها، يتحول إلى هدف دائم للمسيّرات والصواريخ الموجّهة، ما يفرض على القوات المحتلة حالة استنفار دائم واستنزاف مستمر. التاريخ يعيد نفسه، “الطريق الدامي” الذي أطلق عليه جنود العدو خلال احتلالهم السابق (1978-2000) وصفاً للطريق المؤدية إلى القلعة، قد يكون اليوم مجرد اسم من أسماء كثيرة لجحيم مماثل.
جبهة الداخل.. الحرب النفسية تنقلب على صانعها
بعيداً عن الميدان تدور حرب موازية في الداخل الصهيوني، حيث تحاول القيادة السياسية والعسكرية إدارة أزمة ثقة متفاقمة؛ التصريحات التي يطلقها وزير جيش العدو ووزير ماليته ليست موجهة للجمهور العربي فقط، بل للشارع الصهيوني القلق والمأزوم؛ فحين يتحدث أحدهم عن “البقاء في القلعة وعدم الانسحاب”، ويصف آخر احتلال الشقيف بأنه “تصحيح لخطأ تاريخي”، فإنهما يخاطبان إرثاً مؤلماً في الذاكرة الصهيونية: إرث الانسحاب المذل من جنوب لبنان في مايو 2000. هذا الإرث لا يزال يشكل عقدة، وأي حديث عن “احتلال دائم” يُثير مخاوف من تكرار سيناريو “المستنقع اللبناني”.
من جهة أخرى، كان لتقرير صحيفة نيويورك تايمز عن معضلة مسيرات حزب الله وقع قوي في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، حيث أشار إلى أن العدو “توسل” الخبرة الأوكرانية في مجال مكافحة المسيّرات، فقد زار ضباط أوكرانيون “إسرائيل” لعرض أساليب التصدي، وطلبت القيادة الصهيونية مؤخراً إرسال وفد أوكراني جديد، لكن كييف ربطت ذلك بزيادة الدعم الإسرائيلي لقدراتها الدفاعية الجوية. هذه الصورة للكيان، وهو يستجدي المساعدة لمواجهة سلاح بدائي، وجهت ضربة لصورة “التفوق التكنولوجي” التي يتباهى بها العدو، كما أن الحرب النفسية التي أرادها قادة العدو انقلبت عليهم؛ فالشارع الصهيوني يدرك أن احتلال الشقيف ليس نصراً، كما يقدمه قادتهم بقدر ماهو تذكير بفشل سابق، وأن التهديد الحقيقي ليس في صخور القلعة، انما في المسيّرات التي تحلق فوق الرؤوس ولا تستطيع الدفاعات إيقافها.
البعد الإقليمي ومستجدات الساعات الأخيرة
لا يمكن فهم المشهد في جنوب لبنان بمعزل عن سياقه الإقليمي، فما يجري في لبنان هو الواجهة الأكثر سخونة، لكنه متصل عضوياً بما يجري في سوريا والجولان المحتل. وفق مصادر ميدانية حاولت قوات العدو التقدم نحو أطراف بلدة الخيام، لكنها واجهت مقاومة عنيفة أفشلت المحاولة وأوقعت خسائر، كما سُمع دوي انفجارات في محيط موقع العدو في قلعة شقيف، ناجمة عن قذائف موجهة استهدفت تحركات لقوات الاحتلال في المنطقة. في غضون ذلك، أعلن المتحدث باسم قوات العدو فرض قيود إضافية على التجمعات في الشمال المحتل، تحسباً لردود فعل محتملة من جبهة الجولان.
على المستوى الدبلوماسي، كشفت مصادر مطلعة لشبكتنا أن اتصالات مكثفة تجري عبر وسطاء لتجنب انفجار شامل، وسط إصرار كيان العدو على شروط لا تلبّي الحد الأدنى لمطالب لبنان والمقاومة. يشير مراقبون إلى أن استراتيجية الخنق التي يحاول العدو فرضها عبر قطع طرق الإمداد بين لبنان وسوريا تواجه عقبات كبرى، إذ طورت المقاومة شبكات إمداد لامركزية يصعب قطعها باحتلال موقع أو تلة.
سباق محموم بين إرادتين
في المحصلة، يقف المشهد في جنوب لبنان اليوم على مفترق طرق بين آلة عسكرية للعدو الإسرائيلي هائلة تمارس تدميراً ممنهجاً، وتسعى لخلق أمر واقع ديموغرافي وجغرافي، وتحاول تسويق إنجازات رمزية كـ”احتلال قلعة الشقيف” لتبرير استمرار الحرب، ومن جهة أخرى استراتيجية استنزاف لا نهائية تديرها المقاومة، تعتمد على الجغرافيا المعقدة والتكنولوجيا المتطورة، وتستثمر عامل الوقت لصالحها، كما أثبتت المستجدات الميدانية الأخيرة، والحقيقة المستقاة، أن المقاومة ستفرض إرادتها وتثبت أن كل ذرة تراب محتلة ستكون كلفتها الدم والهزيمة النفسية للعدو وجنوده، وصولا الى التحرير الكامل، استنادا إلى التاريخ القريب والتجارب السابقة التي كانت عواقبها انتصار المقاومة وهزيمة العدو.
