لماذا يأتي عيد الغدير بعد عيد الأضحى؟

6

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
2 يونيو 2026مـ – 16 ذو الحجة 1447هـ

​بقلم// علي مهدي العوش

​منذ أن وطئت أقدام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أرض اليمن، وصلى بأجدادنا الأنصار في سوق الحلقة فدخلوا في دين الله أفواجاً، كُتبت بين اليمنيين وهذا الرجل قصة عشق إيماني ممتدة عبر الأجيال. ومع إشراقة الثامن عشر من ذي الحجة في كل عام، يتجاوز الوجدان اليمني حدود الزمان والمكان ليعود إلى تلك الصحراء الهجيرة بين مكة والمدينة، حيث وقف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) رافعاً يد ابن عمه وأخيه في “غدير خم”، صادعاً بالأمر الإلهي ومُعلناً للأمة والكون: «من كنت مولاه فهذا الإمام علي مولاه».

ولمن يتأمل بعين البصيرة والتدبر، يجد سراً إلهياً عظيماً في الترتيب الزمني لهذه المناسبات؛ فـ “عيد الغدير” يأتي مباشرة بعد “عيد الأضحى المبارك” (يوم الحج الأكبر)، وهو اليوم الذي جعله الله في القرآن عنواناً للبراءة من المشركين والطواغيت. وهنا تتجلى سُنّة الله الحتمية في هداية البشر وصياغة الوعي الإيماني: فلا يمكن للإنسان أن يحقق الإيمان الخالص والتولي الصادق ما لم يتبرأ أولاً من الطاغوت، فـ “الكفر بالطاغوت” شرطٌ يسبق “الإيمان بالله”. ومن هنا، كان عيد الأضحى بمثابة محطة لإعلان التبرؤ والرفض لقوى الاستكبار، ليعقبه عيد الغدير كمحطة لإعلان التولي والارتباط بمنهج الحق؛ إذ لا تستقيم الولاية الإلهية في قلبٍ لم يطهر نفسه من موالاة أعداء الله.

إن إحياءنا اليوم لهذا البلاغ الأكبر ليس مجرد طقس احتفالي بصفحة من الماضي، بل هو تلبية واعية طمعاً في أن نحظى بجائزة السماء الكبرى، ونكون مشمولين بالدعاء النبوي الخالد الذي صار نشيد الأحرار: «اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله». ونحن إذ نحتشد ونرفع الأصوات بذكر الإمام علي (عليه السلام)، نعلم يقيناً أنه ليس بحاجة إلينا لندعم مقامه؛ فهو العَلَم الشامخ الذي خلّد الله ثناءه في محكم التنزيل، بل نحن الفقراء والمحتاجون إلى نهجه، وفكره، وعدالته لترتفع بها أمتنا من كبوتها، وتنتصر شعوبنا المستضعفة في مواجهة قوى البغي والعدوان.

لذلك، يخطئ من يظن أن احتفالنا ينطلق من عصبية جاهلية أو طائفية مقيتة نبرأ إلى الله منها، بل هو امتثال لأمر قرآني جعل التولي امتداداً للرسالة الإلهية في يوم شهد فيه الوجود إكمال الدين وإتمام النعمة. وفي عالم تملؤه المفارقات، نرى دولاً ومنظمات تقيم احتفالاتها العظيمة بأيام تحررها الوطنية أو بمناسبات عادية وعابرة، فكيف لا يحتفل المؤمنون باليوم الذي رضي الله لهم فيه الإسلام ديناً؟

إن هذا التمسك الحاسم بمنهج الغدير —القائم على التبرؤ من الطاغوت وتولي أولياء الله— يفسر لنا بوضوح موازين الصراع المعاصر؛ فحين نتأمل في واقعنا اليوم، يبرز التساؤل الجوهري: لماذا تستهدف أمريكا وإسرائيل، بكل عتادهم وجبروتهم، أولئك الذين يتولون الإمام علي (عليه السلام) بالذات؟ ولماذا لا نجد اليوم في ميادين المواجهة الحقيقية من يقض مضاجع الاستكبار العالمي إلا أتباع هذه المدرسة؟ الإجابة تكمن في سر الولاية نفسها؛ فالغدير يورث أتباعه ركوعاً لله وحده ورفضاً مطلقاً لكل طاغوت، والعدو يدرك جيداً أن من يتولى حيدر الكرار يحمل جينات فاتح خيبر, فلا يقبل بضيم ولا ينحني لوصاية.

ومن رحم هذه المواجهة تولد النتيجة الإلهية الحتمية: أن هؤلاء المتولين ينتصرون دائماً برغم قلتهم وحصارهم وشحة إمكانياتهم المادية، وهذا مصداق حي للاستجابة الفورية للدعاء النبوي «وانصر من نصره». وفي المقابل، يتضح المشهد أكثر حين نرى أولئك الذين تملّكهم الخوف وارتموا في أحضان أمريكا وإسرائيل من الأنظمة، وكيف أن ابتعادهم عن ثقافة الغدير سلب منهم المناعة الروحية، فصار من السهل قيادهم، ونهب ثرواتهم، وتجريدهم من قرارهم السيادي لتتحول عروشهم إلى أدوات لخدمة المشاريع الاستعمارية بدلاً من عزة الأمة.

وفي هذا اليوم الأغر، تزدان مدننا بالبهجة وتصدح الزوامل والأناشيد، لنحمي أجيالنا الناشئة من مسارات الضياع والتمييع، ونربطهم برمزهم الأسمى الذي يمنحهم العزة والبصيرة النافذة في زمن الفتن والتباس المواقف، مسترشدين بالحديث النبوي القائل في الإمام علي (عليه السلام): «علي مع الحق والحق مع علي».

ختاماً:
تنقضي ساعات اليوم، وتخبو أضواء الساحات، لكن بيعة الغدير تظل حية نابضة في عروقنا لبناء مستقبلنا. نمضي وعيوننا شاخصة نحو الأفق، نلهج بذات الدعاء النبوي، ونحن على ثقة تامة بأن العزة والرفعة والتمكين في نهاية المطاف، هي حليفة المستضعفين الذين عرفوا كيف يتولون أولياء الله ويتبرأون من أعداء الله.