هل سمع العرب مقابلة نتنياهو الأخيرة؟ فأين يقع الشرق الأوسط الجديد الذي يريده الصهاينة ؟!

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
1 يونيو 2026مـ – 15 ذو الحجة 1447هـ

تقرير || يحيى الشامي

لا يفتأ نتنياهو يُذكّر العربَ بأن لهم عدواً لا يهدأ، كلما تناسوا أطل المجرم من جديد بسردية “الدولة” الصهيونية التي لا تعترف باتفاق مع مناوئيها ولا تحترم حليفاً من مسالميها. وقد اعترف رأس الهرم في كيان العدو -بلا مواربة، في لقائه الإعلامي الأخير- أن الحرب الحالية تتجاوز جغرافيا غزة ولبنان إلى حدود أطماع الصهيونية التي لا حدود لها، معيداً تجديد ما أكده مسبقاً على رؤوس الأعراب بإنها معركة تهدف -في الأساس- إلى “إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله”، وصناعة واقع جيوسياسي يخضع للهيمنة الصهيونية بالكامل.
يقول نتنياهو ما فعله ويخبر بما سيفعله مطْمَئناً إلى سبات أو موات عربي عجزت عن إحيائه الإبادة والمخاطر التي تهدد اليوم كل الوجود العربي أو ما يسميه المجرم بشرق أوسطه الجديد، ولا جديد يُرى أو يُسمع من العرب الذين سيقول بعضهم لبعض غداً: ولات حين مناص أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض!
يعلن المجرم نتنياهو -بلا مواربة- عن الوجه العاري للمشروع الصهيوني، متجاوزاً سردية “الدفاع عن النفس” إلى مربع الهيمنة المطلقة. إن حديثه عن احتلال 70% من قطاع غزة وفرض حصار خانق من الجهات كافة هو إعلان عن حرب وجودية تهدف إلى “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” بالكامل، في طموح توسعي لا يخفيه العدو منذ بدء إبادته غزة، في محاولة لصناعة واقع جيوسياسي يسحق السيادة العربية ويحوِّل العواصم (من المحيط إلى الخليج) إلى مناطق نفوذ خاضعة للهيمنة الصهيونية، فالعدو لا يكتفي بقضم الأرض، بل يمارس عملية “كي وعي” شاملة للأنظمة والشعوب، مستغلاً حالة التبلّد الرسمي العربي التي تتعامل مع التهديد الوجودي وكأنه واقع في قارة أخرى، بينما الحقيقة أن المصلحة الصهيونية باتت ترى في الضعف العربي فرصة ذهبية للانتقال من الدفاع عن الأراضي التي احتلتها إلى الهجوم الشامل عسكرياً وسياسيا.

لا يمكن فصل تصريحات نتنياهو عن النزعة الإجرامية التي يبديها أقطاب حكومته؛ فالمجرم “إيتمار بن غفير” -من فوق تلال مغتصبة “شتولا”- يطالب بتسوية الضاحية الجنوبية لبيروت بالأرض ورفض أي صيغة للتهدئة، معتبراً أن “السياسة المتشددة” هي السبيل الوحيد لـ”إخضاع لبنان”. هذا التصعيد المتوافق مع التهديد الميداني يتناغم مع دعوات المجرم “بتسلئيل سموتريتش” لاحتلال “قلعة الشقيف” لـ”تصحيح” ما وصفه بـ “أخطاء قديمة”، ويكشف عن نية مبيتة لفتح جبهات لا تنتهي.

سوريا المستسلمة لا تسلم من العدو
العدو بدأ بالفعل في الجبهة السورية برسم واقع أمني جديد في القنيطرة ودرعا؛ فالتحركات العسكرية والتوغلات التي طالت قرى “الحيران” ووادي الرقاد هي مسار قائم وبقوة لتثبيت “منطقة نفوذ مفتوحة” يعاد تشكيلها تحت النار، مستغلاً صمت “الجولاني” والقوى المسلحة المسيطرة هناك، ما ينذر بتحويل الجنوب السوري إلى حزام أمني صهيوني دائم يهدد العمق الاستراتيجي للمنطقة. يجري هذا رغم حالة الاستسلام التي يبديها نظام الحكم السوري الجديد، والتي لا تعفيه من الأطماع الصهيونية المدفوعة اليوم بعقائد محرفة تحرك غول الصهيونية في المنطقة دون مراعاة اتفاق ولا استثناء حليف. ويمكن من سوريا تفنيد كل دعوات المنبطحين اللبنانيين الذاهبين للتفاوض مع العدو على أمل السلام.

معضلة الصهيوني في الجبهة اللبنانية
هذا الاندفاع الصهيوني المصاب بجنون العظمة يصطدم في لبنان بواقع ميداني مختلف تماماً، حيث تحول الجنوب إلى “ثقب أسود” يبتلع قدرة ومقدرات “الجيش الذي لا يقهر”. خبراء يرون في تحليلهم لعمليات المقاومة الإسلامية في لبنان خلال شهر مايو أنها تكشف عن استراتيجية استنزاف “متعددة الطبقات”؛ فالمسألة لم تعد قصفاً متبادلاً، بقدر ما هي عملية جراحية لتفكيك قدرات العدو وتدفيعه ثمن مغامراته غير محسوبة النتائج والعواقب، منها استهداف 71 دبابة ميركافا وهو ما يعني ضرب العمود الفقري لسلاح المدرعات، وشلّ 44 جرافة من نوع D9 أيْ إحباط أيّة محاولة هندسية للتقدم، أما إصابة 12 منصة قبة حديدية وأجهزة تشويش فهو يعني بالضرورة “إصابة العدو بالعمى” وسلب منظومته الدفاعية فاعليتها. هذا الاستنزاف الممنهج هو ما دفع “يسرائيل زيف”، رئيس شعبة العمليات السابق، للاعتراف بمرارةٍ قائلاً: “لا توجد نهاية واضحة في لبنان، وفي الواقع فإن المسألة الجوهرية والفرصة المذهلة هي وجود حكومة يمكن إبرام اتفاق سلام معها، ورغم أن هذا الاتفاق لا يحل كل المشاكل ولكنه كان متاحاً منذ عام ونصف”

فضيحة المسيّرات وسراب الردع
على مستوى المواجهة التقنية، يعيش كيان العدو حالة من الذهول أمام “محلقات حزب الله الانقضاضية” التي أدمت الجنود وفتكت بالتحصينات دون حل تقني يلوح في الأفق. تُعبِّر “نعاما سيكولر”، رئيسة تحرير مجلة غلوبس الاقتصادية، عن هذا الإخفاق بقولها: “لا أعتقد أنه يمكن تسمية هذا بتهديد الطائرات المسيرة، إنه فضيحة، إنه إخفاق، إنه حدث جنوني أن نقف هكذا أمام تهديد أولاً كان معروفاً، ورئيس حكومتنا قال قبل تسع سنوات إنه يعرف كيف يتعامل معه، ولكننا نقف هكذا مع شباك صيد”. هذا العجز الميداني يؤكد أن حزب الله نجح في فرض “شبكة استنزاف” تتحرك بديناميكية عالية، تمنع العدو من تثبيت أي توغل بري، وهو ما يقر به المحلل العسكري “أمير بار شالوم” حين يقول: “هناك تهديد الطائرات المسيرة والمحلّقات في الميدان. إنه يقيّد بالتأكيد خطواتنا، والمشكلة هي أن تهديد الطائرات المسيرة لن يختفي، وهذا يرجع إلى قضية حزب الله وإلى حقيقة أن أيدينا مقيدة في لبنان”.

السقوط في الفخ الكبير
في القراءة الاستشرافية للمشهد، يبدو أن الكيان الصهيوني -برغم تبجح قادته- يسير نحو فخ تاريخي طويل الأمد، فـ”الشرق الأوسط الجديد” الذي يحلم به نتنياهو يصطدم اليوم بحقيقة أن القوة العسكرية الغاشمة لم تعد قادرة على حسم المعارك أمام فصائل تتقن حرب الاستنزاف المنظم، فهو لا يزال عالقاً في غزة دون تحقيق أي من أهدافه المعلنة رغم حرب الإبادة التي لم تتوقف. الجغرافيا الساخنة في “البيّاضة” و”يحمر الشقيف” و”الخيام” أثبتت أن جيش العدو لا يواجه خطوط تماس ثابتة يمكنه كسرها، بل يواجه استنزافاً يومياً مفتوح الكلفة. وبحسب اعتراف “دفيد أزولاي”، رئيس مجلس مغتصبة المطلة، فإن الداخل الصهيوني بدأ يدرك حجم الكذب الذي يمارسه نتنياهو، حيث قال أزولاي: “نتنياهو يقوم بزيارة الجنود، فلماذا لا يأتي ليرى أين يعيش الناس، أين يتواجد الناس في الملاجئ؟ هو يأتي فقط إلى القوات لأنه هناك لا يوجهون انتقادات، هناك لا يطرحون أسئلة، هناك الجميع يتعانقون في مشهد مليء بالكذب”.

في المحصلة فإن المشهد القادم يشير إلى تصدع عميق في نظرية الأمن الصهيوني؛ فبينما يحاول المجرمون من قادة كيان العدو الاسرائيلي توسيع رقعة الاحتلال في غزة وسوريا ولبنان، تغرق عصاباتُ جيشهم في رمال الاستنزاف المتحركة من لبنان إلى غزة وقريباً في سوريا، غير أن الحقيقة التي لا يجب تغييبها عن واعية الإدراك العربي أن الصلف الصهيوني الذي يتغذى على الصمت العربي يواجه اليوم حقيقة ميدانية صلبة يصنعها المجاهدون ويزرعها الشهداء في نفوس الأجيال ونفوس أبناء المجازر والمهجرين والمعذبين، وهي حقيقة يدركها الصهيوني ويدرك أو يحاول إدراك أن المستقبل لا يبشره بالاستقرار الذي يطمح إليه، بل بجبهات مفتوحة ستحول حلم الهيمنة إلى كابوس وجودي يعتقد البعض أنه جزء من لعنة العقد الثامن، وهو -بمنظور المؤمنين- جزء من يقين الفتح الموعود والزوال الحتمي.