مجلة “ذا أتلانتيك”: أمريكا القوة العظمى في نهاية عصرها والعالم يمضي قُدُماً بدونها

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ

نشرت مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية، اليوم، مقالًا تحليلياً بارزاً للكاتب فرانكلين فوير، سلّط فيه الضوء على الزيارة الأخيرة لمجرم الحرب الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين.

واعتبر الكاتب أن الزيارة جسّدت بشكل صارخ ملامح رئيسٍ في نهاية ولايته، يمثّل تراجع وانحسار القوة العظمى للولايات المتحدة الأمريكية التي باتت عاجزة عن فرض هيبتها، في وقتٍ يراقب فيه العالم هذا الأفول ويمضي قُدُماً دون الالتفات إليها.

وأشار “فوير” في مقاله إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ استقبل ترامب بحفاوة بالغة تليق بقمة القوى العظمى، إلا أن هذا الاستقبال حمل في طياته أبعاداً أخرى؛ حيث سمح الزعيم الصيني بانتشار الانتقادات اللاذعة الموجهة لضيفه الأمريكي على نطاق واسع عبر الإنترنت في بلاده، بدلاً من قمعها كما جرت العادة.

وأضاف الكاتب أن الرئيس الصيني ردّ على إطراء ترامب المبالغ فيه بتوبيخه بشدة على خلفية التدخل الأمريكي في شؤون تايوان، مؤكداً أن بكين لم تقدم لترامب أي شيء ذي قيمة حقيقية في هذه الزيارة، سواء أكانت حلولاً للحرب في إيران، أو اتفاقيات تجارية شاملة، أو وعوداً بالوصول إلى المعادن الأرضية النادرة، حيث اكتفى “شي” بمجاملة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته بانتظار رحيله.

واستعرض المقال التحول الكبير في تعامل القادة الأجانب مع الإدارة الأمريكية؛ فبينما كان القادة يتملقون ترامب ويجاملونه خلال إدارته الأولى بدافع الخوف والاحترام للقوة الأمريكية والاعتماد عليها، تغيرت حساباتهم بهدوء خلال الإدارة الثانية، وتحديداً منذ بداية الحرب الإيرانية.

وجاء فيه “لم يعد القادة الأجانب يرون أن استراتيجية التملق تستحق العناء، وبدأ شي جين بينغ – كغيره من قادة العالم – يدرك أن ولاية ترامب ليست الوحيدة التي ستنتهي، بل إن ولاية القوة الأمريكية نفسها أوشكت على الانتهاء، حيث تطلق على نفسها لقب قائدة العالم الحر لكن العالم لم يعد يصدقها، وعندما تهدد لا يرتعد أحد خوفاً”.

وأكد فرانكلين فوير أن حرب ترامب على إيران، والتي كان الهدف منها استعراض القوة، حققت نتائج عكسية تماماً، حيث فشلت واشنطن في إزاحة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو القضاء على تهديدها النووي، بينما استنزفت الولايات المتحدة ترسانتها العسكرية بالكامل.

ونقل عن صحيفة وول ستريت جورنال تخوف الجيش الأمريكي من الفشل في الدفاع عن تايوان، ما جعل الحلفاء في المحيط الهادئ يتساءلون بحق عما إذا كانت الذخائر الأمريكية المتبقية كافية لحمايتهم.

ودحض الكاتب حجج مؤيدي الحرب الذين زعموا أنها ستوجه ضربة قوية للصين عبر القضاء على أحد أقوى حلفائها (إيران)؛ حيث حدث العكس تماماً، فقد اتجهت دول الخليج نحو بكين.

وأشار في هذا السياق إلى تقييم استخباراتي أعد لرئيس هيئة الأركان المشتركة ونشرته صحيفة واشنطن بوست لأول مرة، يحذر من أن دول الخليج بدأت بالفعل في الحصول من بكين على الأنظمة اللازمة لحماية بنيتها التحتية النفطية وقواعدها، ما يعني أن ترامب عزز موقف الصين في الشرق الأوسط بدلاً من إضعافه.

وأضاف أن الصين استفادت دون عناء من “تدمير أمريكا لنفسها” _حسب قوله_ ووظفت احتياطياتها النفطية واستثماراتها في الطاقة المتجددة لتقديم مساعدات لتايلاند والفلبين وأستراليا للتخفيف من أزمة الطاقة التي أشعلتها واشنطن.

و تركت الصين الصراع في إيران يطول لتتحمل أمريكا وحدها لوم اضطرابات الملاحة البحرية، بينما تظهر بكين بأنها الراعي الأمين للنظام العالمي القائم على القواعد، وأنها تمثل العقلانية والقوة التي باتت أمريكا مجبرة على الاعتماد عليها.

وقد مكّن هذا الانتظار الصيني الذكي بكين من كسب الوقت لتحقيق ما يطلق عليه شي جين بينغ “الاعتماد على الذات الوطنية”، للحاق بالغرب تكنولوجياً وتحصين نفسها للمنافسة القاسية القادمة.

وعلى الجانب الإيراني، أوضح الكاتب أن طهران تتبع ذات الاستراتيجية القائمة على الانتظار. وكشف نقلاً عن تقييمات استخباراتية نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، أن إيران تمكنت من استخراج أنظمة أسلحة مدفونة تحت الأنقاض جراء الضربات الأمريكية، واستعادت الوصول إلى 30 موقعاً من أصل 33 موقعاً للصواريخ على طول مضيق هرمز، كما استعادت نحو 90% من مخزونها الصاروخي تحت الأرض دون الحاجة لشراء صاروخ واحد أو منصة إطلاق جديدة.

واختتم فرانكلين فوير مقاله في المجلة الأمريكية بالإشارة إلى “لعنة الرؤساء المنتهية ولايتهم” في التاريخ الأمريكي، مؤكدًا أن ترامب يعيش هذا المصير الآن، ومحذراً من أن العواقب تتجاوز فترة رئاسته بكثير؛ فكل صفقة فاشلة، وكل قمة بلا نتائج، وكل وعد لم يتحقق، يؤكد للخصوم أن هناك قوة عظمى في نهاية ولايتها تستنزف نفسها أمام أنظار العالم، بينما العالم يمضي قُدُماً بدونها.