الإيرانيون سلاسل بشرية دفاعا عن السيادة والكرامة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 مايو 2026مـ – 25 ذو القعدة 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

لم تكن القدرات العسكرية وبأس المقاتل الإيراني المنطلق الوحيد لأن تأخذ الجمهورية الإسلامية هذه المكانة الفريدة في سلم القوى العالمية؛ إذ كان الالتفاف الشعبي، الذي أبدى جهوزية عالية كجيش عاهد الله ثم القيادة على البقاء في حالة الصمود والثبات، مع الاستعداد للانخراط ضمن الصفوف المقاتلة دفاعاً عن سيادة البلد ومصالح الأمة.

ولم يكن هذا التصور نتاج ما ظهر عليه الشعب الإيراني المسلم في “حرب الأربعين يوماً” الأمريكية الهمجية، أو “حرب الاثني عشر يوماً”، وإنما هي وضعية ممتدة منذ ما قبل قيام الثورة الإسلامية؛ تمظهرت أولاً في الالتفاف حينها حول قيادة الإمام الخميني، والاحتشاد لإنهاء حقبة العمالة لأمريكا في عهد نظام “الشاه”، وثانياً في الثبات على المنجز الثوري الذي أعاد للدولة وشعبها هويتها، ثم ثالثاً مواجهة أشكال الاستهداف الذي قادته أمريكا من حصار وأعمال عدوان ومحاولات فرض الإرادة وإخضاع الإيرانيين لأن يكونوا في ركب الغزاة من عصابات القتل والنهب الأمريكيين والإسرائيليين.

تماسك الجدار الشعبي
شعب الجمهورية الإسلامية قالوها “لا” للخضوع؛ قبل ثورتهم وبعد رسوخها. وخلال (47) عاماً ظلت مراهنة الأعداء تقوم على تحريك الشارع الداخلي في الجمهورية الإسلامية لنشر الفوضى ثم إنهاك النظام الإسلامي تمهيداً لإسقاطه. وخلال هذه الفترة، عاش الشعب الإيراني كهدف لعشرات إن لم يكن مئات المحاولات، تصدّرتها نشر خلايا التجسس —فردية وجماعية— ونشر الإشاعات الهادفة إلى خلخلة ثقة القاعدة الشعبية بالنظام، وزرع قناعة بأن هذا النظام هو سبب أي معاناة يعيشها المجتمع الإيراني، فضلاً عن التقليل من النهج الديمقراطي للجمهورية، قبيل الدفع باتجاه تنفيذ الحلقة الأخيرة المتمثلة بتزويد الخلايا بالسلاح وقيادة تمرد ضد النظام.

مع كل ذلك، ظل الجدار الشعبي متماسكاً بنفس قوة اليوم الأول للثورة عام 1979، بينما كان استمرار المحاولات الأمريكية والإسرائيلية يزيد من حجم الإنجاز في القضاء على العناصر المرتبطة بهم. لذلك لا يبدو اليوم كالأمس حين كان حجم انتشار الخلايا أكبر ومساحة تحركها أوسع، إذ تضاءل هذا التهديد مع اليقظة الأمنية والاستخبارية والالتفاف الشعبي.

وفي كل مرة كان يتم فيها القبض على خلية كان الوجود الأمريكي الإسرائيلي عبر هذه الخلايا يتآكل، كما كان الكثير من الجهد والكثير من الدعم بالمال والسلاح يذهب أدراج الرياح. ولأن الشعب الإيراني ظل على موقفه الثابت والملتف حول قيادته وجيشه، كان من الصعب الوصول بمحاولات الاستهداف إلى مرحلة الأمان، حتى مع نجاح العدو أحياناً في الحصول على معلومة بشأن عناصر قيادية وتنفيذ عمليات اغتيال جبانة ضد هذه العناصر، إلا أن ما كان يهدف إليه من خلال هذه العمليات كان يصطدم بثبات شعبي يوقف حجم تأثيرها عند المستوى صفر.

.. وليذهب البيت الأبيض إلى الجحيم
وعكست حالة التفاعل الشعبي الواسع مع التطورات السياسية والعسكرية والتهديدات “الترامبية” تماسك الجبهة الوطنية، واستشعار ما تتطلبه اللحظة من موقف ثبات والتفاف حول القيادة ودعم للقوات المسلحة لرد الصلف الأمريكي. مثّل هذا التماسك والتحدي الصريح للضغوط والتهديدات الخارجية أحد أهم مقومات النصر الإيراني؛ وحسم الرئيس، مسعود بزشكيان، في وصف الموقف الشعبي التأكيد على أن “الشعب الإيراني حر، ولن يخضع للعدو”.

مع إطلاق ترامب فقاعته الإعلامية بضرب البنية التحتية للشعب الإيراني وإبادة حضارة آلاف السنين، شكل الإيرانيون سلاسل بشرية انتشرت على مستوى المؤسسات، ومنها مؤسسات الطاقة، في رسالة واضحة على أن أي مشاريع عدائية لا يمكن أن تجد لها منفذاً إلا عبر أجسادهم. وأكد محللون أن الإيرانيين —رغم ما تعرضوا له من تضييق مستمر بلغ حد استهدافهم بالقنابل والصواريخ— “مستعدون للصمود طويلاً، ولتذهب قاعات البيت الأبيض الفخمة للجحيم، ومستعدون لتحمُّل أي إجراءات شديدة لحماية معتقداتهم وبلادهم. فشل ترامب في إدراك ذلك، فحدوده الذهنية محصورة بالثروة والشهرة والغرور”.

كلما زاد الاستهداف زاد الثبات والصمود
توقفت عجلة التأثير الأمريكي خارج حدود الشعب الإيراني، كما هو الحال بالنسبة لليمن، والسبب —حسب تحليلات— يعود إلى ما تعانيه الولايات المتحدة من أمية في قراءة الخصوصية، وعلى قاعدة أن الضغط الخارجي غالباً ما كان يتسبب في تقوية الداخل بدلاً من إضعافه، ظهر شعب الجمهورية الإسلامية في وضع ناسف لأي تصورات بإمكانية اللعب بمشاعره وعواطفه وتوجيهه وفق الرغبة الصهيونية.

وخلال “حرب رمضان” شاهد العالم الزخم الشعبي المليوني للإيرانيين وهو يملأ مئات الساحات كل ليلة، مؤكداً الالتفاف خلف القيادة الثورية، وتفويض الحرس الثوري للرد على المعتدين وتلقينهم الضربات الموجعة. كما أكد المجتمع الإيراني -من خلال تحشداته- واحديةَ الموقف المؤيد للقيادة، والاستعداد العالي للدفاع عن السيادة الوطنية بكل الوسائل الممكنة. وهو ما رأى فيه مراقبون رسائل واضحة بفشل أي تحركات خارجية تهدف لإحداث الانقسام أو الفوضى في الداخل الإيراني، مؤكدين أن “التماسك الشعبي والالتفاف الكبير حول القيادة يعزز من قوة الحرس الثوري، ويمنحه شرعية واسعة للتصدي لأي تهديد”.

تفويت الفرصة على الأعداء
من حرب الـ (12) يوماً في حزيران 2025، ينقل مدير مركز الاتحاد للدراسات الكاتب والباحث العراقي الدكتور محمود الهاشمي مشهداً لشعب الجمهورية الإسلامية، فيؤكد أنه في ذروة المواجهة لم يشهد أي قلق على أي مواطن؛ فلم يزدحموا على الأسواق والمحال التجارية ولا على محطات الوقود، ولم يخشوا أن يطالهم الهجوم فيما كانت تُسمع أصوات الانفجارات في العاصمة طهران ومعها أخبار الاغتيالات للعلماء والقيادات العسكرية والحكومية، كما لم نشهد انتشاراً أمنياً في الشوارع العامة، وكانت حركة المرور جداً عادية.

كان الواضح أن ما يقف خلف هذا المشهد إنما هو اشتغال حكومي عالي المستوى لتفويت الفرصة على الأعداء من أن يجدوا أي ثغرة ولو بسيطة للدخول منها إلى عقليات المواطنين. وفي ما ينقله زوّار طهران، نجد انطباعاً يُعلي من مستوى بيئة الحياة للإيرانيين؛ فالشوارع والمدن والخدمات لا يقل وضعها عما هو في الدول الغربية التي تحاول تصدير نفسها كرائدة في تفاصيل الرقي والتمدن بلا منافس؛ فهناك في الجمهورية الإسلامية —وفق زوّار— أناقة في الشوارع، ونظافة في المدن، وتنظيم دقيق لحركة المرور، ورخص في أسعار الوقود من بنزين وغاز وبقية المشتقات، ودعم صحي، وكثير من الخدمات تُقدم مجاناً.

أما لناحية الاكتفاء الذاتي، فينتشر هناك عدد كبير من المصانع والمعامل والشركات والتطور العلمي والتقني، وتُنتج 98% من الأدوية والعلاجات، كما تنتج أغلب الأجهزة الطبية، وكذا تنتج جميع المنتجات الزراعية.