رسالة أمين حزب الله لرجال الله في الميدان: أنتم المفاوض والضامن لبقاء لبنان

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
12 مايو 2026مـ – 25 ذو القعدة 1447هـ

بعث الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، اليوم الثلاثاء، رسالة تصف واقعًا حقيقيًّا لرجال الله في الميدان، يرسم فيها خارطة طريق بلا خطوط، ويعيد تعريف الهُوية الوطنية اللبنانية من منظور المقاومة الشاملة لا من وهم تفاوض (بلقاء العدو)، ويرسّخ مسارًا سياسيًّا وعسكريًّا استراتيجيًّا، لا يكتفي بتثبيت قواعد الاشتباك، وإنّما يقرأ الحاضر بعين اليقين ويستشرف المستقبل بمنطق إيمان لا يتزعزع وقوة لا تلين.

استهلالية الشيخ قاسم بتوجيه التحية للمجاهدين الذين “تعانق محلقاتهم الأرض وتخنق المحتل”، وبقوله: إنّ “إيمانُكم صواعقُ على المحتل، وروحيتُكم نورٌ يُبدِّدُ ظلامَهم، واندفاعُكم إلى الميدان يُخلخلُ قلوبَهم وعقولَهم”؛ تعكس إيمانًا عميقًا بأنّهم يخوضون معارك ملحمية، واستبسال كربلائي، وصاروا فعلاً صواعق تزلزل الوعي الجمعي للمغتصبين الصهاينة، بعد أن حولوا تفوق العدو التكنولوجي إلى أزماتٍ نفسية وقلق وجودي يطارد أركان كيانه المؤقت.

ويبرز من بين السطور تركيز الأمين العام على “الإنسان” كعنصر حسم أساسي، متجاوزًا لغة الأرقام والعتاد ليؤكّد أن الروح القتالية والاندفاع الإيماني هما النور الذي يبدد ظلام التوحش الصهيوني الأمريكي المشترك، وهي إشارةٍ واضحة للعدو بأن استهداف القيادات أو البنية التحتية لن يفت في عضد جسد جهادي يرى في الشهادة حياة وفي الميدان خلودًا أبديًّا.

رسالةٌ صاغ الشيخ نعيم قاسم من خلالها معادلة “الكل الوطني”، محطمًا محاولات العدو لعزل المقاومة عن بيئتها أو حصرها في جغرافيا محدّدة؛ فحين طاف بكلماته من “جنوب الطهر والكرامة إلى ضاحية الإباء وبيروت الأحرار، وصولاً إلى “جبل لبنان والشمال”، كان يرسخ حقيقة أن لبنان بأسره هو الحاضنة والمستفيد الأول من فعل المقاومة.

الربط الوجداني بين المناطق اللبنانية، والاتصال الروحي بالشهيد الأسمى “سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله والسيد الهاشمي والشهداء والجرحى والأسرى”، يؤكّد على أن المقاومة باتت الدعامة الحقيقية لسيادة لبنان واستقلاله، وما كانت ولن تكون فصيلاً طائفيًّا كما يروج له الصهيوني ومن دار في فلكه من المتصهينين؛ فبدونها يصبح لبنان بكل مناطقه وطوائفه لقمةً سائغة في مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي يسعى العدو لفرضه بالحديد والنار.

رسالةٌ حملت في طياتها تساؤلاً استنكاريًّا موجهًا للعدو والمشككين: “من أين أتيتم؟ وكيف أعدّدتم العدّة؟” وهو سؤال يجسد ذهول العالم أمام أسطورة الثبات والصمود التي لم تنكسر برغم حجم العدوان إلى جانب المؤامرة الدولية، مشدّدًا على أن هذه القوة مستمدة من حبلٍ ممّدودٍ إلى السماء، ما يجعلها قوة غير قابلة للنفاد أو التصفية بقرارٍ دولي أو ضربةٍ عسكرية.

في الشق السياسي للرسالة، تجلّت براعة الشيخ قاسم في تحديد العدو وطبيعة المواجهة بوصفها معركة وجود ضد “الطاغية الأمريكي” والمنبطحين الساعين وراء فتات اللئام، واضعًا النقاط على حروف الحل المشرف، لتحقيق النقاط الخمس: “سيادة لبنان بإيقاف العدوان الإسرائيلي بحرًا وبرًا وجوًّا، وتحرير أرضه المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني، وتحرير الأسرى، وعودة الناس إلى كل قراهم وبلداتهم، وإعادة الإعمار”، ما يصنع سقفًا سياديًّا لا يقبل المساومة أو التجزئة للحل، وكان تأكيده على أن التضحيات مهما عظمت تظل أقل كلفة من ثمن الاستسلام؛ ردٌّ حاسمٌ على كل الضغوط التي تمارس لانتزاع تنازلات مجانية.

كما أن لفتته الذكية نحو الاتفاق الإيراني الأمريكي كمدخلٍ لوقف العدوان تعكس وعيًّا عميقًا بتركيبة القوى الدولية، التي لا تحترم إلا أصحاب الأقدام الثقيلة، مع إصرارٍ حازم على أن السيادة اللبنانية خط أحمر، وأن مسؤولية التفاوض تقع على عاتق الدولة، ولكن من موقع القوة التي يوفرها الميدان، محذّرًا من الانجرار خلف مفاوضات مباشرة تمنح العدو أرباحًا سياسية عجز عن تحقيقها في ساحة الحرب.

ولعل الأبرز في هذه الرسالة هو الفصل الواضح والقاطع بين سلاح المقاومة وبين الشأن الداخلي اللبناني؛ فالشيخ قاسم قطع الطريق على المراهنين على تجريد المقاومة من سلاحها تحت وطأة العدوان وغيره، معتبرًا أن السلاح جزء من استراتيجية أمن وطني تُناقش داخليًّا بعد رحيل المحتل، مستندًا في ذلك إلى خطاب القسم للرئيس “جوزيف عون”، ليؤكد التناغم بين رؤية المقاومة ومؤسسات الدولة في مواجهة الأطماع الصهيونية.

رسالة الأمين العام لحزب الله اليوم، تُعــدُّ إعلانًا صريحًا بأن زمن الإملاءات قد ولّى، وأن “ما قبل 2 مارس” لن يعود، ليس فقط كقاعدة عسكرية، وإنّما كمنطلقٍ لكرامة وطنية ترفض التبعية، وتجعل من الصبر الاستراتيجي الذي يحول الميدان إلى جحيمٍ على المحتل، واليقين بأن النصر هو حتمية إلهية وواقعية، تفرضها دماء الشهداء وتضحيات الأهل الشرفاء الذين وصفهم الشيخ بأنهم “تاج الرؤوس”، ليختم مشهدًا بطوليًّا جامعًا يؤكّد أن المقاومة هي قدر لبنان العزيز الذي لا يعرف الانحناء.