الثروة السمكية بين التحديات والحلول.. جهود متكاملة للحفاظ على الموارد البحرية وتنظيم الإنتاج والتسويق

4

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

12 مايو 2026مـ – 25 ذو القعدة 1447هـ

الحسين اليزيدي: تُعدّ الثروة البحرية في سواحل تهامة أحد أهم الموارد الاقتصادية والغذائية التي يعتمد عليها قطاع واسع من المجتمع، ما يجعل من الحفاظ عليها وتنميتها أولوية ملحّة لضمان استدامتها وتعزيز دورها في دعم الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش.

وفي ظل التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه هذا القطاع، تتعدد الجهود والمبادرات الهادفة إلى تنظيم نشاط الصيد، ورفع كفاءة العاملين فيه، وتطوير آليات التسويق والإنتاج، بما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة للثروة البحرية وحماية بيئتها من الاستنزاف والتدهور.

و في هذا السياقيؤكد رئيس الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر الأحمر حسين العطاس أن القطاع السمكي، كغيره من القطاعات الحيوية في اليمن، واجه خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة نتيجة تداعيات العدوان والحصار، إلا أن الجهود الرسمية والمجتمعية أسهمت في الحفاظ على استمرارية النشاط السمكي وتعزيز دوره في دعم الأمن الغذائي.

ويوضح العطاس أن القيادة أولت القطاع السمكي اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، انطلاقًا من أهمية البحر كمورد اقتصادي وغذائي مهم، حيث جرى إعادة تأهيل عدد من موانئ ومراكز الإنزال السمكي المتضررة، إلى جانب تطوير الخدمات المرتبطة بالإنتاج السمكي وحركة الصيادين والعاملين في سلاسل القيمة السمكية.

ويشير إلى أن الهيئة عملت على تطوير نظام المعلومات السمكية، بما أسهم في تبسيط الإجراءات داخل الموانئ، وتحسين مستوى الخدمات، والحد من العشوائية، الأمر الذي انعكس إيجابًا على تعافي القطاع وتحسين الأداء.

ويلفت العطاس إلى أن إدارة الموارد البحرية تُعد من أكثر المهام تعقيدًا، خاصة في ظل الامتداد الساحلي الطويل لليمن، وما تشهده بعض المناطق الساحلية والجزر من ظروف استثنائية نتيجة العدوان، الأمر الذي تسبب في تحديات تتعلق بضعف الرقابة البحرية، وانتشار الصيد الجائر وغير القانوني، وما يسببه من أضرار للمخزون السمكي والبيئة البحرية.

ويؤكد أن التلوث البحري الناتج عن مخلفات السفن والتسربات النفطية، إلى جانب الحشود العسكرية للعدو في البحر الأحمر، يمثل من أبرز المهددات للبيئة البحرية، لما يسببه من آثار سلبية على الكائنات البحرية والإنتاج السمكي.

ويبين أن الهيئة تعمل، بالتنسيق مع وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية والجهات ذات العلاقة، على تعزيز الرقابة البحرية والإرشاد السمكي، وتفعيل قانون تنظيم صيد واستغلال الأحياء المائية، إضافة إلى تنظيم مواسم الاصطياد بما يسهم في حماية الثروة السمكية واستدامتها.

ويشير العطاس إلى أن الهيئة تنفذ استراتيجية متعددة الجوانب بالشراكة مع عدد من الجهات، تتضمن تنظيم مواسم الاصطياد “الإغلاق البيولوجي” بناءً على دراسات علمية تنفذها هيئة أبحاث علوم البحار والأحياء المائية لتقييم حياة وتكاثر بعض الأنواع البحرية، مثل الجمبري والحبار، وإصدار القرارات المنظمة لمواسم الفتح والإغلاق.، كما تعمل الهيئة على تعزيز الرقابة والتفتيش البحري بالتعاون مع خفر السواحل، لمكافحة الصيد العشوائي ومنع استخدام الشباك والمعدات المحظورة التي تؤثر سلبًا على البيئة البحرية والمخزون السمكي.

و يوضح العطاس أن الهيئة أسهمت في إعداد دراسات ورؤى استراتيجية لتنفيذ مشاريع تمكين اقتصادي تستهدف الأسر العاملة في قطاع الصيد، خصوصًا المتضررة من العدوان أو فقدان قوارب الصيد، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى من المشروع، التي نُفذت عبر الهيئة العامة للزكاة وبمساهمة جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية، استفادت منها نحو 480 أسرة في المديريات الساحلية باللحية والصليف والمنيرة، من خلال توزيع 140 قارب صيد مع مستلزمات الإنتاج.

ويؤكد رئيس هيئة المصائد استمرار الجهود لتنفيذ مشاريع إضافية تشمل إعادة تأهيل معمل الجمبري ومشاريع تنموية أخرى تهدف إلى النهوض بقطاع الثروة السمكية وتعزيز استدامته وتحسين مستوى معيشة الصيادين.

من جانبه يؤكدضابط سلسلة الثروة السمكية زكريا مهاوش أهمية تبني رؤية شاملة للنهوض بقطاع الثروة السمكية، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على المخزون السمكي، وتعزيز دوره في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

ويوضح مهاوش أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب العمل وفق منهجية متكاملة تشمل الرعاية والتنظيم والحماية، إلى جانب تطوير مختلف حلقات سلسلة القيمة السمكية، بدءًا من المدخلات وانتهاءً بالتسويق والاستهلاك، مؤكدًا أهمية إجراء الدراسات والأبحاث العلمية لتقييم المخزون السمكي وتحديد جهد الصيد لكل نوع، بما يسهم في تنظيم عمليات الاصطياد واستدامة الموارد.

ويشير إلى ضرورة تفعيل برامج الحماية والتنظيم من خلال إصدار اللوائح المنظمة وتعزيز الرقابة على كافة مراحل الإنتاج، من أدوات ومستلزمات الصيد، مرورًا بعمليات الاصطياد، وصولًا إلى التسويق، مع التوجه نحو التوسع الرأسي في الإنتاج السمكي كخيار آمن يسهم في زيادة الإنتاج دون التأثير على المخزون السمكي أو البيئة البحرية.

المجاميع الإنتاجية

وفيما يتعلق بالحفاظ على المخزون السمكي، يبيّن ضابط السلسلة أن ذلك يتطلب تنظيم مواسم الاصطياد، وتنفيذ برامج توعوية تستهدف مجتمعات الصيادين، وإشراك القطاع الخاص في الالتزام بالمعايير المنظمة، إلى جانب تنفيذ تدخلات بيئية مثل استزراع أشجار المانجروف وإنشاء الشعاب المرجانية الصناعية، لما لها من دور في إنعاش البيئة البحرية.

ويلفت إلى أن الجهود المبذولة للحد من الصيد الجائر شملت مصادرة آلاف الشباك المخالفة، وتنظيم مواسم صيد بعض الأنواع، إضافة إلى تنفيذ برامج بيئية في السواحل والجزر، مؤكدًا أن الصياد يمثل الحلقة الأهم في الحفاظ على الثروة السمكية، ما يتطلب تعزيز وعيه وإشراكه في جهود الحماية والتنمية.

وفي جانب التسويق، يوضح مهاوش أن هناك توجهًا لتنظيم القطاع من خلال تجميع الصيادين في مجاميع إنتاجية وربطهم بمراكز تجميع وتسويق ضمن مشاريع تعاقدية، بما يسهم في خفض التكاليف وتحسين جودة المنتج، إلى جانب التوسع في تجهيز وتجميد الأسماك لتوفير أنماط تسويقية متنوعة تتناسب مع احتياجات السوق المحلية.

ويشير إلى العمل على تفعيل دور الجمعيات الزراعية في التسويق السمكي، وإنشاء مجاميع تسويقية، والتوسع في إنشاء مراكز تجميع ونقاط بيع، بالإضافة إلى التنسيق لفتح أسواق خارجية واستئناف الصادرات السمكية، بما يعزز من فرص النمو في هذا القطاع الحيوي، مؤكدا أن الرؤية المستقبلية تركز على تنمية الإنتاج السمكي من خلال التوسع في الاستزراع السمكي الساحلي والمياه العذبة، وتعزيز الصناعات التحويلية، وتمكين الصيادين اقتصاديًا، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات السمكية.

جمعية ساحل تهامة

وفي إطار الجهود المبذولة لحماية وتنمية الثروة البحرية وتعزيز استدامتها، تواصل جمعية ساحل تهامة تنفيذ عدد من البرامج والمشاريع التنموية والبيئية الهادفة إلى دعم الصيادين وتحسين سبل عيشهم، إلى جانب رفع مستوى الوعي البيئي والسمكي في مناطق الساحل.

و يوضح المسؤول الإعلامي في الجمعية بدر الشهاري أن من أبرز البرامج التي تنفذها الجمعية للحفاظ على الثروة البحرية، البرامج الإعلامية والإرشادية السمكية والبيئية، إضافة إلى إنشاء مشتل لاستزراع أشجار المانجروف لحماية الثروة البحرية وتعزيز تكاثر الأسماك وحماية السواحل من التآكل، حيث تم زراعة نحو 6000 شتلة من أشجار المانجروف في مناطق الساحل وبعض الجزر، بالشراكة مع هيئة أبحاث علوم البحار وهيئة المصائد السمكية.

و يشير إلى أن الجمعية تنفذ أيضًا برنامجًا إذاعيًا أسبوعيًا بعنوان “حوارات مع الصيادين”، إلى جانب إصدار مجلة “البحر والصياد” الثقافية الإرشادية التنموية، فضلًا عن برامج التدريب والتأهيل التي تستهدف الصيادين، ومن بينها تأهيل فني ومهني عبر معهد الإبداع، ودورات “فرسان تنمية الساحل”، بالإضافة إلى تدريب أبناء الصيادين على صيانة المحركات البحرية، وتأهيل رائدات التنمية في الساحل، إلى جانب البرامج الإرشادية البيئية في مناطق الساحل ومراكز الإنزال.

ويؤكد الشهاري أن الجمعية تعمل على تمكين الصيادين اقتصاديًا من خلال عدد من المشاريع، أبرزها مشروع مصنع ثلوج الساحل لتوفير احتياجات الصيادين، ومشروع التمكين بالمحركات والقوارب، ومشروع وحدة الصيد التعاقدي، إضافة إلى مشاريع الوكالات والمحرّجين، وصيانة المحركات، وتسويق الأسماك عبر الوكالات والتصدير، إلى جانب القروض الميسرة ومشاريع حماية البيئة البحرية والإرشاد السمكي.

ويضيف أن الجمعية تسهم في تنظيم مراكز الإنزال السمكي وتفعيل أنظمة الوزن بالموازين الإلكترونية، إلى جانب مشاريع تجفيف وتمليح الأسماك وتسويقها، فضلًا عن مشروع الفرن الخيري الذي يستفيد منه أكثر من 600 أسرة في مديرية الدريهمي، مشددا على أن الجمعية تعتمد على برامج توعوية مستمرة تشمل الندوات الميدانية، والحملات الإرشادية، والمواد الإعلامية، وإصدار المجلات الشهرية، والبرامج الإذاعية، والفلاشات الإعلامية، إلى جانب التواصل المباشر مع الصيادين، بهدف تعزيز مفهوم الصيد المسؤول والحفاظ على البيئة البحرية للأجيال القادمة.

ويؤكد أن الجمعية تسعى إلى تقديم قروض ميسرة بالتعاون مع الجهات الداعمة، لمساعدة الصيادين على تطوير أدواتهم وتحسين دخلهم، إضافة إلى تقديم خدمات لوجستية وإدارية تسهم في تسهيل أعمالهم، موضحا في جانب التسويق أن الجمعية تلعب دورًا محوريًا في تنظيم عملية تسويق المنتجات البحرية من خلال تجميع الإنتاج السمكي وتحسين جودته وربط الصيادين بالأسواق المحلية، بما يسهم في تقليل دور الوسطاء وتحقيق أسعار عادلة للصيادين، وتوفير منتجات طازجة للمستهلكين، لافتًا إلى أنه تم فتح وكالات للأسماك في عدد من المحافظات اليمنية، كمرحلة أولى شملت محافظتي عمران وصعدة.

تراجع ملحوظ

من جانبه، يشير مدير عام إدارة الأحياء البحرية والمصائد في هيئة أبحاث علوم البحار، المهندس هزاع أحمد كداف، أن الثروة السمكية في بلادنا شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين، سواء من حيث الكميات أو التنوع، مشددًا على ضرورة الوقوف الجاد من قبل الجميع للحفاظ على هذه الموارد الحيوية، موضحاً أن هناك العديد من العوامل التي أسهمت في هذا التراجع، من أبرزها الصيد العشوائي غير المنظم، واستخدام أدوات ومعدات صيد ضارة، إلى جانب التسربات النفطية الناتجة عن الحوادث المختلفة، فضلًا عن تأثيرات التغيرات المناخية.

ويشير إلى أن إدارة الموارد البحرية تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها ضعف الرقابة، وأحيانًا انعدامها، إضافة إلى ضعف الالتزام بالقوانين المنظمة، وقصور المعرفة بالموارد البحرية، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من العشوائية تؤثر سلبًا على استدامة هذه الموارد، لافتا إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب تشديد الرقابة وتفعيل القوانين، وتطبيق العقوبات على المخالفين، إلى جانب إنشاء بنية تحتية مناسبة، وبناء قاعدة بيانات دقيقة من خلال الدراسات والمسوح والأبحاث العلمية، بما يسهم في تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد البحرية وضمان استدامتها.

ويبيّن كداف أن تنظيم مواسم الصيد يتم بناءً على دراسات علمية لتقييم المخزون السمكي، حيث يتم من خلالها تحديد المناطق الممنوع الصيد فيها، ومواسم الاصطياد، والأدوات المناسبة، والكميات المسموح بصيدها، إضافة إلى تحديد الأنواع التي يحظر صيدها، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تسهم في تحقيق التوازن والحفاظ على استمرارية المخزون السمكي.

الالتزام بالقوانين والأعراف البحرية

وفيما يتعلق بالأبحاث، أوضح أن الهيئة تنفذ دراسات بيولوجية لتحديد مواسم تكاثر عدد من الأنواع ذات الأهمية الاقتصادية، والتي تتعرض للاستنزاف بسبب الصيد الجائر، إضافة إلى دراسة تأثير أدوات الصيد، والعمل على إنشاء مطارح صناعية وإعادة تأهيل بيئات أشجار المانجروف لما لها من دور مهم في دعم وتنمية الثروة السمكية.

ويشير، إلى أن التقنيات الحديثة تسهم في تطوير قطاع الصيد وزيادة الإنتاج، من خلال تمكين الصيادين من تحديد مواقع تجمعات الأسماك بدقة، ما يوفر الوقت والجهد، لكنه حذر في الوقت ذاته من استخدامها دون ضوابط، لما قد تسببه من آثار سلبية على المخزون السمكي، مؤكدا أن مستوى الالتزام بالقوانين المنظمة للصيد لا يزال ضعيفًا، مرجعًا ذلك إلى غياب الرقابة الكافية وضعف الوعي، مشددًا على أهمية تعزيز الالتزام من خلال الرقابة الجادة، وتنمية الشعور بالمسؤولية.

وفيما يخص تسويق الأسماك، يشير إلى وجود تحديات تؤثر على وصول المنتج من الصياد إلى المستهلك، منها ضعف الاهتمام بطرق حفظ الأسماك، وعدم الالتزام بالنظافة، وسوء تداول المنتجات، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في بعض مراكز الإنزال، واستخدام وسائل نقل غير مناسبة.

ويدعو إلى ضرورة تكثيف حملات التوعية والإرشاد للصيادين، وتفعيل دور الرقابة والجودة، وتوفير البنية التحتية اللازمة، إلى جانب دعم الصيادين وتقديم التسهيلات والخدمات التي تسهم في تحسين جودة المنتج وضمان وصوله إلى المستهلك بشكل آمن ومناسب.