معادلة “النقاط الخمس” في لبنان تحاصر واشنطن و”الكيان”.. المقاومة تنسف أجندات التفاوض تحت النار

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
13 مايو 2026مـ – 26 ذو القعدة 1447هـ

تشهد الساحة اللبنانية حالة من التعقيد المتصاعد على المستويين العسكري والسياسي، في ظل استمرار العدوان الصهيوني وتداخل مسارات الاشتباك الميداني مع الضغوط السياسية التي يمارسها العدوان الأمريكي و”الإسرائيلي” على الحكومة لفرض مكاسب عجز العدو عن فرضها أمام تصاعد عمليات الردع التي تنفذها المقاومة.

ومع تكبد العدو خسائر جسيمة بشكل يومي جراء العمليات الخاطفة لحزب الله، يهرب كيان العدو من المواجهة الشاملة باتخاذ “وقف إطلاق النار” كمظلة لمواصلة الإجرام، في وقت يحرّك الأدوات السياسية في الداخل اللبناني للانبطاح على طاولة المفاوضات وتصعيد الحديث عن سلاح المقاومة، وإبرام اتفاق مع حكومة نواف سلام برعاية أمريكية لإرباك مسار الردع ومحاولة خلق ضغوط داخلية على حزب الله.

وبين من يراهن على حلول سياسية أثبتت فشلها طيلة عقود طويلة، ومن يصر على أن المقاومة هي الخيار الوحيد دفاعاً عن البلاد أرضاً وإنساناً، يبقى الميدان المحكوم بمعادلات المقاومة صاحب الكلمة، ومن يفرض خياراته السياسية والعسكرية في آن واحد.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد علي أبي رعد، أن لبنان يمتلك أوراق قوة حقيقية ترتكز إلى الميدان العسكري، وأن هذه الأوراق التي حققتها المقاومة يمكن أن تُستخدم لانتزاع الحقوق من الولايات المتحدة وكيان العدو على حد سواء.

ويشير في مداخلة على قناة المسيرة، إلى أن الدعوة الأخيرة الصادرة عن الشيخ نعيم قاسم لم تكن دعوة انسحاب، بل دعوة إلى تفاوض غير مباشر، وهو ما اعتبره رسالة موجهة إلى السلطة اللبنانية بأن هذا النمط من التفاوض مقبول من جانب المقاومة، مشيراً إلى أن هذا الطرح جاء أيضاً في تصريحات سابقة للرئيس نبيه بري.

ويلفت إلى أن هذه الدعوات تستند إلى مجريات الميدان، بعد اعتقاد إسرائيلي مدعوم أمريكياً بأن الضغوط والغطرسة خلال خمسة عشر شهراً كانت كفيلة بإحداث تغيير على الأرض، إلا أن الوقائع الميدانية أثبتت عكس ذلك.

وينوّه إلى أن ما يجري في الجنوب يعكس تعرض الاحتلال الإسرائيلي لإذلال وهزيمة قاسية، وأن التطورات العسكرية، بما فيها استخدام تكتيكات وأدوات متطورة، قلبت موازين القوى وكسرت التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، مشيراً إلى أن ما يتم تداوله حول تقدم إسرائيلي في بعض المناطق لا يعكس حقيقة السيطرة على الأرض بسبب طبيعة الجغرافيا اللبنانية المعقدة، متطرقاً في الوقت ذاته إلى المشاهد التي تنشرها المقاومة بشأن تعرض العدو لضربات خاطفة تجعل بقاءه في أي نقطة مكشوفاً ومعرضاً للاستهداف في أي وقت.

ويشدد على أن الهدف الإسرائيلي المتمثل بالوصول إلى نهر الليطاني وفرض ترتيبات أمنية على الدولة اللبنانية قد فشل، رغم الضغوط الأمريكية التي دفعت نحو مسار تفاوضي لن يحقق سوى صورة هزلية للاحتلال.

ويضيف أن المعارك في الجنوب، خصوصاً في مناطق لا تبعد سوى أربعة إلى خمسة كيلومترات عن الحدود، أظهرت استمرار الاشتباك العنيف، وأن الاحتلال لم يتمكن من تثبيت أي وجود فعلي في المناطق التي أعلن التقدم إليها، رغم محاولات تصوير العمليات ميدانياً.

ويكشف أن المقاومة نفذت عمليات نوعية وكمائن أجبرت قوات الاحتلال على الانسحاب، وأنها دفعت بتعزيزات كبيرة إلى الخلف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لمنع التشتت وتفادي خسائر إضافية، وهو ما أقرّت به وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى تصريحات قادة عسكريين إسرائيليين سابقين وصفوا الاعتقاد بالانتصار في لبنان بأنه وهم.

ويجدد أبي رعد التأكيد على أن دعوة الشيخ نعيم قاسم للتركيز على النقاط الخمس جاءت في سياق رفض أي مسار تفاوضي يفضي إلى تنازلات، معتبراً أن بعض الأطراف داخل السلطة اللبنانية تراهن على إضعاف المقاومة وتغيير تركيبة الداخل اللبناني، وصولاً إلى تقليص تمثيلها السياسي، إلا أن الوقائع تشير إلى العكس.

ويشدد على أن المقاومة ما تزال في موقع الفاعل ميدانياً، وأن ما يظهر من تطورات هو “رأس جبل الجليد” فقط، منوهاً إلى أن الحرب طويلة وتتطلب نفساً استراتيجياً، وأن التفوق الميداني والتكنولوجي الذي راهن عليه الاحتلال تم كسره.

ويتابع بالقول إن معادلة السيطرة الميدانية والتفوق الجوي تعرضت للاهتزاز، وأن المقاومة فرضت معادلة جديدة تمنع العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، مؤكداً أن فكرة السلام مع الاحتلال غير واقعية في ظل تاريخ طويل من الأطماع الإسرائيلية منذ عام 1919.

ويختتم العميد علي أبي رعد مداخلته بالإشارة إلى أن الاحتلال يواجه عزلة دولية وملاحقات قانونية ضد جنوده في الخارج، وأن قيادته السياسية، بما فيها بنيامين نتنياهو، تسعى لفتح جبهات جديدة مثل غزة للهروب من أزماته الداخلية.

 

من جهته، يعتبر الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية علي مراد، أن رسالة الشيخ نعيم قاسم تندرج ضمن سلسلة رسائل سابقة تؤكد استمرار خيار المقاومة في الدفاع عن لبنان وتحقيق أهدافه المعلنة منذ بداية المواجهة.

ويتطرق في مداخلة على قناة المسيرة، إلى وجود بعد وجداني يربط القيادة بالمقاتلين، في ظل عمليات ميدانية موثقة تُظهر استمرار المواجهة اليومية، مؤكداً أن الخطاب السياسي للمقاومة يهدف أيضاً إلى إيصال رسائل إلى البيئة الداخلية والسلطة اللبنانية، خصوصاً في ظل ما اعتبره غطاءً سياسياً يتيح استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين.

ويلفت إلى أن المرحلة السياسية الحالية تتزامن مع اللقاء التطبيعي الثالث بين الحكومة اللبنانية والجانب الإسرائيلي، وهو ما دفع المقاومة إلى التأكيد مجدداً أنها لن تتراجع تحت أي ظرف، وأن أهدافها ما تزال قائمة وثابتة.

ويشدد على أن المقاومة ترفض أي حديث عن إنهاء حالة العداء مع كيان العدو الصهيوني، مؤكداً أن هذا العداء سيبقى قائماً ما دام الاحتلال مستمراً، وأن أي تفاوض مباشر أو مسارات تطبيعية لا تعنيها ولن تعترف بنتائجها.

ويوضح أن الأهداف الخمسة التي تتبناها المقاومة – وهي وقف العدوان، انسحاب الاحتلال، عودة الجيش اللبناني إلى الجنوب، إعادة الإعمار، وتحرير الأسرى – هي مطالب وطنية عامة، رغم وجود أطراف لبنانية لا تتبناها، لافتاً إلى أن هناك قلة داخل المشهد السياسي اللبناني تعمل بالتنسيق مع دوائر ضغط في واشنطن للتأثير على القرار اللبناني الجامع.

ويضيف أن الضغوط الأمريكية دفعت باتجاه مسار تفاوضي مباشر، رغم وجود قوانين لبنانية تحظر التواصل مع العدو، إضافة إلى قانون مقاطعة إسرائيل.

وفي سياق متصل، يؤكد مراد أن خطاب المقاومة يحرص على إبقاء قناة تواصل غير مباشرة مع الدولة اللبنانية، عبر الدعوة إلى استثمار “أوراق القوة”، لكنه شدد في المقابل على ضرورة انسحاب السلطة السياسية أولاً من اللقاءات التي وصفها بالمخزية مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن، قبل أي نقاش داخلي.

ويختتم مداخلته بالتأكيد على أن الواقع السياسي الحالي يعكس ضعف بعض الأطراف اللبنانية أمام الضغوط الأمريكية، وعدم قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة، ما يجعل مسار التفاوض محكوماً بإرادة خارجية أكثر من كونه قراراً لبنانياً خالصاً.