ملف الأسرى بين جديّة الجانب الوطني والتعنت السعودي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 مايو 2026مـ – 27 ذو القعدة 1447هـ
تقرير | وديع العبسي
في خطوة إنسانية طال انتظارها، وبعد 14 أسبوعاً من العمل الجاد والمفاوضات المكثفة، أُعلن اليوم الخميس في العاصمة الأردنية عمّان عن استكمال جولة المفاوضات الخاصة بملف الأسرى، بالتوقيع على قوائم تشمل 1680 أسيراً ومعتقلاً: 1100 من طرف صنعاء، و580 من طرف تحالف العدوان، بينهم 7 سعوديين و20 سودانياً. وجاء الإعلان على لسان رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبدالقادر المرتضى، الذي أكد أن التنفيذ سيتم بعد استكمال الإجراءات مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
فخامة المشير الركن مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى، بارك توقيع اتفاق تبادل الأسرى، وعبر -في اتصال هاتفي مع رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبدالقادر المرتضى، وقائد محور همدان اللواء يحيى عبدالله الرزامي- عن الشكر للجهود المبذولة لإنجاح هذا الاتفاق، مؤكدا أن صنعاء قدمت ولا زالت تقدم كل التسهيلات من أجل إنجاز هذا الملف الإنساني بشكل كامل، والإفراج عن كل الأسرى والمختطفين لدى العدوان الأمريكي السعودي ومرتزقته، وفقا لمبدأ الكل مقابل الكل، كما هو متفق عليه في خارطة الطريق.
وقال: “نُطمئن أهالي أسرانا الكرام بأننا نضع معاناتهم ومعاناة أبنائهم في صدارة أولوياتنا، وأنهم سيعودون قريبا بإذن الله. كما أكد أن المجلس السياسي الأعلى لم يألُ جهداً في العمل للتوصل إلى إطلاق كل الأسرى بكل السبل والوسائل الممكنة حتى يتحقق تحريرهم وعودتهم إلى أهلهم وذويهم سالمين.
عرقلة سعودية مستمرة لملف الأسرى
بفعل التعنت المستمر والعراقيل التي تعمدت السعودية وضعها في طريق إنهاء ملف الأسرى بكونه ملفاً إنسانياً بحتاً، ووحدة واحدة لا تتجزأ، وينبغي التعامل معه على هذا الأساس بما يؤدي إلى حلحلته، ظل هذا الملف طويلا يراوح محطات الاتفاق، ثم النكوص من قبل الجانب السعودي والمرتزقة، مع الحرص على إبقائه في ذات المربع.
في كل محطة كان الحديث يدعو إلى التفاؤل بأن الطرف الآخر بدأ يستوعب التزاماته تجاه الأسرى، إلا أنها كانت دائما تنتهي في ذات المكان، بعد تلبيد مسار الإعداد والتجهيز لتنفيذ أي اتفاق بالعراقيل والتعقيد من الطرف السعودي.
في منتصف أكتوبر 2020 جرت أكبر عملية تبادل للأسرى بإشراف الأمم المتحدة، شملت الإفراج عن 1080 أسيرًا، وفي أبريل 2023، نُفذت صفقة جرى بموجبها إطلاق نحو 900 أسير ومحتجز من الجانبين بينهم 7 سعوديين و23 سودانيا ضمن قوات تحالف العدوان، بعدها لم يشهد المسار عمليات مماثلة، إلا من تحركات بسيطة كانت تتم عبر وساطات محلية.
منذ ذلك الحين كانت واضحة الجهود التي تبذلها اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، بقيادة رئيس اللجنة عبدالقادر المرتضى، لإنهاء معاناة الأسرى من الجانبين، فيما لم تُقابِل هذه الجهود أي ردود فعل إيجابية من الطرف الآخر، وهذا ما تشهد به جولات المحادثات التي لم يكن يسبقها أي نوايا حسنة للاقتراب بهذا الملف من نهايته.
وقد ظهر أن الطرف السعودي -في هذا السياق- قد تنصل عن مسؤوليته تجاه أسراه وأسرى من قاتلوا معه، فكلما بادرت لجنة شؤون الأسرى إلى تحريك المياه الراكدة، لعب الطرف الآخر بالمفردات وأوهم الآخرين بالتفاعل الإيجابي قبل أن تكشف طاولة المحادثات أو ما بعدها عدم الجاهزية في الإرادة لحسم هذا الملف، الأمر الذي أعطى الكثير من المراقبين الانطباع بعدم نضج الرغبة بعدُ لدى مجموعة تحالف العدوان لتناول هذا الملف الإنساني غير القابل للاستغلال والمزايدات والابتزاز.
العودة للبداية بعد الاتفاق على تصفير الملف
ظلت لجنة شؤون الأسرى تتحدث عن صفقة تبادل تشكل “الكل مقابل الكل”، فيما الجانب الآخر كانت له رؤية مغايرة، تؤكد على المبادلة وفق أعداد محددة يتم الاتفاق عليها تضمن قيادات المرتزقة فقط والأسرى السعوديين، وهو مع ذلك لم يكن ينتهي بالاتفاق إلى التنفيذ.
نهاية ديسمبر الماضي زفّ المرتضى بشرى اتفاق “مسقط” بعد مفاوضات شهدتها العاصمة العُمانية خلال الفترة 9-23 ديسمبر/ برئاسة مشتركة من المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
كان الاتفاق يقوم على تصفير ملف الأسرى بتبادل نحو 2900 أسير ومحتجز، بواقع 1700 من الجانب الوطني مقابل 1200 من الطرف الآخر، وكان من المقرر أن تبدأ مرحلته الأولى في 27 يناير 2026، إلا أن تنفيذه تعثّر كالمعتاد.
وكشف عبدالقادر المرتضى –حينها- أن الأمر يعود إلى خلافات بين الأطراف التابعة للسعودية حول تنفيذ صفقة التبادل، فالبعض يريد تنفيذ الصفقة، بينما آخرون لا يريدون التنفيذ حاليًا لحسابات سياسية، وهو ما نتج عنه “تأخر الطرف الآخر في تقديم قوائم الأسرى خلال الموعد المحدد بموجب اتفاق مسقط”.
المزايدة بملف إنساني
في 25 يناير 2025، وفي بادرة إنسانية أفرج الجانب الوطني بشكل أحادي عن 153 شخصاً جرى أسرهم خلال الحرب، الأمر الذي أحرج قوى العدوان وكشف زيف حرصهم على أسراهم. فيما زعمت السعودية في مايو من عام 2022 تنفيذ مبادرة إنسانية مماثلة بالإفراج عن 163 أسيرًا من الجيش اليمني، إلا أن المرتضى كشف حينها زيف ما تناولته وسائل تابعة للعدو السعودي بالإفراج عن هذه المجموعة من الأسرى، على جانبين، الأول أن الكشف الذي وصل إلى اللجنة “يتضمن عددا من الأسماء خلاف ما أعلنت السعودية”، فالمفرج عنهم تبين أنّ عددهم 126 محتجزًا فقط، الثاني “أنهم ليسوا من أسرانا وغير معروفين لدينا”.. قال المرتضى “أبلغنا الصليب الأحمر أننا غير معنيين بهم، وعلى دول العدوان التوقف عن المتاجرة والمزايدة بملف هو إنساني بامتياز”.
السعودية تمنع عمليات التبادل المحلية
في الشواهد البارزة على عدم التزام تحالف العدوان وتحديدا السعودية (صاحبة الكلمة في كل تفاصيل العدوان واحتجاز الأسرى من الجيش اليمني) منعُها لعمليات التبادل التي كانت تُنفَذ بالتنسيق مع جهات محلية. وقد أصدرت عام 2021 ما تسمى بالغرفة المشتركة لتحالف العدوان توجيهات صارمة للقيادات الميدانية التي تتبعها من مرتزقة العدوان في الميدان، بوقف تنفيذ كل عمليات التبادل التي تم التوافق عليها محليا فردية أو جماعية، وألا يكون هناك أي تبادل إلا عبر ما يسمى باللجنة المشتركة التي يرأسها ضباط من الاستخبارات السعودية والتي تسيطر على ملف الأسرى بشكل كامل، حسب رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى في اليمن، عبدالقادر المرتضى. هذا التوجه فسّره المرتضى بأنه خشية وقلق سعودي من أن تؤدي الاتفاقات المحلية إلى تقارب بين اليمنيين فيما يخص التفاوض في ملف الأسرى، وأن يؤدي هذا التقارب إلى تقارب أكبر في ملفات أخرى، بالإضافة إلى رغبة السعودية في إبقاء هذا الملف تحت سيطرتها وتحت إشرافها، ولا يكون للمرتزقة الذين يتبعونها صلاحية في هذا الملف بشكل كامل، وفق المرتضى.
انتهاكات وتعذيب وحشي حتى الموت
إلى ذلك، كشف تحالف العدوان عن حالة تنافر وعداء بينه وبين الالتزام بالمبادئ القيمية في التعامل مع الأسرى، وقد وثقت التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية الكثير من أشكال الانتهاكات المتنافية مع ما يدعو إليه الإسلام الحنيف وتؤكد عليه القوانين والأعراف الدولية، وعلى مدار الأعوام الماضية أظهرت شهادات الأسرى المحررين عن ممارسات رصدتها المنظمات الإنسانية والحقوقية واعتبرتها مخالفات.
ويتعرض الأسرى في سجون تحالف العدوان لأشكال من التعذيب الجسدي الوحشي (ضرب مبرح، جلد بالسياط، وخز بالإبر، حرق، والصعق بالكهرباء)، وقد وصلت عدد من الحالات إلى الموت تحت التعذيب الشديد والإهمال الطبي المتعمد داخل تلك السجون.
وتُظهر الشهادات، وتحليل المعطيات التي كان منها منع لجان دولية من زيارة أماكن الاحتجاز، أن الأسرى يعيشون خلال الاحتجاز في ظروف مأساوية، فضلا عن الاحتجاز في سجون سرية (غير معلنة) بالمخالفة الصريحة للمبادئ الإنسانية وما شددت عليه القوانين الدولية، وفي هذه الظروف يتعرض الأسرى للحرمان المتعمد من الغذاء، والرعاية الطبية والأدوية اللازمة للمرضى والجرحى. هذا إلى جانب ما يمارس ضد الأسرى من تعذيب نفسي ممنهج من خلال الضغوط النفسية القاسية بقصد التأثير على حالة الأسرى النفسية، ناهيك عن التعتيم والتعنت في الكشف عن أسماء الأسرى وهوياتهم.
