تحقيق الاكتفاء الذاتي… مسؤولية وطنية جماعية.

15

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
26 مايو 2026مـ – 9 ذو الحجة 1447هـ

بقلم// صدام حسين عمير

يُعد تحقيق الاكتفاء الذاتي من القضايا الوطنية الاستراتيجية التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأمن المجتمع واستقراره وكرامته وسيادته الاقتصادية. فالاكتفاء الذاتي، لا سيما في الاحتياجات الأساسية، لم يعد خيارًا اقتصاديًا يمكن تأجيله، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات الواقع، وتقلبات الأسواق العالمية، والأزمات التي قد تؤثر في سلاسل الإمداد وتوافر السلع الأساسية.

إن مسؤولية تحقيق الاكتفاء الذاتي لا تقع على عاتق وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية وحدها، ولا على الهيئات والمؤسسات التابعة لها، رغم ما تمثله من محور رئيس في إدارة وتنمية القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالغذاء والمياه. فهذا الهدف الوطني الكبير يتجاوز حدود اختصاص وزارة بعينها، ويتطلب تكاملًا فعليًا بين مؤسسات الدولة كافة، والقطاع الخاص، والمجتمع بكل مكوناته.

فالمزارع والصياد والمنتج المحلي لا يمكن أن يتحملوا وحدهم عبء تحقيق هذا الهدف دون وجود منظومة وطنية متكاملة توفر لهم البيئة المناسبة للإنتاج، من تخطيط وتمويل، وبنية تحتية، وطاقة، ونقل، وتسويق، وحماية قانونية، وتأهيل فني، وتوعية مجتمعية. ومن هنا، فإن الاكتفاء الذاتي مسؤولية جماعية تبدأ من أعلى مستويات الدولة، وتمتد إلى كل مؤسسة وقطاع وفرد.

وتتحمل الدولة المسؤولية الأولى في صياغة رؤية وطنية واضحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، تقوم على استثمار الموارد المتاحة بكفاءة، وتوجيه السياسات العامة نحو تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد، خصوصًا في الغذاء والسلع الأساسية. ويتطلب ذلك خططًا عملية قابلة للتنفيذ، وأهدافًا محددة، ومؤشرات أداء واضحة، وآليات متابعة وتقييم مستمرة، إلى جانب تنسيق فعّال بين مختلف الجهات ذات العلاقة.

ويؤدي البرلمان دورًا محوريًا في هذا المسار، من خلال سن التشريعات والسياسات التي تحفز الإنتاج المحلي، وتحمي المنتج الوطني، وتشجع الاستثمار في القطاعات الزراعية والسمكية والصناعية، إضافة إلى دوره الرقابي في متابعة أداء الحكومة، ومراجعة تنفيذ الخطط والبرامج المتعلقة بالأمن الغذائي والتنمية الإنتاجية، وضمان توجيه الموارد العامة نحو الأولويات الوطنية.

فالبرلمان ليس مجرد سلطة تشريعية ورقابية، بل شريك أساسي في بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذات.

كما تتحمل الحكومة بمختلف وزاراتها مسؤوليات تكاملية في هذا المشروع الوطني. فوزارة المالية معنية بتوفير الحوافز التمويلية والدعم للمشاريع الإنتاجية، ووزارة الاقتصاد والاستثمار مسؤولة عن تحسين البيئة الاستثمارية وتشجيع رؤوس الأموال الوطنية نحو القطاعات الإنتاجية، فيما تضطلع وزارة الإدارة المحلية والتنمية الريفية بدور أساسي في تنمية المجتمعات المحلية وتعزيز الإنتاج الريفي.

وتبرز أهمية وزارة النقل والأشغال العامة في توفير البنية التحتية اللازمة من طرق وموانئ ومرافق لوجستية تضمن انسياب المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق بكفاءة وتكلفة مناسبة.

ولا يقل دور الوزارات الأخرى أهمية؛ فوزارة التربية والتعليم  مطالبة بغرس ثقافة الإنتاج والعمل والاعتماد على الذات، وربط التعليم باحتياجات التنمية الوطنية. ووزارة الصحة مسؤولة عن ضمان سلامة الغذاء وجودة المنتجات المحلية وتعزيز أنماط الاستهلاك الصحي. أما وزارة النفط والمعادن ، فتؤدي دورًا حيويًا في تأمين احتياجات الإنتاج من الطاقة اللازمة للري والتصنيع والتخزين والنقل.

كما يمثل الإعلام والثقافة والرياضة أدوات مؤثرة في تحويل الاكتفاء الذاتي من توجه حكومي إلى ثقافة مجتمعية راسخة، من خلال رفع الوعي، وتعزيز الثقة بالمنتج الوطني، وترسيخ قيم العمل والإنتاج، ومحاربة ثقافة الاتكال والاستهلاك غير الرشيد.

وفي الجانب المؤسسي والقانوني، تؤدي وزارة العدل دورًا مهمًا في حماية الحقوق والعقود والاستثمارات، وحل النزاعات المتعلقة بالأراضي والمشاريع الإنتاجية، بما يعزز ثقة المستثمرين والمنتجين. كما تضطلع وزارة الخارجية بدور داعم في توسيع آفاق التعاون الاقتصادي الخارجي، وجذب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الوطنية.

كذلك يمكن للهيئات ذات البعد المجتمعي، مثل الزكاة والأوقاف، أن تسهم بفاعلية في دعم المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، وتمويل المبادرات المجتمعية، وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا من الدخول في النشاط الإنتاجي.

أما القطاع الخاص، فهو شريك رئيس لا غنى عنه في تحقيق الاكتفاء الذاتي. فالمطلوب من رجال الأعمال والمستثمرين توجيه رؤوس الأموال نحو الاستثمار الإنتاجي الحقيقي، من خلال إنشاء المصانع، وتطوير سلاسل القيمة، ودعم الصناعات المرتبطة بالزراعة والثروة السمكية والحيوانية، بما يسهم في خلق فرص العمل وتعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل الارتهان للخارج.

كما أن المجتمع بمختلف فئاته شريك أساسي في هذه المسؤولية. فالمواطن يسهم من خلال دعم المنتج المحلي، وترشيد الاستهلاك، وتشجيع الإنتاج المنزلي والأسري، والاهتمام بالزراعة حيثما أمكن. كما تستطيع الجمعيات لعب دور فاعل في التوعية، والتدريب، وتنظيم المبادرات المحلية المجتمعية التي تعزز الإنتاج ومشاركة المجتمع.

إن الاكتفاء الذاتي لا يعني الانغلاق الاقتصادي أو رفض التبادل التجاري مع العالم، بل يعني بناء قدرة وطنية حقيقية على تأمين الاحتياجات الأساسية، وحماية الأمن الغذائي، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي أمام التقلبات الخارجية.

فالأمم القوية ليست تلك التي تملك الموارد فحسب، بل التي تحسن استثمارها، وتحول إمكاناتها إلى إنتاج، ورؤاها إلى خطط، وخططها إلى نتائج ملموسة.

وفي الختام، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي ليس مسؤولية جهة بعينها، بل مشروع وطني شامل يتطلب تكامل الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. ومتى ما توفرت الإرادة الصادقة، والرؤية الواضحة، والعمل المنظم، فإن الاكتفاء الذاتي يمكن أن يتحول من طموح وطني إلى واقع ملموس يعزز كرامة الوطن، ويحمي اقتصاده، ويصون استقراره.