المقاطعة كحافز مهم للإنتاج المحلي.. كيف يمكن أن تصبح الزراعة العمود الفقري للاقتصاد الوطني؟

5

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

23 مايو 2026مـ – 6 ذو الحجة 1447هـ

يُعد الأمن الغذائي ركنًا أساسيًا من أركان الأمن القومي لأي دولة، وهو ما أدركته الكثير من الأمم التي جعلت من إنتاج الغذاء محليًا أولوية استراتيجية قصوى، لكن الأمة المسلمة، ولسوء الحظ، ظلت بعيدة عن هذا الرشد الإنساني، رغم امتلاكها مقومات زراعية هائلة تؤهلها ليس فقط للاكتفاء الذاتي، وإنما للفائض التصديري.

وفي خطابه حول أهمية مقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية في المحاضرة الرابعة من شهر ذي الحجة للعام 1447 للهجرة، قدم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – قراءة عميقة لواقع الزراعة في العالم الإسلامي عمومًا واليمن خصوصًا، مبرزًا حجم الهدر الذي طال هذا القطاع الحيوي نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة استمرت لعقود.

ويرى السيد القائد أن السودان، وهو من مقدمة البلدان العربية والعالمية في قدرته الزراعية، يتحول عند أول أزمة إلى دولة مجاعة تستجدي المساعدات.

وفي اليمن، الذي يملك أراضي خصبة ومساحات شاسعة ومقومات طبيعية لا تتوفر في الكثير من بلدان العالم، وصل الحال إلى استيراد أبسط المواد الغذائية، ومنها الصلصة المصنوعة من الطماطم من عشرات البلدان.

هذه المفارقة الصارخة بين الإمكانات الهائلة والواقع المتردي، يقف خلفها – بحسب السيد عبد الملك الحوثي – غياب الإنتاج المحلي، وتهميش الزراعة، والسياسات التي جعلت من الأمة مجرد سوق استهلاكية للغير، بدلًا من أن تكون أمة منتجة قوية.

وهنا، يؤكد السيد عبد الملك الحوثي أنه لا يجوز إطلاقًا أن يكون اعتماد الأمة المسلمة في الحصول على غذائها ودوائها وملابسها وسائر ضروريات حياتها اعتمادًا على أعدائها، فيما يأتي من عندهم، فهذا النوع من التبعية يحول احتياجات الشعوب الأساسية إلى أوراق ضغط بيد الأعداء.

وبمقتضى الرشد والحكمة والتعليمات الإلهية، يجب أن نكون شعبًا منتجًا لغذائه واحتياجاته الأساسية، والله قد منح الأمة كل المقومات اللازمة لذلك من أرض زراعية ومساحات شاسعة.

وهنا تأتي المقاطعة – كما يقول السيد القائد – كحافز مهم للإنتاج المحلي، حيث يمكن للناس التوجه إلى إنتاج بدائل عن البضائع الأمريكية والإسرائيلية أو بضائع الشركات الداعمة للصهيونية، فعندما تنتج الشعوب هذه المنتجات بأنفسها، تتحول الأموال التي كانت ستذهب إلى بنوك وجيوب الأعداء إلى أموال داخل هذه الشعوب، لصالح شركات وطنية محلية وتجار وفلاحين وجمعيات تنموية واستثمارية.

ويركز السيد القائد على مسألة الإنتاج المحلي، معتبرًا أنه من المسائل التي تستحق تسليط الضوء عليها كثيرًا، فهو يمثل واحدة من المعضلات الكبرى للوضع الاقتصادي، وهو عامل أساسي وركن ضروري في الاقتصاد، وفي النهضة الاقتصادية، وفي الخروج من حالة البؤس والمعاناة التي تعاني منها الشعوب، فالمشكلة ستبقى قائمة ولن تنفع معها أي حلول ولا سياسات أخرى طالما بقيت هذه المشكلة قائمة، كما نرى في واقع الشعب اليمني الذي يعاني اقتصاديًا بشكل كبير.

ويوضح السيد القائد أن هذه المعاناة التي نعيشها هي نتيجة سياسات اقتصادية مستمرة من الحكومات المتعاقبة على مدى عقود، وهي سياسات شطبت مسألة الإنتاج المحلي وأهملت الزراعة والصناعات التحويلية، حتى وصل الحال في هذا البلد إلى استيراد كل شيء، حتى أبسط الأشياء كالشوك والتراب والصخور من الخارج، ومن بلدان لا تمتلك من المقومات الاقتصادية ما يمتلكه اليمن.

وأمام واقع كهذا، بات تجار اليمن يستوردون البسكويت والشوكولاتة والمواد البسيطة من خمسين بلدًا، والصلصة المصنوعة من الطماطم من بلدان كثيرة، وكلها يمكن إنتاجها محليًا بكل بساطة ووفرة ودون عناء، كما يقول السيد القائد، الذي يرى أنه لو تحولت رؤوس الأموال التي تصل إلى مليارات الدولارات من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي، لحدثت نهضة اقتصادية حقيقية.

ويؤكد السيد القائد أن الإنتاج المحلي هو السبيل الوحيد للنهضة، وأنه طالما بقيت مشكلة الإنتاج المحلي قائمة دون تفاعل من التجار ورجال المال والأعمال والمسؤولين الحكوميين والوعي العام، فالمشكلة ستبقى ولن تأتي معجزة تنقل الناس من البؤس إلى الرفاه، منوهًا إلى أن هناك مسارات واضحة للنهضة الاقتصادية اتبعتها البلدان التي نهضت، وهي توجيه رؤوس الأموال الكبيرة لدى القطاع الخاص إلى الداخل للإنتاج المحلي.

وينتقل السيد القائد إلى نقطة أخرى غاية في الأهمية، وهي عندما تتحول الحالة إلى استيراد واستهلاك فقط، يحدث تضخم في الاقتصاد، وتتكدس البضائع في الأسواق، وتنعدم القدرة الشرائية، وتنتشر البطالة، أما إذا اتجه الناس للإنتاج المحلي، وتحركت رؤوس الأموال إلى الداخل، فتتحرك اليد العاملة وتتقلص البطالة، وتصبح الزراعة العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

وإذا اتجهت الأموال ورؤوس الأموال إلى الداخل، ستحدث نتيجة حقيقية ملموسة في واقع الناس، وهذا يتطلب وعيًا لدى المستهلكين بالإقبال على المنتج المحلي، ووعيًا لدى المنتجين بمراعاة الجودة، وتعاونًا حقيقيًا شعبيًا ورسميًا بين القطاع الخاص والعام والمسؤولين وبقية الشعب.